30 سبتمبر 2023

رواتب بالتنقيط.. كيف نفهم أزمة غزّة الماليّة؟ 

رواتب بالتنقيط.. كيف نفهم أزمة غزّة الماليّة؟ 

تواجه حكومة غزّة، التي تديرها حركة "حماس"، أزمة مالية خانقة. أبرز معالم هذه الأزمة تظهر في قضية صرف رواتب الموظفين، إذ بات التأخر في صرفها نمطاً سائداً لدى وزارة المالية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. 

يأتي ذلك جرّاء عوامل وظروف أثرت سلباً في مصادر الإيرادات المالية للحكومة، ما دفعها لتقليل نسبة ما يُصرف من رواتب للموظفين وتأخير الإعلان عن صرفها، من أجل كسب مزيد من الوقت لتحصيل أكبر قدر من الجباية المحلية، مع إمكانية تأجيل رواتب بعض الأشهر واعتبارها ديناً للموظف على الحكومة. 

الرصيد "صفر"!

في 13 تموز/ يوليو 2023، فاجأ وكيل وزارة المالية في غزة عوني الباشا، الناس بتصريحات صادمة، رصيد الوزارة في البنوك العاملة في غزة "صفر"، ولا سيولة مالية ولا إيرادات متوفرة تمكّن الحكومة من صرف الرواتب للموظفين، وأنّها لتجاوز ذلك ستستدين من البنوك، شاكراً الموظفين على تحمّلهم هذه الظروف القاهرة.

كان هذا الإعلان غير المألوف على لسان مسؤول في وزارة المالية، بمنزلة إنذار للرأي العام في غزة يشير إلى مدى عمق الأزمة المالية التي تواجه الحكومة. فمنذ أن تسلّمت حماس إدارة شؤون القطاع عام 2007، لم تُفصح عن وضعها المالي أو الكيفية التي تدير بها شؤونها المالية، لاعتبارات مختلفة أهمها، عدم الانكشاف أمام الاحتلال، وتداخل موازنات الحكومة والحركة في كثير من مفاصل الدورة الاقتصادية في غزة.

وقد جاء حديث الباشا في معرض ردّه على تساؤلات الموظفين الذين تأخر صرف رواتبهم خلال الأشهر الأخيرة، فمنذ أيّار/ مايو 2023، لاحت أزمة الرواتب في الأفق، فتأخر الإعلان عن صرفها لمدة أسبوعين إلى ثلاثة من موعدها المحدّد مطلع كل شهر. ليس هذا فحسب، بل جرى تخفيض النسبة التي يصرف وفقها الراتب، من 60% (وهي نسبة معمولٌ بها في غزّة منذ سنوات) إلى 55%.

موظفون فلسطينيون أمام البنك الوطني الإسلامي في مدينة غزة، في 11 أيلول 2011، ينتظرون استلام رواتبهم وذلك بعد عدة شهور من تشكيل حكومة الوحدة بين فتح وحماس. (تصوير: محمد أسد\ وكالة الأناضول)
موظفون فلسطينيون أمام البنك الوطني الإسلامي في مدينة غزة، في 11 أيلول 2011، ينتظرون استلام رواتبهم وذلك بعد عدة شهور من تشكيل حكومة الوحدة بين فتح وحماس. (تصوير: محمد أسد\ وكالة الأناضول)

بلغة الأرقام، تقاضى موظفو حكومة غزة منذ كانون الثاني/ يناير وحتى تمّوز/ يوليو، ما مجموعه أربعة رواتب من أصل سبعة مستحقة الصرف وفق نسبة 60%. ووفقاً لما يُرشح من معلومات حصل عليها معد التقرير من وزارة المالية، فإن الحكومة اعتمدت نسبة الصرف 55% من رواتب شهر آب/ أغسطس حتى تشرين الثاني/ نوفمبر، إضافة إلى ترحيل دفعة شهر أيلول/ سبتمبر إلى المستحقات المالية للموظف، وذلك ما لم تحدث انفراجة تمكّن من الاستمرار في صرف الرواتب. معنى ذلك، أنّ إجمالي ما سيتقاضاه موظفو الحكومة خلال العام 2023، هو 6.4 راتب، بنسبة 53% مما هو مستحق الصرف.

كيف نفهم أزمة الرواتب في غزة؟

تدير الحكومة في غزة جهازاً بيروقراطيّاً ضخماً يزيد عدد الموظفين فيه على 50 ألفاً، تبلغ فاتورة رواتبهم نحو 125 مليون شيكل (33 مليون دولار)، وفق نسبة الصرف المعمول بها عند 60% من الراتب. ومّما يُصعّب من التعامل مع هذه الفاتورة الكبيرة، قلّة الإيرادات الماليّة التي تصل إلى الحكومة في ظلّ استمرار الحصار عليها. 

اقرؤوا المزيد: كيف أدارت "حماس" جهاز الحكم في غزّة؟

وإن كانت الأزمة المالية في غزّة تشتد في الآونة الأخيرة، فإنّها ليست بالجديدة، فمنذ نهاية عام 2013 لم يتقاضَ موظف راتباً واحداً كاملاً، كما أنّها إحدى نتائج الحصار المفروض على القطاع منذ العام 2007، نتيجة لتبنّي هذه القطعة الجغرافيّة خيار المقاومة.

عناصر الشرطة الفلسطينية من ذوي الأجور المنخفضة في 5 حزيران 2006، أمام ماكينة البنك الفلسطيني يتلقون رواتبهم، وذلك بعد توقفها ثلاثة شهور بسبب قطع المساعدات الغربية.

إنّ منطق الحصار المالي لغزة، ينطلق من عدّة اعتبارات إسرائيليّة، منها، عدم منح حماس مساحة للتحرّك بأريحية في إدارة الحكم، وتشديد الخناق على قنوات الأموال لمنع وصولها إلى الجهاز العسكري، وإبقاء غزة تحارب وحيدة في أزماتها الاقتصادية والمعيشية.

ومن أشكال الحصار المالي لغزة، الإغلاق الإسرائيلي المستمر للمعابر التجارية، وتقليص عدد الشاحنات الواردة لغزة، ما يؤثر في الإيرادات الضريبية والجمركية التي تجبيها حكومة غزة باعتبارها المورد المالي الأساسي للخزينة العامة، إضافة إلى الحجز المستمر على الأموال من البنوك والأفراد والكيانات الاقتصادية المختلفة، التي تتهمها "إسرائيل" بإدارة نشاطات اقتصادية تموّل المقاومة.

اقرؤوا المزيد: المسموح والممنوع.. معابر تُحاصر غزّة

دفع الحصار الإسرائيليّ على غزة إلى تعامل الحكومة في إدارة الملف المالي بمنطق الطوارئ، عبر انتهاج سياسة الحد الأدنى من النفقات، من خلال منح الموظفين نسباً مئوية من رواتبهم وترحيل ما تبقى منها إلى المستحقات، التي زادت على 4 مليارات شيكل (1.052 مليار دولار) ديناً في ذمة الحكومة، وتعويضهم بدلاً منها بخدمات كالتعليم العالي في الجامعات وتسديد جزء من فاتورة الخدمات الشهرية للبلديات والاتصالات والإنترنت وترخيص المركبات وغيرها من الخدمات الحكومية مدفوعة الثمن.

التنفّس المحدود

استطاعت الحكومة في بعض المحطّات أن تناور سياسياً للخروج من دائرة التحكم الإسرائيلي، عبر التوجه جنوباً نحو مصر لتوسيع خياراتها في منح غزة إيرادات مالية بعيدة عن أعين الاحتلال، إذ ظهرت الأنفاق التجارية في الفترة ما بين عامي 2008 و2012، وباتت شريان الحياة الاقتصادية لغزة، فأسهمت في تشغيل آلاف العاطلين عن العمل، وضاعفت من الإيرادات الجمركية والضريبية التي تجبيها وزارة المالية، وذلك بسبب الفوارق في الأسعار بين السلع الإسرائيلية مقارنة بما هو قادم من مصر بتكلفة منخفضة.

4 ديسمبر / كانون الأول 2008، فلسطيني يهرب عجلاً عبر أحد أنفاق رفح
4 ديسمبر / كانون الأول 2008، فلسطيني يهرب عجلاً عبر أحد أنفاق رفح

اقرؤوا المزيد: أنفاق رفح التجاريّة.. الحفر من أجل البقاء

إلا أن هذه الفترة الذهبية من التجارة البينية بين مصر وغزة، توقفت نهائيا مع انتهاء فترة حكم الرئيس محمد مرسي عام 2013 وتولي عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم. بعدها، بدأت تظهر أزمة رواتب موظفي غزة، إذ تقلصت إلى النصف، وتوقف صرفها في كثير من الأشهر، مع خسارة غزة جزءا كبيرا من إيراداتها الجمركية والضريبية التي كانت تأتي عبر الأنفاق.

في العام 2017، ظهرت بوادر انفراجة في العلاقات بين غزة ومصر قادها محمد دحلان، الذي سعى لطي صفحة الخلافات مع حماس مُستغلّاً موجة العقوبات التي فرضتها حكومة رام الله على غزة آنذاك، لتعزيز وضعه التنظيمي في القطاع. حصلت حكومة غزة مقابل ذلك على شراكة تجارية أخذت طابعاً رسمياً مع مصر، فخُصص جزء من معبر رفح ليكون ممراً للبضائع المصرية إلى غزة، إضافة إلى كونه معبراً لمرور الأفراد.

اقرؤوا المزيد: دحلان في غزّة.. دبّ في كرم "حماس"

لم يكن هذا الوضع كافياً بالنسبة إلى حكومة غزة في بداياته، فمعدّل عبور الشاحنات من مصر إلى غزة وقتها لم يكن ليسمح بإحداث نقلة على مستوى زيادة الإيرادات الجمركية والضريبية لها. لذا، أعلنت بعدها بنحو عام عن "مسيرات العودة وكسر الحصار" على حدود القطاع، وانتزعت على إثرها اتفاقاً رعته الأمم المتحدة وقطر لمرور ما يعرف بـ "المنحة القطرية". 

إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وسفير قطر لدى السلطة محمد العمادي، في حفل إنشاء مقر لجنة إعادة إعمار غزة، غرب المدينة في 21 أيار 2017.
إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وسفير قطر لدى السلطة محمد العمادي، في حفل إنشاء مقر لجنة إعادة إعمار غزة، غرب المدينة في 21 أيار 2017. (تصوير: مجدي فتحي\ غيتي إيماجز)

أسهمت المنحة بالتخفيف من وطأة الأزمة المالية والمعيشية التي عانت منها الحكومة، فخصّصت 10 ملايين دولار لدعم فاتورة رواتب الموظفين في القطاع المدني، ما منح الحكومة هامشاً من الحرية المالية في تثبيت نسبة الصرف للموظفين وصرفها في موعدها المقرر.

ما الذي استجد في هذا العام؟

بعد سنوات من الانفراجة التي أحدثتها المنحة القطرية في غزة، حاولت "إسرائيل" تقويض كل المكتسبات التي حققتها الحكومة، فغيّرت من آليات صرف المنحة عبر رهن دخولها إلى غزة بتحقيق الهدوء، كما حدث في معركة "وحدة الساحات" في أيّار/ مايو 2023، التي جمّدت "إسرائيل" خلالها دخول المنحة لمدّة شهر.

اقرؤوا المزيد: المنحة القطريّة.. "السير" على حبلٍ دقيق

أما البند الخاص بدعم فاتورة الرواتب للموظفين (10 ملايين دولار)، الآتية من شراء قطر للوقود من مصر لمنحه للحكومة فتقوم بدورها ببيعه في غزة، فقد تقلّص منذ الحرب الأخيرة إلى أقل من 3 ملايين دولار، ما أفقد الحكومة جزءاً كبيراً من إيرادها الشهري، فظهرت أزمة الرواتب من جديد.

علاوة على ما سبق، لم تعد التجارة بين غزة ومصر تحظى بميزة تنافسية، بسبب ارتفاع أسعار السلع المصرية الواردة إلى غزة وفرض تأمينات وتكاليف نقل إضافية على الشاحنات التجارية. لذا باتت أسعار السلع القادمة من مصر تقترب وتفوق أسعار السلع الواردة من "إسرائيل"، فخسرت الحكومة إيراداً مالياً جرّاء غياب فرق الأسعار، وهو الهامش المالي الأهم لمنطلق التجارة مع مصر.

بالتالي، فإنّ الحكومة في غزة تتحمّل نفقات إضافية لدعمها بعض أنواع السلع القادمة من مصر كالوقود والغاز الطبيعي. معنى ذلك، أنّها امتنعت عن تحصيل الضرائب على هذه السلع حتّى لا ترتفع أسعارها على السكّان أكثر ممّا هي عليه، وكانت هذه الضرائب ستعني دخول نحو 17 مليون شيكل شهرياً إلى خزينة الحكومة.

المئات يصطفون في 26 يناير 2019، في مكتب البريد المركزي في مدينة غزة لتلقي المساعدات المالية من الحكومة القطرية التي خُصصت للعائلات الفقيرة. (تصوير: مجدي فتحي\ غيتي إيماجز)
المئات يصطفون في 26 يناير 2019، في مكتب البريد المركزي في مدينة غزة لتلقي المساعدات المالية من الحكومة القطرية التي خُصصت للعائلات الفقيرة. (تصوير: مجدي فتحي\ غيتي إيماجز)

الجباية وانتظار المنح!

ترفض الأوساط الحكومية في غزة الإفصاح عن الموازنات السنوية والتشغيلية، وتكتفي بإعلان مقتضب يصدر عن المجلس التشريعي بإقرار موازنة العام المالي، من دون الإشارة إلى أي تفاصيل تتعلق بالإيرادات والنفقات التشغيلية، وهو ما يثير انتقادات من قبل مؤسسات المجتمع المدني.

إلا أنه يمكن تحديد الإيرادات التي تعتمد عليها حكومة غزة بثلاثة مصادر هي: الإيرادات الجمركية والضريبية على المعابر التجارية سواء مع "إسرائيل" أو مصر (تمثل نحو 50% من إجمالي الإيرادات الشهرية)، ورسوم الخدمات من الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة، والمساعدات القطرية الشهرية.

أمام هذه الوقائع والمعطيات يبقى التساؤل الأبرز: هل من المعقول أن تكون الاستراتيجيّة الماليّة لحركة مقاومة مُناطٌ بها إدارة شؤون السكّان في القطاع، قائمة على الجباية من الناس وانتظار المنح من الخارج؟!