10 يوليو 2020

المسموح والممنوع.. معابر تُحاصر غزّة

المسموح والممنوع.. معابر تُحاصر غزّة

خلال سنوات الحصار الطويل والمستمر على قطاع غزّة، تردّدت "إسرائيل" على أكثر من استراتيجية لضبط السكّان وكسر إرادتهم وصمودهم. شنّت حروباً عديدة، شددّت الخناق على النّاس، وحرمت القطاع من أساسيّات الحياة الكريمة. غير أنّ السمة الأبرز والمُمتدة طوال هذه السنوات في محاولة السيطرة والإخضاع، كانت من خلال "رئة القطاع"، أي المعابر. 

تفتح "إسرائيل" المعابر تارةً، وتُغلقها تارةً أخرى. تُشدّد على نوعيّة وحجم البضائع التي تدخل إلى القطاع مراتٍ، وتُغرقه بالبضائع مراتٍ أخرى. تُخبر المزارعين بإمكانيّة تصديرهم للفراولة مثلاً، وبعد أن يُخصّصوا ما لديهم من دونمات بناءً على القرار الإسرائيلي، يُغلَق المعبر ويُمنع التصدير. 

اقرأ/ي أيضاً: "أرض التوت الحزين".

يحاول هذا المقال تتبُع التحوّلات التي جرت على السياسة الإسرائيليّة في فرض الحصار على غزّة من خلال أداة المعابر. يوضّح آليّة عمل المعابر كما حددتها "إسرائيل"، والتفاعلات التي أثّرت عليها وتأثّرت بها، ويُقسمها إلى ثلاث مراحل. 

كم سُعرة حراريّة يحتاج الغزّي كي لا يموت؟

بعد بدء الحصار بشكله المُباشر والأخير على قطاع غزّة، أعلنت "إسرائيل" في سبتمبر/أيلول لعام 2007 أنّ القطاعَ "كيانٌ معادي". على إثر ذلك حرمت "إسرائيل" سكّانَ القطاع من أساسيات الحياة، ولم تسمح إلا بالقليل الذي يُنجِّي من الموت؛ قلّصت من تزويد القطاع بالكهرباء وفقط بالدرجة التي يسمح فيها للمُستشفيات والخدمات المُشابهة بالعمل، وقلّصت من كميّة الوقود الداخلة إلى القطاع ما تسبّب في أزمة وقود حادة. كما منعت أي دخولٍ للأموال، وأغلقت المعابر التجاريّة، وفي أحسن الأحوال، حدّدت  يومين في الأسبوع لإدخال عددٍ مُعيّن من الشاحنات وبنوعٍ مُحدّد من البضائع.

أرادت "إسرائيل" من ذلك أن تُجوّع سُكّان القطاع حتّى تُخضع المقاومةَ لها. لضمان ذلك بـ"الحسابات الدقيقة" أجرى "مكتب تنسيق أعمال الحكومة"، التابع لوزارة "الدفاع" الإسرائيليّة، حساباً لعدد السعرات الحراريّة التي يحتاجها الفلسطينيّ في غزّة كي يجوع، لكن لا يموت. وقرّر، كما هو موضح في وثيقة "الخطوط الحمراء"، اعتبرت "إسرائيل" أنّ الفرد يحتاج إلى 2279 سعرة حراريّة في اليوم، وهي موجودة في 1836 غراماً من المواد الغذائيّة. 

وفقاً لهذه الحسبة، سُمِح بدخول 170.4 شاحنة إلى القطاع، وذلك على مدار خمسة أيّام في الأسبوع.  خفّضت "إسرائيل" ذلك بعدها إلى 101.8 شاحنة في الأسبوع، وقالت إنّ الفرقيّة بين الكميتين تُساوي المُنتجات الغذائيّة ذات التصنيع المحلّي. ثمّ كانت هناك توصيات بخفض 13 شاحنة إضافيّة، وتوصيات أخرى بإضافة حمولة شاحنات. 

هكذا، كان الحصار الإسرائيليّ على القطاع في مرحلته الأولى (2007-2010) يتّبع سياسة تجويعيّة للناس؛ سياسة رأت في الفلسطينيّ مجرّد سُعرات حراريّة يجب أن تُضبط بالقدر الذي يكفيه ألا يموت. في هذه الفترة فرغت أرفف المحال التجاريّة في القطاع من البضائع، وانقطع الوقود من المحطات، وخلت الأسواق من المواد الخامّ اللازمة لاستمرار الحياة، ومنها تلك التي تلزم قطاع البناء. 

في مواجهة ذلك، تسابق أهلُ غزّة في ابتكار كلِّ ما يُعينهم على تجاوز الظروف القاسية، فاستخدموا بوابير الكاز بديلاً عن غاز الطهي، واستخدموا زيت الطهي وقوداً للسيارات. غير أنّ المظهر الرئيس للنجاة وسعي الناس لكسر الحصار المفروض على القطاع في تلك الفترة كان الأنفاق التجاريّة مع مصر.

شريان الحياة من تحت الأرض...

في بدايات عام 2008، استقطبت "العاصمة التجاريّة والاقتصاديّة" رفح الجميع، إذ كانت تجارة الأنفاق قد ظهرت إلى العلن، وتضاعف عددها واستقطبت آلاف الشباب للعمل في الحفر أو نقل البضائع، كما انكبّ عليها رؤوس الأموال للاستثمار فيها.1عطّلت حرب 2008-2009 عمل الأنفاق لـثلاثة أسابيع تقريباً، إثر تعرض الشريط الحدوديّ للقصف الجويّ المتكرر. إلا أنّ العاملين فيها عادوا إلى ترميها وحفرها من جديد في اليوم التالي لإعلان وقف إطلاق النّار. بدت الأنفاق حينها أحد أبرز علامات السعي الشعبيّ لكسر الحصار المفروض على غزّة، ووُصِف العاملون فيها بــ"فدائيي كسر الحصار". 

شيئاً فشيئاً تحوّل ميدان "النجمة" في مدينة رفح إلى نسخة عن الأسواق المصريّة، فعن طريق الأنفاق وصلت القطاع من مصر العديد من البضائع التجاريّة والمواد الخام؛ بدءاً من أكياس الشيبس والحلويّات والمسليّات، مروراً بالملابس والأحذية والأجهزة الكهربائية والوقود بأنواعه، وليس انتهاءً بالسيارات ومولدات الكهرباء واسطوانات الغاز، وحتى الأفراد.

انعشت الأنفاق التجاريّة القطاع، فعدا عن البضائع فإنّها وفّرت كذلك ما يزيد عن 12 ألف وظيفة حتّى عام 2011 حسب التقديرات. فرضت "حماس" الضرائب على هذه التجارة مما مكّنها من الإيفاء بالتزاماتها الماليّة، فلم تتأخر رواتب موظّفي القطاع الحكوميّ ولم تنقص. وكذلك الحال بالنسبة للعاملين في وكالة الغوث والمؤسسات الدوليّة والقطاع الخاص الخدماتي.

أقرأ/ي أيضاً: أنفاق رفح التجاريّة.. الحفر من أجل البقاء

لم يكن الوضع الاقتصاديّ ورديّاً للغاية، إلا أنّ الأنفاق ونشاطها خلق سيولة ماليّة ساهمت في دوران عجلة التصنيع المحلّي. كما شكّلت بضائع الأنفاق من المواد الخام فرصةً للمشاريع الصغيرة والكبيرة لاستئناف مسيرة الإنتاج من جديد، وبدء تغطية السوق بالمنتج المحليّ الذي لم يكن في مواجهته، على رفوف المحلّات، أيُّ منافسٍ أجنبيّ بالسعر أو الجودة، نتيجة ظروف الحصار وإغلاق المعابر. 

كما خلقت الأنفاق في الفترة بين 2009-2013 طفرةً في قطاع الإنشاءات والبناء، من خلال تدفق الأسمنت ومسلتزمات البناء في ظل التقييد الإسرائيليّ لدخولها عبر المعابر تلك الفترة. وفّر تدفق هذه المواد  فرص عمل لعشرات الآلاف من المهندسين و الفنيّين و العُمّال وأصحاب المهن المرتبطة بعمليات البناء والتشييد، وأعادت تحريك ماكينات مصانع الباطون والبلوك وغيرها.  

وقد بلغت مساهمة الأنفاق التجاريّة من إجمالي الناتج المحليّ الفلسطينيّ ما بين عام 2000 إلى 2010 ما بين 11.3- 22.5%، أي ما يعادل 7 مليار دولار سنويّاً كحدٍّ أقصى، و1.345 مليار دولار سنويّاً كحد أدني. أما في العام 2012، فقد بلغت هذه المساهمة حوالي ملياري دولار. 

من التجويع إلى الإغراق..

بعد المجزرة الإسرائيليّة بحقّ ركاب "سفينة مرمرة" عام 2010، والتي أدّت إلى استشهاد 10 متضامنين أتراك وما أثار ذلك من ضجّة دوليّة، لم تتراجع "إسرائيل" في سياسة حصارها على غزّة، بل بدأت بتغييرات جذريّة على مفهوم هذا "الحصار" وشكله. 

وهنا بدأت المرحلة الثانية من الحصار الإسرائيليّ على القطاع، في الفترة ما بين (2010-2013). كانت العلامة الأبرز لهذه المرحلة "التسهيلات" الإسرائيليّة على المعابر مُقارنةً بالمرحلة الأولى، أو بالمعنى الأدق "مرحلة ضرب القطاعات المُنتجة" داخل غزّة، إذ أُغرِقت بالكثير من البضائع الاستهلاكيّة بدءاً من المنتجات الغذائيّة، ووصولاً للملابس والسيّارات. وفي المقابل، حددت "إسرائيل" قائمة للمواد التي يُمنع دخولها، خاصّة تلك المُصنّفة كمزدوجة الاستخدام.

في هذا الوقت كان دور الأنفاق جنوبي القطاع مُنحصراً بشكلٍ كبيرٍ في إدخال ما منعت "إسرائيل" مرورَه من خلال معابرها، فأدخلت الأنفاق الإسمنت والحديد والمواد الكيميائيّة لخدمة قطاع الإنشاءات والمقاولات، كما استمرّت في توفير بعض السلع المصريّة التي اعتاد عليها سُكّان القطاع.

الذي تغيّر عن الفترة الأولى هو ثلاثة أمور: وجود منتجات أجنبيّة أو إسرائيليّة تُنافس المُنتج المحليّ من حيث الجودة والسعر، ونقص المواد الخامّ التي تلزم في التصنيع المحليّ، وبدء عودة "إسرائيل" إلى السيطرة على زمام الأمور وتفعيل الحصار من خلال حركة المعابر بشكل أساسي.

يمكن القول، إنّ هذه المرحلة كانت فترة "رخاء" نسبيّ، فمن جهة تعمل المعابر والأنفاق بالتوازي معاً، ومن جهة أخرى ساعد نظام الحُكم في مصر برئاسة محمد مُرسي في تسهيل عمل الأنفاق. لكن ذلك لم يدم طويلاً، ولم يكن دوامها لصالح المصانع والقطاعات المنتجة. بعد أن انقلب عبد الفتاح السيسي على مرسي عام 2013 بدأت مرحلة تدمير الأنفاق وإغراقها بالمياه وصولاً إلى بناء سياج حدودي عميق. أعاد ذلك قطاع غزّة مُجددا إلى نقطة الصفر أمام الحصار الإسرائيليّ الذي امتلك مفاتيح اللعبة مُجدداً.

إعادة "إعمار" محسوبة بالغرام..

اندلعت حرب عام 2014، وسعت خلالها المقاومة إلى كسر الحصار عسكريّاً. ونتيجة لـ52 يوماً من المواجهة المُستعرة، خرجت غزّة بألفين من الشُهداء وتسعة آلاف من الجرحى تقريباً، كما ودُمرت آلاف المُنشآت والأحياء السكنيّة (يُقدّر عدد من خسروا منازلهم بحوالي نصف مليون فلسطيني)، وبات الوضع الاقتصاديّ للقطاع في أسوأ أحواله. في المُقابل، كانت هذه الحرب هي الأقسى على "إسرائيل"، إذ خسرت فيها عشرات القتلى ومئات الجرحى، والأهم عدداً من الجنود الذين أصبحوا بيد المقاومة. 

على إثر الحرب، بدأت قواعد الاشتباك في التغيّر، إذ وصلت المقاومة إلى قناعة بأنّ الحصار لا يُمكن كسره عسكريّاً، ووصلت "إسرائيل" إلى قناعة بأنّ المواجهة مع المقاومة باتت مُكلفة. في هذا السياق بدأت المرحلة الثالثة للحصار (2014-حتّى الآن)، وهي مرحلة اقتصرت عسكريّاً على فعاليّات خشنة كالبالونات الحارقة في مسيرات العودة وجولات مواجهة متفرقة، لا الحروب الدوريّة. غير أنّ الواقع الأبرز هو تحويل "إسرائيل" المعابر إلى أداة ابتزاز ومساومة لتحقيق إنجازات سياسيّة. 

بعد الحرب، عُقد في القاهرة مؤتمر "إعادة إعمار غزّة"  تحت رعاية الأمم المُتحدة والسلطة الفلسطينيّة. منح المؤتمر "إسرائيل" اليد العُليا والسيطرة الكاملة على عملية إعادة الإعمار، وذلك عبر آليةٍ متكاملة من الرقابة والتحكّم والسيطرة انبثقت عن اتفاقيّة "روبرت سيري"، نسبةً إلى مبعوث الأمم المتحدة لعملية السّلام في حينه، أو اتفاقية إعادة إعمار غزّة (GRM).

عرّف سيري يومها هذه الآلية باعتبارها تُسهّل مرور مواد البناء إلى غزّة من خلال إنشاء خطِّ تواصلٍ مباشرٍ بين "وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق" وبين السلطة الفلسطينية. كما قال عنها إنّها "لن تُعالج المخاوف الأمنيّة الإسرائيليّة فحسب، بل ستُعزِّز أيضاً ثقة الجهات المانحة، مما سيؤمّن التمويل اللازم لعملية إعادة الإعمار".

في سعيها لضبط حركة المعابر وآليّات إعادة الإعمار، حدّدت "إسرائيل" ثلاثة أنواع من البضائع والمواد التي يُسمح بدخولها إلى القطاع: بضائع تجاريّة واستهلاكيّة مسموحٌ لها العبور، ولكنها مُقنّنة ومُحدّدة بكمّيات، ومواد عسكريّة لا يُسمح بدخولها، ومواد مزدوجة الاستخدام، وهي المواد التي تصلح للاستخدام المدنيّ والعسكريّ، مثل: الإسمنت. وهذه الأخيرة فصّلتها وحدّدتها بشروطٍ كثيرة، وأبقت دخولها مقروناً بمشاريع وكالة الغوث فقط، وجعلتها لاحقاً تحت إشراف UNOPS، مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع.

في المرحلة الثالثة من حصار غزّة، فتحت "إسرائيل" ثغرةً في جدار المواد مزدوجة الاستعمال، لكنها أبقت رقابتَها اللصيقة على خطوط سيرها وتخزينها واستخدامها عبر الآلية المتفق عليها مع الأمم المتحدة. ساهم ذلك في تخدير المشهد العام في قطاع غزّة، والسماح بهامش ضئيل من عملية إعادة الإعمار، وخلق فرصة عمل مقننة ومحدودة بشكل يُبقي غزّة في حالة اللا سلم واللا حرب.

أما في الجانب الآخر من إدارة الحصار، فقد ارتفعت بشكل ملحوظ كميات البضائع وأعداد الشاحنات الداخلة إلى القطاع. أغرقت "إسرائيل" القطاع بالبضائع الاستهلاكية، واستنزفت الرصيد الماليّ من القطاع قدر الإمكان، مستفيدةً من كونه ثقباً أسوداً يستهلك كلّ ما يُلقى فيه. 

استفادت "إسرائيل" من هذا الوضع على ثلاثة أصعدة: أمنيّاً؛ جعلت القطاع تحت أعينها ورحمتها، فمثلاً: وضعت تقييدات كثيرة على دخول المُعدّات المدنيّة التي تصلح للاستخدام العسكريّ بشكل يضمن وصولها فقط لمشاريع إعادة الإعمار التي تشرف الأمم المتحدة عليها. سياسيّاً؛ حيث باتت تستخدم المعابر كورقة مساومة لتحقيق مكاسب سياسيّة، مثل: استخدامها في التفاهمات الأخيرة مع "حماس". اقتصاديّاً؛ تجني "إسرائيل" من الضرائب كثيراً، وتجني الشركات التجاريّة الإسرائيليّة التي تورّد بضائعها إلى القطاع الكثير من الأرباح، وكذلك شركات التخليص الجُمركي الإسرائيليّة التي تأخذ أرضيّة على البضائع التي تنتظر موعد دخولها إلى القطاع ضمن جدول معيّن لمعبر كرم أبو سالم.

لم يكن استخدام المعابر كورقة ضغط أمراً جديداً على "إسرائيل"، فهي سياسة تُمارسها على القطاع منذ عقود؛ تُغلق المعابر أو الحواجز مع كل عمليّة مقاومة. ولكّن مع تشديد الحصار الإسرائيلي وانتهاء عهد الأنفاق التجاريّة، باتت المعابر المُتنفّس الوحيد لسكّان القطاع، فلم تعد إجراءً أمنيّاً لعبور البضائع وحسب، بل سياسة مُمنهجة في إخضاع المقاومة، فأيّ تصعيد عسكريّ مثلاً يُقابل بإغلاق المعابر، سواء أمام البضائع الداخلة إلى القطاع أو الخارجة منه. هكذا ارتبط القطاع وصموده بحركة المعابر، وهُندس الحصار بما يضمن أن يظلّ القطاع مُرتهناً لـ "إسرائيل". 



1 فبراير 2019
"التجمع"
المرحلة انتهت

مشروع التجمع الوطني الديمقراطي وصل حد نهايته. ما تأسس ليكون حركة وطنية وتنظيم جمعي للفلسطينيين في الداخل، فشل وتحول إلى…