1 يناير 2026

منسّق "إسرائيل" العابر للجغرافيا

منسّق "إسرائيل" العابر للجغرافيا

في أيار/ مايو 2024 حاصرت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلية تابعة لكتائب القسام في بلدة دير الغصون شمال طولكرم، يومها، وقع اشتباكٌ عنيفٌ استمر أكثر من 14 ساعة، ورغم قصف المنزل بصواريخ الإنيرجا وسقوطه على من فيه فإن رصاصات المقاومين خرجت من تحت الأنقاض وأصابت الجندي يتاف ليف، قبل أن يُعلن عن مقتله بعد أيام.

القتيل يتاف هو ابن يورام هاليفي "المنسق" الجديد لأعمال حكومة الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم يجد وزير الأمن يسرائيل كاتس تكريماً أفضل لهاليفي من منصبه الجديد، إذ جعله الحاكم الفعلي للضفة الغربية.  

ويأتي تعيين هاليفي بديلاً لغسان عليان، "المنسق" السابق، في ظل توسع استيطاني في الضفة الغربية وحرب إبادة مفتوحة في قطاع غزة ودعوات إسرائيلية لتوسع إقليمي، يحاول هذا المقال الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بـ "المنسق": من هو؟ وما دوره في الضفة وغزة؟ وعلى أي أساس يتم تعيينه؟ وما الخطر القادم من ورائه؟

كيف نشأت وحدة "المنسق"؟

بعد نكسة عام 1967، سيطرت "إسرائيل" على بقية الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع وغزة)، إضافة إلى الجولان السوري وسيناء المصرية وأراضي جنوب لبنان، وفي هذا الواقع المعقد، وجدت "إسرائيل" نفسها مضطرة للتعامل مع الأراضي التي احتلتها حديثاً بشكل كامل، أمني وخدماتي، وإنفاذ القانون الإسرائيلي فيها، لكن الحكومة الإسرائيلية تخوفت حينها من التفوق الديموغرافي العربي على طول المساحة المحتلة، واستحالة قدرتها على السيطرة الكاملة على السكان الجدد خصوصاً في محيط عربي عدو.

كان الحل بالنسبة إلى "إسرائيل" هو اختراع آلية إدارية جديدة، تمثلت في منصب الحاكم العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة، وقد شغل المنصب شلومو غزيت الذي أصبح أول حاكم عسكري للضفة وغزة، واستمر في منصبه حتى عام 1974.

اقرؤوا المزيد: "حين يصبح الاحتلال مُدرّب تنمية بشريّة".

وفي عام 1981، أصدر المجلس الوزاري المصغر قراراً بإنشاء وحدة "الإدارة المدنية في الضفة الغربية وقطاع غزة"، وذلك خوفاً من انفجار متوقع في الأراضي الفلسطينية، واستعداداً لمسار المفاوضات المحتمل، وفي الوقت ذاته، بقي الحاكم العسكري للمناطق، ولكن بمهمات أمنية فقط، مع تسليم الجانب المدني إلى مكتب "المنسق" الذي يتبع وزارة الأمن الإسرائيلية.

منذ ذلك الحين حتى قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994، تركزت أعمال "المنسق" على إصدار التصاريح، وتنسيق الأنشطة المدنية مع السلطات المحلية الفلسطينية مثل البلديات أو اللجان المحلية، والتنسيق بين الجيش الإسرائيلي والحكومة والمنظمات الدولية المختلفة، وإدارة جوانب الحياة المختلفة للسكان في ملفات مثل المياه والكهرباء والطاقة والبناء وغيرها.

"المنسق" بديلاً للسلطة

مع تأسيس السلطة الفلسطينية تطورت مسؤوليات مكتب "المنسق" لتواكب السلطة الجديدة، فأصبح المنسق واجهة التعامل مع السلطة من خلال مكاتبه: مكتب "بيت إيل" المسؤول عن الضفة الغربية، ومكتب "نتساريم" المسؤول عن قطاع غزة، وعليه أصبح "المنسق" يعمل على تنسيق الملفات الأمنية والاقتصادية وإدارة المعابر والتنسيق مع المنظمات الدولية، والتحكم في المشاريع المدنية والتنموية.

واقتصرت أنشطة الإدارة المدنية التابعة لمكتب "المنسق" على إدارة شؤون أراضي "ج" فقط، وبتنسيق مع السلطة الفلسطينية، بناءً على اتفاق أوسلو، وذلك حتى موعد إنشاء دولة فلسطينية في عام 1999، وهو ما لم يتحقق.

بمرور الزمن، تنامى الخطاب السياسي الإسرائيلي الداعي إلى تقليص دور السلطة الفلسطينية أو إنهائها تماماً، وإلى جانب ذلك توسعت صلاحيات "المنسق" في التضييق على الفلسطينيين، وإعادة تشكيل الواقع المعيش في الضفة الغربية، وصولاً إلى دوره في خطة الضم المطروحة.

إحدى هذه الصلاحيات مثلاً شق الطرق الاستيطانية، ففي عام 2024 خصصت حكومة نتنياهو 3.1 مليارات شيكل لشق مئات الطرق الجديدة في الضفة الغربية، بهدف ربط مستوطنات الضفة مع المدن الإسرائيلية في الداخل، ونتيجة لذلك، شقت "إسرائيل" خلال عام 2024 وحده 100 كيلومتر من الطرق الإضافية في الضفة، مساهمة بعزل المدن الفلسطينية بعضها عن بعض.

اقرؤوا المزيد: سيرة مختصرة لسُلطةٍ لم تعد لها أيّ حاجة

كما تدير الإدارة المدنية عملية البناء والهدم في أراضي الضفة الغربية، وقد وثق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة هدم أكثر من 8765 منشأة في أراضي "ج" بحجة البناء من دون ترخيص، وذلك في الفترة بين 2010 و2025، ما تسبب في هجرة أكثر من عشرة آلاف فلسطيني حسب تقديرات المكتب، وكل ذلك بناء على قرار "المنسق"، وبعيداً عن التنسيق مع السلطة الفلسطينية.

بالتزامن مع تعاظم دور "المنسق"، كان دور السلطة الفلسطينية يتقلص عملياً في الضفة الغربية، خصوصاً مع انعدام الحاجة إلى جهاز الارتباط المدني الفلسطيني الذي اقتصرت مهمته على التبليغ عن أسماء الشهداء بعد اغتيالهم واعتقال جثامينهم، أو إصدار هويات للفلسطينيين، بعيداً عن القضايا المركزية مثل استصدار تصاريح للعمال أو البناء في مناطق "ج" أو المياه التي يتحكم فيها "المنسق".

وظهر تهميش الارتباط المدني لصالح "المنسق" بفتح أبواب التواصل بينه وبين الجمهور الفلسطيني، ففي عام 2019 أطلق المنسق تطبيقاً للهواتف الذكية بحجة تقديم المساعدات للفلسطينيين في الضفة، خصوصاً الراغبين بالحصول على تصريح عمل، وقد أتاح التطبيق أيضاً خدمة إلغاء المنع الأمني لمن فرضت عليهم "إسرائيل" المنع لأسباب أمنية، وبذلك دخل "المنسق" إلى حياة الفلسطينيين، وبات قادراً على إعداد تقارير وجمع معلومات يحصل عليها من هواتفهم وبكامل إرادتهم، إذ وصل عدد مرات تحميل التطبيق على "جوجل بلاي" إلى أكثر من مليون مرة حتى الآن.

اقرؤوا المزيد: أداة "إسرائيل" للعقاب والثواب

وخلال السنوات الماضية عقد حسين الشيخ بصفته رئيس هيئة الشؤون المدنية عدة اجتماعات مع "المنسق" وقادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، أبرزها عام 2022، لإبلاغه بمجموعة من "التسهيلات الاقتصادية" التي ستقدم للفلسطينيين، وهي في الواقع إجراءات لتخفيف القيود المفروضة على حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية، وكان هدفها احتواء التصعيد في شمال الضفة، وبحث دور السلطة في ذلك، كما قدمت الإدارة المدنية للشيخ مجموعة من تصاريح "لم الشمل" لألف فلسطيني في العام ذاته. 

إذاً، وحدة "المنسق" هي هيئة مكلفة من وزارة الأمن وهيئة الأركان لتطبيق سياسة الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإدارة حياة السكان عبر مجموعة من الوحدات الأساسية، هي وحدة المياه والطاقة والصحة والبنى التحتية والتشغيل وإعطاء التصاريح ورفع المنع الأمني وسجل السكان.

بمعنى آخر يسيطر "المنسق" على مناحي الحياة كافة في الضفة ما يجعله الحاكم الفعلي لها، وهو ما أكده أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير سابقاً، صائب عريقات، الذي قال في حديث لإذاعة "صوت فلسطين"، خلال عام 2016، إن يوئاف مردخاي، الذي يشغل منصب "المنسق" آنذاك، بات الحاكم الفعلي للشعب الفلسطيني.

كيف تختار "إسرائيل" منسقيها؟

إذا طالعنا أسماء من شغلوا منصب "المنسق" في الضفة وغزة بعد عام 2021، سنجد أن الوحدة تضم ثلاثة أسماء رئيسة: غسان عليان (المنسق السابق)، وهشام إبراهيم (رئيس الإدارة المدنية في الضفة)، وعبد الله حلبي (رئيس الإدارة في غزة)، وثلاثتهم من العرب الدروز.

ويبدو أن التركيز على اختيار الدروز لهذه المناصب أخيراً يعود لعدة أسباب: أولها أن "إسرائيل" تحاول سلخهم أكثر عن بيئتهم العربية وإقناعهم بأنهم ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية، من خلال منحهم مناصب رفيعة في وزارة الجيش، فتقدّم لهم مكاسب للحفاظ على ولائهم.

اقرؤوا المزيد: المنهاج الدرزيّ.. الطريق إلى الجيش من الصّف الأول

والسبب الثاني، هو اعتقاد المسؤولين الإسرائيليين أن اختيار الدروز للتعامل مع الفلسطينيين أسهل، لأنهم عرب في الأصل، ما يسهّل التواصل مع المجتمع المحلي.

وسبب آخر يتعلق بطبيعة المهام الموكلة إليهم، إذ يُختار "المنسق" وفق استراتيجية الحكومة في التعامل مع سكان الضفة، فمثلاً، لم يجد كاتس، وزير الأمن في حكومة المستوطنين، للمنصب رجلاً لديه أفكار استيطانية كهاليفي. وعبَّر كاتس عن ذلك بقوله: "هو ملمٌ جيداً بالاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وبالقضية الفلسطينية".

ويعتقد كاتس أن هاليفي سيساهم في زيادة مشاريع الاستيطان في الضفة وتعميق مشكلات الفلسطينيين فيها خصوصاً سكان مناطق "ج" و"ب".

ماذا يفعل "المنسق" في غزة خلال الحرب؟

أنشأ رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي السابق، هرتسي هاليفي، وحدة "الجهود الإنسانية المدنية" في قطاع غزة بقيادة إلعاد غورين في شهر آب/ أغسطس 2024، تتبع هذه الوحدة مكتب "المنسق"، وتتلخص مهمتها في تنسيق حجم المساعدات الداخلة إلى قطاع غزة ونوعها مع الدول والمنظمات العربية والدولية، وتنسيق العمل اللوجستي لإدخال المساعدات مع المنظمات الدولية تحت اسم "مجلس التنسيق المشترك"، كذلك تنسيق عمليات الإسقاط الجوي للمساعدات التي نفذتها دول مثل الإمارات والأردن.

اقرؤوا المزيد: اختراع الإدارة: ما الذي تحاول "إسرائيل" فعله في غزّة؟

كما نسقت وحدة "الجهود الإنسانية المدنية" إنشاء مجموعة من المستشفيات الميدانية التي أقامتها عدة دول في غزة، مثل المستشفى الميداني الأردني، الذي اقتحمته قوات الاحتلال ودمرته لاحقاً، إضافة إلى إصلاح بعض الشبكات المحلية للمياه والكهرباء بعد أن دمرتها طائرات الجيش الإسرائيلي، وذلك في بعض المناطق التي سيطر عليها الجيش لخدمة جنوده.

ويحاول "المنسق" إيجاد إدارة بديلة لحماس في قطاع غزة، لكن محاولاته باءت بالفشل، فلا تزال الجهات الرسمية والحكومية في غزة تؤدي أدوارها في محاولة توفير الاحتياجات الأساسية لأهالي القطاع، وفق طاقتها، وقد أصدرت وزارة الداخلية في غزة بياناً تعلن فيه إعادة انتشار قواتها في القطاع بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، كذلك تعمل الصحة من خلال المستشفيات الرئيسة مثل الشفاء والمعمداني ومستشفى ناصر وغيرها، إلى جانب الدفاع المدني وعناصر تأمين المساعدات.

سوريا تحت منظار "المنسق"

أما في سوريا، فلا تنفك "إسرائيل" منذ سقوط النظام السابق وتوغلها في الجنوب تحاول اختراق المجتمع هناك، مستهدفة بشكل أساسي دروز سوريا، وعلى الأرجح فإن هذه المحاولات ستمر عبر "المنسق"، وهذا ما يفسر مشاركته في الزيارة التي أجراها بنيامين نتنياهو ومسؤولون كبار إلى مواقع يتمركز فيها جيش الاحتلال داخل الأراضي السورية في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.

وهذه الزيارة إلى جانب نتنياهو، ليست الأولى التي يجريها "المنسق" إلى سوريا، ففي أيار/ مايو الماضي دخل "المنسق" السابق غسان عليان إلى سوريا، والتقى شخصيات درزية هناك، بهدف تعزيز العلاقات بين دروز سوريا و"إسرائيل"، وبناء قاعدة متعاونة معها في سوريا.

اقرؤوا المزيد: كيف بدأت "إسرائيل" تقسيم سوريا؟

وفي آذار/ مارس 2025، بدأت "إسرائيل" تنفيذ مشروع تجريبي لتشغيل أربعين عاملاً درزياً سوريّاً في الجولان المحتل ليوم واحد، ضمن محاولة لمعالجة النقص في العمالة الزراعية، غير أن المشروع لم يرَ النور، إذ ألغته الحكومة الإسرائيلية مطلع نيسان/ أبريل بتوصية من المنظومة الأمنية.

وسواء قررت "إسرائيل" إحياء المشروع أو التخلي عنه، فإن محاولاتها للتواصل مع دروز سوريا لن تتوقف، ومع تقدم هذا المسار، أو مسارات أخرى مثل مشروع تدريب 20 درزياً على مكافحة الحرائق، قد تجد "إسرائيل" نفسها بحاجة إلى إدخال وحدة المنسق إلى سوريا أيضاً، لتتولى جذب عامة الدروز والتواصل مع بعض المشايخ القريبين من "إسرائيل".

ما مستقبل "المنسق"؟

يمثل المنسق اليوم الجهة المركزية المسؤولة عن إدارة الحياة المدنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، رغم ذلك خرجت أصوات في "إسرائيل" تنادي بإلغاء منصب "المنسق"، ومن أبرز هذه الأسماء، بتسلئيل سموتريتش، الذي يرى أن "المنسق" يدير الشؤون المدنية في مناطق تحت الاحتلال حسب القانون الدولي، وبإلغاء الوحدة تصبح أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة عملياً تحت إدارة الحكومة الإسرائيلية مباشرة.

ويرى سموتريتش أن وجود هذه الوحدة يشكل عائقاً أمام الضم، فهي اعتراف ضمني بوجود احتلال في هذه الأراضي، في حين أنه يعدُّ الضفة الغربية كاملة جزءاً من "إسرائيل"، وأنه لا مكان فيها للعرب. وبعدما اعتلى سموتريتش منصب وزير في الإدارة المدنية، توسعت صلاحياته إلى التخطيط وبناء المستوطنات، وتخصيص الأراضي، وهدم المباني الفلسطينية غير المرخصة، والبنية التحتية، ما يشكل مقدمة لإنهاء وحدة "المنسق". 

ومن الأصوات المنادية بإلغاء وحدة "المنسق"، الباحثان غابي سيبوني وإيرز وينر، اللذان نشرا ورقة بحثية في معهد القدس للاستراتيجيا والأمن بعنوان "منسق أعمال الحكومة.. جهاز فاقد البوصلة".

اقرؤوا المزيد: العقوبات على جنين: الاستفراد بالثور الأبيض

وحدد الباحثان خمسة أسباب تستدعي إلغاء "المنسق"، وهي: التقصير في التعامل مع المخاطر الأمنية بحجة انشغال المنسق بالأعمال الاقتصادية والمدنية وإهمال دوره العسكري، والإخفاقات البنيوية والفكرية بمعنى أن الجسم يعمل بلا استراتيجية واضحة، والبيروقراطية المفرطة وضعف التنسيق.

ومن بين الأسباب التي حددها الباحثان أيضاً: الإرباك الناتج عن التعامل مع السلطة مثل السماح بدخول عمال غزة قبل الحرب للعمل في الداخل، والإخفاق في السابع من أكتوبر خصوصاً مع اقتحام كتائب القسام لمقر الوحدة في معبر إيرز. 

ورغم هذه الدعوات، ما يزال لمنصب "المنسق" مكانته الهامة المتغلغلة في حياة الفلسطينيين، خصوصاً مع السعي الإسرائيلي المستمر إلى تهميش السلطة الفلسطينية وتقليص دورها إلى ما يشبه أدوار البلديات، في حين يتجاوزها المنسق بتواصله المباشر مع الفلسطينيين في الضفة وغزة عبر صفحته الرسمية وتطبيق المنسق، حيث ينشر أخباراً وإعلانات مختلفة، أحدثها إعلانات بخصوص عمل المعابر و"الخط الأصفر" وأنشطة جيش الاحتلال، مع بقاء احتمال قائم بأن يتخطى دوره فلسطين ليتمدد إلى دول مجاورة.