17 سبتمبر 2019

التصاريح

أداة “إسرائيل” للعقاب والثواب

أداة “إسرائيل” للعقاب والثواب

عمدت “إسرائيل” إلى بناء نظام تحكّم في حياة الفلسطينيّ يقوم على أساس التدخل في كافة تفاصيل حياته، وإبقاء الاحتلال عاملاً مسيطراً عليها، وتوظيف ذلك لتحقيق الأمن لها. أحد أوجه تلك السّيطرة هو التصاريح؛ التصاريح التي تُصدرها سلطات الاحتلال، والتي يُسمح بموجبها لحاملها من اهالي الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة بالمرور عبر الحواجز الإسرائيليّة والدخول إلى المناطق المحتلة عام 1948، وإلى القدس. فيما يعتبر من يدخل إلى تلك المناطق بدون تصريح “مخالفاً للقانون”، ويتم اعتقاله. 

تشكّل هذه التصاريح أهميّة لدى فئات اجتماعيّة مختلفة، لأنها تمكنّهم من زيارة عائلاتهم ومعارفهم في الداخل، وتمكّنهم من الحصول على فرص عمل أو تُتيح لهم إمكانية العلاج الطبيّ غير المتوافر في الضّفة أو القطاع، أو بالدرجة الأبسط: تعيد لهم إمكانية التعرّف على ما سُلِب منهم من أراضيهم. 

خلفية تاريخيّة

عام 1948 وبعد احتلال الجزء الأكبر من فلسطين، فرضت سلطات الاحتلال حكماً عسكريّاً على الفلسطينيّين الذين لم يُهجّروا والذين بقوا في قراهم وأراضيهم. كانت ما يقارب 85% من المناطق التي عاش فيها الفلسطينيون آنذاك تخضع لسلطة حاكمٍ عسكريّ، ولم يكن من الممكن للفلسطينيّ الخروج من مكان سكنه، حتى إلى القرية المجاورة، إلا بتصريحٍ يُصدره الحاكم العسكريّ للمنطقة. 

كان من أهداف ذلك قتل أيّ إمكانية لعودة اللاجئين إلى قراهم المُهجرة وفلاحة أراضيهم، خاصّة أولئك الذين لجئوا إلى قرى ومدن أخرى داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وبالتالي إعطاء وقت أكبر للسلطات الإسرائيليّة لتتمكن من السّيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي.  كما كان الحصول على تصريح للخروج من أجل العمل أو العلاج يستلزم الانتظار أمام مكان تواجد الحاكم العسكريّ لساعات، وبعدها قد يرفض إصداره. وقد استخدمت التصاريح، منذ ذلك الحين، كجزرةٍ تُعطى للمقرّبين والمتعاونين، وعصا تُستعمل ضدّ المعارضين والمغضوب عليهم، خاصةً إذا علمنا أنَّ عدم منح تصريح للعمل يعني الحكم على طالبه بالفقر والبطالة.1.

استمرّت سياسة التصاريح والحكم العسكريّ في أراضي الـ48 حتى عام 1966، ومن ثمّ انتقلت إلى أراضي الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة بعد احتلالها عام 1967. أُعلِنت تلك الأراضي مناطق عسكريّة مغلقة، وأصبح بعدها الحاكم العسكريّ هو من يصدر تصاريح الخروج والسّفر لأهالي الضّفة والقطاع. 

لكن، عام 1972 خُفّفت هذه القيود، وأصدر ما سُمّي بـ”تصاريح الخروج العامّة”، وأصبح من المتاح لأهالي الضّفة والقطاع الدخول إلى أراضي الـ48 والقدس، بشكل سلس نوعاً ما، ولكن دون السّماح لهم بالمبيت فيها من السّاعة الواحدة بعد منتصف الليل حتى الخامسة فجراً. 

عام 1991، وخلال حرب الخليج، أنهت “إسرائيل” العمل بما أطلق عليه “سياسة الحدود المفتوحة”، وأصبح من ذلك الحين على كلّ فلسطينيّ يريد الدخول إلى “إسرائيل”، أن يتوجه بطلب للحصول على تصريح. بعدها تصاعدت سياسة الإغلاق الإسرائيليّ للضفة والقطاع، وتنوّعت أشكالها، بدءاً من وضع الحواجز العسكريّة على الطرق الرئيسة، ومنع الأسرى السابقين من الدخول، وإعلان الإغلاق العامّ بعد وقوع أي عملية فدائية (خلال التسعينيات مثلاً)، وصولاً إلى الانتفاضة الثانيّة، عندما بدأ العمل على بناء الجدار الفاصل، وتثبيت الفصل الجغرافيّ وترسيخ ومأسسة سياسة التصاريح بشكل فعليّ.

إقرأ/ي أيضاً: ملف “الانتفاضة الثانيّة.. عودة إلى الحدث الجامع“.

إصدار التصاريح

يستند إصدار تصاريح الدخول إلى أمر عسكريّ إسرائيليّ صادر عام 1967 يعتبر الضّفة منطقةً عسكريةً مغلقةً والدخول إليها والخروج منها يحتاج إلى تصريح من الحاكم العسكري. يتم تقديم التصريح عبر مراكز الارتباط الفلسطينيّة، أو بالتوجه إلى مكاتب التنسيق الإسرائيلية، التي يبلغ عددها 31 مكتباً، والمنتشرة على أطراف مدن الضفة الغربية. 

أما الحصول على تصريح للدخول من قطاع غزّة، فإنّ ذلك يستند إلى “قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل- أمر الساعة لعام 2003″، وذلك عن طريق مكتب التنسيق والارتباط مع غزّة.

فيما تشير الورقة الصّادرة عن “وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيليّة في المناطق” عام 2016، والتي تُفصّل معايير التنقل والسّفر لأهالي الضّفة والقطاع، إلى أنَّ من صلاحياتها أن تُعيد النظر في تلك المعايير، وأن تُخضعها بشكل دوريّ للتقييم والتغيير، وذلك بناء على الأوضاع الأمنيّة.2.

ضمن هذه المعايير، يوجد 74 نوعاً من التصاريح الإسرائيليّة، وتختلف حسب المدة المسموحة فيها بالمكوث داخل “إسرائيل”، وحسب نوع “السبب للدخول”، وتختلف كذلك بين الضفة الغربيّة وقطاع غزّة. أما عن “نوع السبب”، فذلك يتنوع بين الأغراض الطبيّة والدراسيّة والقضائيّة، وأغراض العمل والعبادة، وزيارة الأسرى من درجة القرابة الأولى (والمسجونين في سجون تقع داخل أراضي الـ48)، عدا عن التصاريح التي تُصدر لكبار التجار، وتسمح لهم بالدخول بسياراتهم ذات لوحة التسجيل الفلسطينيّة، وتصاريح الشخصيات السياسيّة الفلسطينيّة. 

وتختلف درجة التشديد في إصدار التصاريح بين القطاع والضّفة. مثلاً، يُسمح للمحامين من الضّفة الغربيّة بالحصول على تصاريح للترافع أمام موكليهم في محاكم عسكريّة توجد داخل أراضي الـ48 (مثل محكمة سجن عسقلان)، فيما يُمنع محامو قطاع غزّة من ذلك. يُشار إلى أنَّ الدخول يجب أن يكون مُهِمّاً، وفي حال لم يحصل ستفشل الإجراءات القضائيّة، أو يرتبط بوجود ظرف إنسانيّ فريد يتعلق بتنفيذ إجراءات المحكمة، وبالضرورة يشترط غياب أيّ مانع أمنيّ وجنائيّ عند مُقدّم طلب التصريح. 

وتظهر درجة التشديد تلك مثلاً من خلال الأرقام التي ينشرها الموقع التابع لـ”وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق”. حسب ذات الموقع، في يوليو/ تموز 2019 أُصدِر حوالي 98 ألف تصريح لفلسطينيين من الضّفة الغربيّة، أمّا في قطاع غزة فقد تمكن ما يقارب من 20 ألف فلسيطنيّ فقط من المرور من غزّة إلى “إسرائيل”.

وقد خلقت الحاجة للتصاريح، وخاصّة تصاريح العمل المرتبطة بلقمة عيش آلاف الأسر، ظواهر استغلال واسعة للعمال الفلسطينيّين، أبرزها ظاهرة “سماسرة التصاريح”. بدأت هذه الظاهرة عام 2008 بعد إقامة “سلطة السّكان والهجرة”، والتي حُوّل إليها أمر إصدار تصاريح العمل بعد تلقي الطلب من المُشغّل الإسرائيليّ. 

الأخير أصبح يطلب في كثير من الأحيان عدداً أكبر من التصاريح، يفوق حاجته الفعليّة، وذلك من أجل بيع الفائض منها إلى العمال، مع أنّها تصدر مجاناً من سلطات الاحتلال.  بذلك دفع العديد من العمال الفلسطينيّين مبالغ تتراوح بين 2000-3000 شيكل (550-850 دولاراً) من أجل الحصول على التصريح إما عن طريق سمسار فلسطينيّ، أو المُشغّل الإسرائيليّ مباشرةً.

ورغم أن هذه الطريقة أُلغيت مطلع عام 2017، حسب إعلان وزارة العمل الفلسطينيّة آنذاك، إلا أنها تستمر على أرض الواقع، وما زال هناك العديد من العمّال يدفعون للوسطاء مقابل الحصول على تصاريح العمل. 

التصاريح كأداة ضبط

مع تصاعد العمل المقاوم، وظّفت “إسرائيل” التصاريح كأداة ردع لمنع المزيد من العمليات، ولربط وقوعها بالتقييدات على حرية التنقل، والتضييق على لقمة العيش. تحوّل التصريح إلى “عقوبة جماعيّة” تطال عدداً كبيراً من الناس في محاولة لدفعهم لنبذ أيّ فعل مقاوم بوصفه مدمراً لحياة الناس، وتحوّل صاحب هذا العمل إلى مدانٍ من الفلسطينيين أولاً لأنه يمس حياتهم بفعله، وربما يمكن اعتبار ذلك أحد أشكال كي وعي الفلسطينيّ.

هكذا مثلاً، عمدت سلطات الاحتلال إلى إلغاء التصاريح خلال هبة عام 2015، وما تلاها من عمليات فدائيّة. في فبراير/ شباط 2016 مثلاً، قرر منسق الحكومة الإسرائيلية تجميد تصاريح أبناء عائلات أبو الرّب وكميل ونصار من بلدة قباطية في جنين، بعد قيام ثلاثة من أبناء هذه العائلات بعملية طعن وإطلاق نار في القدس المحتلة. 

وفي يونيو/ حزيران 2016، وعقب عملية إطلاق نار نفذّها خالد ومحمد مخامرة في تل أبيب، جمّدت “إسرائيل” 83 ألف تصريح من الضّفة الغربيّة، ومئات التصاريح من غزّة، إضافة إلى تجميد 204 تصاريح تعود لأشخاص من عائلة المنفذين. 

وفي أغسطس/ آب 2017 تقرر سحب 1000 تصريح عمل من فلسطينيّين من عائلة أبو عرام من يطا- الخليل، بعد تنفيذ إسماعيل أبو عرام عملية طعن ضدّ مستوطن. كما تكرر الأمر مع عائلة الجمل من بيت سوريك، شمال غرب القدس، فقد سُحب 150 تصريحَ عملٍ من أفراد العائلة عقب عملية نفذها نمر الجمل في مستوطنة هار آدار.

وفي قطاع غزّة برز استخدام “إسرائيل” التصاريح كأداة ابتزاز وإخضاع للفلسطينيّين، إذ وثّقت العديد من المؤسسات حالات كان يُطلب فيها من الفلسطينيين في غزّة تقديم معلومات أمنيّة والتعاون مع أجهزة المخابرات الإسرائيليّة مقابل السّماح لهم بالمرور من حاجز بيت حانون (معبر إيرز)، وخاصّة إذا كانوا يريدون المرور لأغراض طبيّة. 

وبذلك يدفع الفلسطينيّ في غزّة حياته ثمناً لرفض التعاون مع المخابرات الإسرائيلية أو لوجود قريب له في أحد فصائل المقاومة، في محاولة لجعل العقوبة جماعيّة قدر الممكن،  فكما فعلت في حرب 2014 بقصف أبراج كاملة من أجل شقة، كذلك تعاقب عائلات من أجل فرد لجعله أمّا هو أو فعله على الأقل منبوذاً.

وبمراجعة صفحة “المنسق” على “فيسبوك”، يمكن ملاحظة مئات، إن لم يكن آلاف، التعليقات، المرتبطة بطلبات رفع المنع الأمنيّ، بطلبات الحصول على تصاريح. وقد وّظفت هذه الصفحة إسرائيليّاً لنشر الأخبار حول سياسة إصدار التصاريح، وربطها بالوضع الأمنيّ، ومحاولة الظهور كمن يرغب بمساعدة الفلسطينيين إذا “ساعدوا هم أنفسهم”. كما تمكن مشاهدة المئات يقفون على الدور في مكاتب التنسيق والارتباط في محاولة للحصول على تصريح.

لقد استطاعت “إسرائيل” تحويل التّصاريح إلى عصا لينة في يدها تضبط بها الكثير من الناس، وتبتزهم بسياجهم العائليّ حين يكون مطلوباً من ربّ العائلة الذي يحصل على تصريح أن يضبط أبناءه مثلاً، وتصنّفهم ضمن فئة المقبولين لديها، وتوجيههم أنَّهم يجب أنَّ يستمروا كذلك حتى يبقى هذا الامتياز ممنوحاً لهم. مع ذلك، يبدو أنَّ هذا النظام المٌحكم ليس محكماً على الإطلاق، فهو قابل للاستخدام أيضاً من قبل من تجري عليهم هذه السّياسات. تمكّن شابٌ يحمل تصريحاً بحجة المشاركة في لقاء تطبيعيّ من استغلال ذلك التصريح لتنفيذ عملية في تل أبيب. وهكذا مثلاً، نفّذ عدد من الفلسطينيّين عمليات في الداخل، بعد أن وصلوا هناك بواسطة تصاريح عمل.

  1. عادل مناع، نكبةٌ وبقاء: حكاية فلسطينيين ظلّوا في حيفا والجليل (رام الله: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط2، 2016)، ص 322.
  2. يُمكن الاطلاع على هذه الورقة من خلال الرابط هنا.