7 أغسطس 2019

حين يُصبح الاحتلال مدرّب تنمية بشريّة 

حين يُصبح الاحتلال مدرّب تنمية بشريّة 

عيد الحُب ما بين الفلسفة وأسلوب الحياة. القطايف سيّدة موائد رمضان. إزالة المنع الأمنيّ. ازدهار الأناناس والاقتصاد. نصائح للرياضيّ المبتدئ. تصدير أطنان الفراولة من غزّة إلى أوروبا. مصمّمو الأزياء الفلسطينيّون إلى العالميّة. المنسّق يتكلّم عن تدمير النفق الإرهابيّ. كراج التعايش في يافا. تطوير غزّة ممكن لو تركت “حماس” الإرهاب. فوائد حليب النوق… بين العلاج والتجميل. “حماس” تستغلّكم. امرأة في مهنةٍ غير تقليديّة. طريقة تحضير الكنافة.

مشهد المضامين العبثيّ هذا -بدءاً من الناطق بلسان جيش الاحتلال يتلو آيات من الذكر الحكيم، وصولاً إلى بروبوغاندا تغسل دماغنا بفوائد البامية- هو نتاجُ سياسةِ إعلامٍ حربيٍّ إسرائيليّة تتطوّر منذ سنوات. تعلّمت “إسرائيل” أصولَ الاتصال الجماهيريّ عبر شبكات التواصل الاجتماعيّ والإعلام الرقميّ؛ نزعت قفّازات الرسميّة وفصّلتْ لنفسِها رداءَ القرن الواحد والعشرين. كيف نسمّيه؛ نغاشة الإنترنت؟ متعة التفاهة؟ عبثيّة الـViral؟ شعبويّة الشّبكة؟ أو كما تُدعى باختصار.. حياتنا.

هذه العناوين المذكورة أعلاه هي غيض من فيض عناوين تقارير مصوّرة ومكتوبة نشرتها صفحات الـ”هسبارا” الإسرائيليّة وعلى رأسها صفحة “المنسّق”. تُنشر هذه المواد تطبيقاً لسياسةٍ إعلاميّةٍ تعتمد ضخ المضامين “غير السياسيّة” القادرة على اجتذاب جمهورٍ واسعٍ وبناء قاعدة “متابعين” في اليوم الأبيض، ليسْهُل استهدافُهم بالمضامين السياسيّة المباشرة ضمن المجهود الحربيّ في اليوم الأسود. أو كما جاء على لسان رونين منليس، الناطق بلسان جيش الاحتلال الإسرائيليّ: “أريد أن أزيد عدد المتابعين، ليس من أجل الـ Like، إنما لِـننقُلَ مضامينَنا في يوم الواجب. أريدُ أن أجذبَهم إليّ، ألّا يفكّروا بأنّي جيش محتلّ، إنما جيش تود لو تُتابعه”.

لكنّ الحقيقة أنّ في هذا النوع من المواد الإعلاميّة السطحيّة أكثر بكثير من مجرّد توسيع القاعدة الجماهيريّة للـ”هسبارا”، وأكثر من مجرّد التجهّز للنشر السياسيّ والحربيّ العنيف. إنما تحمل هذه المواد في طيّاتها بعداً أعمق، يرتبط في أنماط تصوّر الفلسطينيين لحياتهم تحت الاحتلال.

التفكير خارج صندوق الاحتلال

إنّ القاسم المشترك لأغلبيّة هذه التقارير التي تنشرها “إسرائيل” يوميّاً في “أوقات الهدوء” هو أنّها تقارير “إيجابيّة” تستعرض إنجازات الفلسطينيّين ومساعيهم للنجاح “والازدهار”. وهي تضيء في الغالب على المواضع التي يتمكّن فيها الفلسطينيّ من تحقيق غايةٍ ما. ويدلّنا هذا القاسمُ المشتركُ على ما تعتمده “إسرائيل” من أداةٍ نفسيّةٍ وإعلاميّةٍ في رسائلها الموجّهة للعرب والفلسطينيّين؛ فهي تحاول أن تخلق اتصالاً جماهيريّاً يُسوّق مبادئ “السيكولوجيا الإيجابيّة”، وتصنع مواداً إعلاميّةً يمكن تصنيفها ضمن “الصّحافة البنّاءة”.

في علم النفس كما في الصّحافة، وفي مجالات أخرى كثيرة، ظهرت مع بداية القرن الواحد والعشرين توجّهات “إيجابيّة” تزدري انشغال الإنسان فيما هو سلبيّ، أي في الصراعات أو الأمراض أو الأزمات. في علم النفس، مثلاً، ينتقد هذا التوجّه انشغالَ المجال بالأمراض النفسيّة وتحليلها المرتبط بالماضي، ويرى بأنّ وظيفة علم النفس تكمن في بحث ما “يستحقّ الحياة”، وأنّ عليه التمحور حول التفكير بالمستقبل.

أما في الإعلام، فإن “الصحافة البنّاءة” تنادي بالتركيز على الحلول والابتكارات وإمكانيّات تحسين الحياة، بدلاً من الانشغال بالبحث عن الصّراعات والفساد والعنف. الإيجابيّة -دائماً- بدلاً من السلبيّة.

تنطلق هذه التوجّهات من القول بأن ما وصلته البشريّة من أهوالٍ ينتج إلى حدٍ ما عن “هوس” الإنسان بالبحث عمّا هو سلبيّ وإشكاليّ، بدلاً من التركيز على الإمكانيّات والمحاولات والإنجازات. وهي ترى أن العامل الأساس من أجل تحسين “جودة الحياة” هو النظر إلى المستقبل بدلاً من الماضي، والحلول بدلاً من الصّراعات.

بكلماتٍ أُخرى، فإنّ هذه التوجّهات لا تدعو إلى النظر إلى الإمكانيّات الإيجابيّة فقط، إنما تصوّر النشرَ والتذكيرَ والإلحاحَ على مواجهة الأزمات والانهيارات ومواجهة الظلم المستشري والجرائم، كسببٍ من أسباب سوداويّة الواقع. وكثيراً ما تخدم هذه النظريّات كأداة لإسكات من يتمسّك بكشف الجريمة وُيصرّ على ملاحقة الجهة المسؤولة عن الظلم الواقع على الناس. تدعو هذه التوّجهات دائماً إلى ما نعرفه باسم “التفكير خارج الصندوق”، أي البحث عن الإمكانيّة خارج الظروف الموضوعيّة المعطاة بدلاً من مقارعتها. وبكلمات أخرى: أن نسعى لتحقيق شيءٍ ما دون أن نصطدم بعلاقات القوّة القائمة، ودون أن نحاول هزّ أركانها.

هذه سيكولوجيا سائدة، نراها حولنا في كلّ مكان، وكثيراً ما تُستخدم في الدعوة للاستهلاك والخضوع. وهي حين تُستخدم من قبل الأنظمةِ القمعيّةِ في حربها على المستضعفين، تتلخّص مهمّتها، بالأساس، في تعطيل الحسّ النقديّ والتحليليّ، وتشتيت المنطق والسببيّة، وتغييب وعي الناس بدلاً من تثقيفهم، ولا شك بأنّ صنيعها الأساسيّ هو طمس الماضي والتخلّص من القراءة التاريخيّة.

هوليوود في قلنديا

بالحقيقة، يُمكن اعتبار هذا النوع من المواد الإعلاميّة “الإيجابيّة” مراكمةً وتطوّراً لنزوع الصّحافة، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، إلى نبذ الكتابة المحايدة “الجافّة” واعتماد تقنيّات كتابة أدبيّة ولّدت “القصّة الصحافيّة”. أثّر على ذلك وجودُ الإنترنت وظهور التدوين، ومن ثمّ تطوّر التوّجه نحو “المقالات الذاتيّة” التي يستعرض فيها الكاتب تجاربَه دون أي مراجعةٍ موضوعيّةٍ لما يقوله.

لكن نبذ الموضوعيّة هذا لم يكن موقفاً ثوريّاً ضدّ أسياد اللغة وأصحاب النفوذ ممّن يمارسون فنّ انتقاء المصطلحات “النظيفة” لصياغة وعيّ يخدم مصالحهم. إنّ ما دفع باتجاه نبذ الموضوعيّة الصحافيّة، والميل نحو الكتابة الذاتيّة، كان الحساب الربحيّ للصحافة التي تنافس في سباق إثارة القرّاء والمستهلكين، خاصّةً في مواجهة الأدوات الإعلاميّة القادرة على إثارة الحواس بالصوت والصورة (وسيّدها التلفزيون). 

ليست العبرة في “تسطيح” المواد الإعلاميّة حتّى تصل إلى أوسع جمهورٍ ممكنٍ فحسب، لكنّ تكمن العبرة الحقيقيّة في تحويل الحقائق الصحافيّة والإعلاميّة من التقريريّة إلى الدراميّة. احتاجت الصحافة أن تبني الخبر بناءً دراميّاً جذّاباً، وهو بناء أدبيّ صنعه الإنسان بهدف خلق الوهم لدى المشاهد. أي أنّه، ومن أصله، ليس مُعدّاً لقول الحقيقة، ولا يستطيع هيكله ثنائيّ الأبعاد، بأي شكلٍ من الأشكال، أن يقترب من وصف تعقيدات الواقع، ولا الوفاء للمعلومة الدقيقة.

وعليه، فإنّ المواد الإعلاميّة التي تركّز في الإيجابيّات والإنجازات لا تزدري الظروف السياسيّة والعلميّة فحسب، إنما كذلك تقدّم للمشاهد العربيّ والفلسطينيّ مُتعةً وهميّةً هي ابنة واقعه. إن المواد الإعلاميّة التي تقدّمها “إسرائيل” تجذب جمهوراً مقموعاً يعيش بمعظمه ظروفاً اقتصاديّةً واجتماعيّةً صعبة. وتشحن الإنسان الفلسطينيّ المقموع بمشاهد لإبطالٍ يشبهونه، لكنّهم استطاعوا أن يحققوا المستحيل. وإن كان المستحيل في أفلام هوليوود أن يتزوّج الفقير امرأةً ثريّة، أو ينجو الضعيف من موتٍ محتوم، فإنّ المستحيل عندنا أن هو أن نخرج من غزّة بضعة أيّامٍ، أو نحظى بالكهرباء عشر ساعات في النهار، أو يُسمح لنا ببيع محاصيل أرضنا، أو العبور السلس على حاجز قلنديا، أو أن نلقى علاجاً إنسانيّاً لمرض يفتك بالصغار. وهذا النوع من الأبطال، هذا النوع من القصص، هو ما تبثه صفحات مثل “المنسّق” وغيرها. وستجد فيها، دائماً، قصةً ثانويّةً تختبئ بخجلٍ وتلعب دوراً مركزيّاً في تحقيق هذا الانتصار الورديّ: مصافحة الإسرائيليّ، دائماً، هي طوق نجاة البطل.

أعداء النجاح

عندما نشاهد عملاً دراميّاً، فإنّ آخر ما نريده أن يأتي شخص ما، ويُفسد علينا متعة الوهم من بواسطة التذكير بالوقائع أو المنطق. وعندما تُنشر مواد إعلاميّة كتلك التي تنشرها صفحة “المنسّق” أو غيرها من الصّفحات الإسرائيليّة، فإنّ إنجازها لا يكمن في توسيع القاعدة الجماهيريّة المستهدفة فحسب، ولا مجرّد إقناع الناس بأن “الحياة الجيّدة” ممكنة رغم الاحتلال، إنما يصبح إنجازُها كذلك في تحويل التذكير بالاحتلال، والتذكير بمعنى “إسرائيل” وكارثيّة وجودها، إلى تنغيص على نشوة التطهّر في مشاهدة سعي الشخصيّات ونجاحها، وإزعاج للفرح الإنسانيّ البسيط.

تلك المنشورات تُقدّم مواداً ليس موضوعها الأساسيّ محلّ خلافٍ، وفي المقابل تحتاج لمهاجمتها ذكر عوامل خارجيّة لا تأتي التقارير على ذكرها. ويكون هذا الهجوم “إقحام للسياسة” ضدّ “الحياة”. تحتمي “إسرائيل” بقضايا يُجمع عليها الناس، فتتبنّى مواضيع يتّفق عليها الناس عموماً، فلا يكون مهاجمة المضامين أمراً سهلاً. فمن منّا يقف ضدّ ابتسامة طفلةٍ تقاوم السرطان؟ ومن منّا ضدّ حماية الحيوانات البريّة؟ أو ضدّ الحُب؟ أو ضدّ القطايف؟ هكذا، يُصبح الإنسان المنشغل بتفكيك وقراءة الواقع السياسيّ مُخرّباً لحفلة الخفّة الفيسبوكيّة، وعدوّاً للنجاح.

لكن الأمر لا يتوقّف عند المواضيع، بل يجدر الانتباه إلى أن السياسة الإعلاميّة الإسرائيليّة تتعمّد إقحام الضحايا في البروبوغاندا -إنّها تستخدم الفلسطينيّ درعاً بشريّاً في موادها الإعلاميّة. تصوّر والدةً من غزّة تحمل رضيعها للعلاج، وفتاةً عاملة في معمل خزفٍ خليليّ، ومزارعاً يتحدّث عن محصوله وغيرهم الكثير. هكذا، يُصبح الهجوم على “إسرائيل” هجوماً على هذه الشخصيّات التي تظهر في موادها الإعلاميّة. وهي ليست شخصيّات من عالم الأعمال والسياسة، ممن تُمكن مهاجمتها باعتبارها صاحبة نفوذٍ وقوةٍ أو باعتبارها شخصيّات عامّة. إنما هم، بمعظمهم، ضحايا الظرف وأكثر الفئات الفلسطينيّة ضعفاً وتجهيلاً وخضوعاً. تدفع بهم “إسرائيل” إلى الحيّز العام وتستغلّهم (وهي ربّما تبتزّهم للظهور في هذه المواد). عمليّاً، يتحوّل الهجوم الوطنيّ على مضامين صفحة المنسّق هجوماً على الضحايا الذين يظهرون في المواد، ويضع الجمهور المناهض للاحتلال بين خيارات ثلاثة؛ إما أن يُهاجم بشراسةٍ ويُفهم نقدُه باعتباره هجوماً على الضحايا الفلسطينيين الذين يظهرون في الإعلانات، وإما أن يُصاغ النقد بحذرٍ شديد يحوّل الرواية الإسرائيليّة إلى موضوع قابل للنقاش والحوار، وإما أن يصمت ويتجاهل وتبقى المواد دون جواب.

إنّ هذه السياسة الإعلاميّة ليست مجرّد أداة تحجّم النقد وتردعه، إنما تتعمّد الحفاظ على مستوى فكريّ سخيف يؤدّي إلى واحدٍ من اثنين: إما إبعاد الشرائح الاجتماعيّة القادرة على تفسير وشرح حقيقة القضيّة الفلسطينيّة للناس. وبالتالي ليس فقط توسيع جمهور البروبوغاندا، وإنما أيضاً “فلترة” الجمهور بحيث تتشكّل أغلبيّة داعمة وغير نقديّة للصفحات. وإما، وهذا الأخطر، أن يُعبّر تداول هذه المواد عن مكانةٍ معرفيّة واجتماعيّة، تجد نقيضها في فئات اجتماعيّة “أكثر ثقافةً”، وهو ما قد يتفاقم إلى تأجيج فجوات اجتماعيّة قائمة ودفع الصدام (ولو فيسبوكياً) بينها. وهو ما تسمّيه “إسرائيل” -بأخبث ما يكون- عمليّة “خلق حوارٍ” حول شرعيّة “إسرائيل”.

الخواجا يُرسل طلب صداقة

إن التحوّل الأهم في سياسات “إسرائيل” الإعلاميّة الرقميّة اتجاه الوطن العربيّ وفلسطين جاء في السنوات الخمس الأخيرة. وهو مرتبط بشخصنة المؤسسة الإسرائيليّة، وإخفاء ظهورها المؤسساتيّ لصالح إبراز الأفراد الناطقين بلسانها. فبدلاً من صفحات “جيش الدفاع الإسرائيليّ”، تُبرز “إسرائيل” شخصَ آفيحاي أدرعي، وبدلاً من “مكتب التنسيق والارتباط”، تخلق شخصيّة “المُنسّق”.

في الصحافة، ينسب جيش الاحتلال الإسرائيليّ هذا التحوّل في الظهور الإعلاميّ إلى فلتة الزمان: آفيحاي أدرعي. لكنّ الحقيقة أن سياسات الإعلام الرقميّ تشكّلت بإرشادٍ واستشارة من شركات تجاريّة إسرائيليّة مختصّة، كما يجري تعهيد جزء كبير من النشاط الرقميّ لهذه الشركات.

إن تلك الشخصيّة القديمة التي نعرفها جيّداً في تاريخنا، شخصيّة “الخواجا”، ثم “الكابتن”، الذي يعرفنا ونعرفه ويألفنا ونألفه، الذي يتحدّث لغتنا ويريد “مصلحتنا”، لا زال يستغل “سذاجتنا”، ويحاول تبسيط وتسطيح عُمق الجريمة، من خلال شخصنة النظام فيه، وإقناعنا بالخضوع طوعاً، وتحوّله إلى واسطةٍ نتمسّك بها. لكن الخواجا لم يعد يركن سيّارته ويترجّل إلى ديوان المختار، إنما صار كتيبةً بدعمٍ من شركات “ستارت-أب” تستعمل أحدث التقنيات الممكنة وتمارس من خلالها أكثر الأدوات السياسيّة رجعيّةً وتخلّفاً وقمعيّة.

كانت خطوة الشخصنة هذه حجر أساسٍ في صياغة ظهورٍ إعلاميّ إسرائيليّ نقيض للموضوعيّة، يجتذب السطحية والمناكفة الفرديّة ويستخرج من المستخدم الفلسطينيّ على مواقع التواصل الاجتماعيّ أقصى فظاظته ووقاحته وشخصيّته الشتّامة. ويفرض واحدةً من اثنتين: إما ظهور القضيّة الفلسطينيّة في الإعلام الاجتماعيّ كقضيّة شتمٍ وعربدةٍ وطيش عنيف، وإما (وهذا أخطر بكثير) أن ينجر الفلسطينيّ إلى حوارٍ “حضاريّ” مع الاحتلال.

تسجيل خروج 

قد يصح القول بأنّ صفحات الـ”هسبارا” الإسرائيليّة لا يمكنها مهما بلغت أن تخترق عموم الشارع الفلسطينيّ، إذ أن شعبنا (يدّعي البعض) محصّناً بالفطرة ضدّ هذه البروبوغاندا، لكنّ خطأ هذه المقولة يكمن في ظنّنا بأن عمل الإعلام ينشد هدفاً أحاديّاً صلباً يتحقّق أو يفشل فقط. أما في الواقع، فليس شغل الإعلام أن ينقل مقولة سياسيّة فحسب، إنما أثره الفعليّ الأعمق يكمن في تشكيله لأسلوب القراءة وتناول المعلومات والتحليل لدى الناس، وكيفيّة صياغتهم لمعرفتهم. لذلك، حتّى لو سخر الناس من مقولة الإسرائيليّة النهائيّة بأن “حماس” هي المسؤولة عن المجازر في غزّة، ولم يقتنعوا بها، إلا أن “إسرائيل” تنجح في مواضع أكثر عمقاً، تتعلّق في صياغة شكل الحوار وطبيعة فهم الناس لحياتهم في ظل الاحتلال. هذا هو الأثر الثقافيّ والمعرفيّ والاجتماعيّ الأكثر حساسيّةً، وله تأثير فوريّ وطارئ على تشكّل العمل السياسيّ والنضال ضدّ “إسرائيل”. 

كذلك، فإن هذه السياسة الناظمة التي تستخدمها المؤسسات الإسرائيليّة علناً تبدو مرئيّة وخشنة، وقد تقدر العين الفلسطينيّة على ملاحظتها وكشفها. لكنّنا نعرف أيضاً أن هذه السياسة التي تضعها المؤسسات الكبرى، مثل الجيش والوزارات، سرعان ما تتسرّب في كلّ فروع الإعلام، وأنّها أثرت وتؤثّر في جميع الوسائل الإعلاميّة التي تؤثّر “إسرائيل” عليها – حتّى الفلسطينيّة منها.

أما الناتج الأساسيّ عن نوع المواد الذي تبثّه “إسرائيل” على مدار الساعة، وخاصةً تلك المواد “الخفيفة” التي لا تحمل رسائل سياسيّة مباشرة، هو أنّها ترسم أمام الفلسطينيّ خارطة السيطرة الإسرائيليّة. وتكشف أمامه أن “إسرائيل” وجيشها هم جزء لا يتجزّأ من نسيج حياته – من تصدير الفراولة وصولاً إلى فريضة الحج. تتحوّل “إسرائيل” بالنسبة للمتلقّي العربيّ والفلسطينيّ، إلى جزء لا يتجزّأ من استمراريّة الحياة والأشياء حولنا. وصياغة هذا التصوّر هي شرط استعماريّ أساسيّ لقمع المورد التحرّري الأهم: قدرتنا على تخيّل الحياة من دون “إسرائيل”.