3 مايو 2021

الحنينُ إلى جبلِ سَرْطبة

الحنينُ إلى جبلِ سَرْطبة

 وأنتَ في طريقك من السُّفوح الشرقيّة لفلسطين نحو الأردن يُطالعك جبلٌ  ذو قمةٍ مخروطية،  جبلٌ شاهق ينتصفُ الطريق بين بيسان - أريحا، جاعلاً ظهره لجبل نابلس ووجهه شرقاً نحو الأردن. على قمّة هذا الجبل تتربع قلعةٌ رومانيّةٌ مُحصّنة تعرف باسم قرن سرطبة، أخذَ الجبل منها اسمها فصار يُدعى بـــ: جبل قرن سرطبة أو جبل القرن. 

مِنْ على قمّة هذا الجبل الذي يدعى باليونانية "الإسكندريون" وباللاتينية "الإسكندريوم"، ترى ما دونكَ من "الكتاير" -التلال الوعرة- والسهول، بينما تتراءى أمامك على مدِّ البصر مرتفعاتُ السلط وجبالُ البلقاء شرقاً، وإذا نظرت غرباً تُبصر قرى شفا الغور في مشاريق نابلس بين سلسلة الجبال العالية. ولأجلِ ذلك يقول الناس بأنّه كان أحدَ منارات إرسال الإشارات بين السلط ونابلس.

جزء من الاغوار كما تظهر من جبل قرن سرطبة

 ومن جميل إطلالة هذا الجبل أنَّ الله بسطَ له سهلين عن شماله وعن جنوبه، فكان الأول سهل فصايل الذي يحتضنُ الواد الأحمر في الغور بأشجاره وخيراته. أما السهل الثاني فهو سهلُ الجفتلك الذي يغبُّ ماءً من واد الفارعة الذي يأتيه بها من السفوح الشرقية لتكملَ نحو نهر الأردن.

يرتفعُ الجبل عن الغور بنحو 650 متراً، وعن سطح البحر 377 متراً، الأمرُ الذي جعله جبلاً حادَّ الارتفاع في أخفض نقطة في العالم، ويعتبر الأهمَّ أثرياً في الأغوار الفلسطينية.

مجموعة شبابية تتسلق نحو جبل قرن سرطبة، تصوير: فادي عميرة.

جبلٌ عنيد وصوله بعيد

ولأنَّ قرن سرطبة جبلٌ مُحصن على قمة تلال وعرة فهو يصعبُ الوصول له، والصعود إليه شاقٌّ ويحتاج إلى نَفَسٍ وإقدام، إذ عليك المشي راجلاً على قدميك أو راكباً دابةً عدّة ساعات في التلال الجرداء إلا من شجر الرَّتم ونبات العكّوب والجرجير وأعشاب الربيع المُبكّر.

من بلدة عقربا التي تبعد عن الجبل مسافة 12 كم هوائيّ، تحتاج الطريق إليه بين 4-6 ساعات في مسار مشيّ 25 كم، وتحتاجُ إلى نصف تلك المدة تقريباً من فصايل (6 كم هوائي) أو الجفتلك (8 كم هوائي). وبعد أن سيطر الاحتلال على الأغوار عام 1967 شقَّ بعض الطرق التي سهّلت وصول جيشه ومستوطنيه إليه.  إذ صارَ بالإمكان وصولُ الجهة الشرقية من الجبل بالقرب من "رادار" الاحتلال المقام على جبل "عَمْرَه" الذي يراقب الغور الأردني.

حجر من بقايا قلعة سرطبة، فيما يظهر في الخلفية رادار الاحتلال الذي يراقب الغور الأردنيّ. تصوير: فادي عميرة.

قديماً، كانت هنالك طرقٌ رومانية لجبل القرن، ومنها طريق (فصايل - المسطرة - المعلب)، حيث لا تزال آثار هذه الطريق باقية، بالإضافة لسبع درجاتٍ منحوتة في الصخر في الجهة الجنوبيّة من مُنحدراته.

اقرؤوا المزيد:  "فأووا إلى الكهف".. بعضٌ من سيرةِ اللجوء والمقاومة

  يقولُ الفلسطينيون ضمن رواياتهم  الشفويةّ بعيداً عن الروايات التوراتية، إنَّ القلعة التي كانت على قمّة الجبل هي الأكبرُ في الأغوار. لدرجة أن بُناة القلعة استعبدوا الناس لإتمام بنائها، وقد جمعوا لهذه المهمّة كلَّ الدوابّ من خيلٍ وحميرٍ وبغال، حتى أنّ نسوة القُرى تزعم بأنَّ جمعهنّ للحطب ونقله على ظهورهنّ حُزماً حُزماً، هي عادةٌ قديمة اضطررن لفعلها منذ الأيام التي صودرت فيها الدوابُّ للعمل على نقل الحجارة لبناء قلعة الجبل.

تاريخُ جذور القلعة

غالبية ما يتناقله الناس من حكاياتٍ عن هذا الحِصن المنيع يُنسب للفترة الرومانية (27 ق.م – 476 م) أو يَسندِ لهيرودس الفضلَ في تحصينه. وإن كانت الحفريات الأثرية التي أجريت للجبل في ستينات القرن الماضي عبر بعثات أثريةٍ أمريكية وإسرائيلية، أشارت للتعاقب الحضاري الممتدِّ في الجبل، ومن الواضح أنَّ تاريخ القلعة قديم جداً، وقد تواصلت تحصيناته خلال الحكم المتعاقب على فلسطين لأنه شهد أحداثاً وتمردات وحروباً هامة.

  وسيكون جليّاً أثرُ هيرودوس (73 ق.م - 2 م) المعماريّ في المنطقة إذا علمنا بأنّه جعل من عقربا (أعقربتا) مقاطعةً أَتبع ما حولها لها، حيث  كان حكمه ممتدّاً من هضبة الجولان شمالاً حتى البحر الميت جنوباً. وكانت أيامه تمثل ازدهاراً ثقافياً واقتصادياً، واشتهرَ بمشاريع البناء الضخم، ولا تزال الأبنيةُ التي شيّدها قائمة حتى اليوم كالبرك الرومانية في عقربا وفصايل وكذلك الحصون والقلاع الكبيرة. 

بدايةُ حياة الجبل

جبلٌ مسحور وقلعةٌ مهيبة، لكنّ التاريخ المدون غَفل عنهما. ولعل واحدةً من أقدم الإشارات لوجود الحياة على قمّة الجبل قول المؤرخ مصطفى مراد الدباغ في موسوعة "بلادنا فلسطين" إن هناك اعتقاداً بأنّ قلعة الجبل مقامةٌ على أنقاض بلدة (سَرطان) الكنعانية.

وثّق باحثون من صندوق "استكشاف فلسطين" البريطاني عام 1874 بالرسومات بعض معالم الجبل، خلال عملية مسحه الجغرافيّ لفلسطين والتي ساعدته لاحقاً في مدّ نفوذه الاستعماريّ. غيرَ أنّ التدوين المحموم لتاريخ الجبل وحضارته هو ما عكفت عليه "إسرائيل" منذ سبعينات القرن الماضي حتى اليوم، لخلق رواياتٍ تربطه بتاريخهم المُتخيل .

 وقد جرت عدّة عملياتِ تنقيبٍ أثريّ للجبل خلال العقود الماضية، اكتشف خلالها جزء هامٌّ من معالم الجبل كالبرج والأعمدة والخنادق والأنفاق والآبار والغرف المطمورة. وعُثر في الحفريات التي تمّت بين الأعوام (1981-1984) للسفح الشرقيّ من القلعة، على انحدار 30 متراً من القمة، على حجرات ملكية، وأرضيات فسيفساء، وبرك ماء مُغلقة، وحجارة منحوتة على شكل قلوب.

بعض آثار البرج العلوي من قلعة سرطبة، تصوير: حمزة العقرباوي.

 وتشيرُ أنقاض هذه القلعة الحصينة على الحدود الشرقية من فلسطين، لطبيعة الحياة والصراعات في المنطقة تاريخياً، والحاجة الدائمة للتحصّن وتشييد القلاع لتكون ملجأ الحماية في مواجهة الغزوات والحروب.

آثارٌ تدلُّ على القلعة

لقد ألهمت فكرة التحصين عاشقي الجبل ليكون قصراً فارهاً يُطلُّ على الدنيا، وهو في ذات الوقت قلعةٌ بأبراج يصعُب اختراقها، لقد كانَ الجبلُ طوال تاريخه حاميةً وحصناً مُنعزلاً وسط تلالٍ جرداء بعيداً عن التجمعات السكانية.

  وقد بُنيت القلعة الحصينة من حجارةٍ حفرت بأزاميل كبيرة وبدقةٍ عالية، ولا تزال أساساتها قائمةً على قمة الجبل العلويّ من جهة الغرب. وكانت هذه الحجارة قد نُحتت من محاجر في التلال التي تطلُّ على (سد حريز - الواد الأحمر) كما يظهر من بقية الحجارة المنحوتة والمتروكة في المكان. وقد تطلبت جهداً كبيراً لنقلها لضخامة حجمها وبعدها عن موقع البناء.   

وبحسب الروايات، فإنَّ ارتفاعَ برج القلعة كان 6 طبقات، -والبرج هو بناء مستديرٌ أو مربعٌ يقع داخل أسوار القلعة-. وكانت تبلغ مساحة قمته العلوية بين 30-40 متراً، لكن زلزالاً على الغالب ضربَ المنطقة فأدَّى لانهيار البرج وتهدّمِ القلعة بالكامل.   

شاب يقوم بتصوير جبل قرن سرطبة كما يظهر في الأفق، تصوير: فادي عميرة.

من التِّلال إلى الجبل .. نظامٌ مائيّ فريد

  في إحدى الحكايات الشعبية يتناقلُ الناس في بلدة عقربا روايةً عن والدة هيرودوس، أنَّها قالت حين وصلت المياه لخزانات القلعة (الصهاريج): "جبناها بعزمنا وعزم رجالنا"، ويقولون إنّها نَسبت الفضل لها فعاقبهم الله بأن انقطعت المياه عن الخزانات، أي غارت في الأرض.

 فأين العجب بإيصال المياه للخزانات؟

 الجبلُ يقعُ في  سلسلة تلال الأغوار المعروفة بقلّة الأمطار، حيث يبلغ معدل هطول الأمطار السنويّ في هذه المنطقة (200-150) ملم فقط، والجبل بعيد نسبياً عن عيون الماء الواقعة في الغور (عين كرزليا - عيون مانع - بير أبو الدرج- عين الحفيرة) الأمرُ الذي يجعلُ مهمة توفير المياه لهذه القلعة أولوية.

ولذلك تمّ حفر وإنشاء عدة آبار وبرك لتجميع وتخزين مياه الأمطار في فصل الشتاء، إلا أنّ الأمر كما يبدو لم يَفِ بالحاجة المطلوبة. ولهذا تمّت إقامة نظام فريد من نوعه لتجميع المياه، ولا تزالُ بعض معالمه قائمةً لليوم ومنها: القناة والقنطرة والصهاريج.

آثار الصهاريج العملاقة (الخزانات) التي كانت تخزن المياه الجوفية، تصوير: حمزة العقرباوي.

نبدأ بالصهاريج، وهي خزاناتٌ عملاقة تمَّ حفرها في الجبل لتجميع المياه، وغُطّيت واجهاتها بالبلاط لمنع تسرب المياه منها، وهي خزاناتٌ نَجِدُ مثلها في قلعة جبل العرمة في بيتا والحصن في عقربا، وجميعها تنتمي للفترة الرومانية. وقد اكتشف في قرن سرطبة حتى اللحظة 14 خزاناً مستطيلاً تحزّم وسط الجبل، أربعة على المنحدر الشمالي، وأربعة على المنحدر الشرقي، وستة على المنحدر الجنوبي. 

مهمَّة هذه الصهاريج أن تخزّن المياه الجارية السطحية التي تصلها من التلال والهضاب الغربية، وقد حفرت قنوات على سفوح تلك التلال بحيث تنساب المياه من خلالها شرقاً لتصل الصهاريج.

 وفي وسط الطريق من جهة الجبل الغربية، كانت هناك نقطةٌ منخفضة تصبُّ فيها جميع القنوات التي بلغ طولها 5 كم، وهناك تمّ بناء بركةٍ كبيرة بجانبها جسر من الحجارة الصلبة (قُنطرة)، وفوق  الجسر أقيمت قناة مغلقة. وهكذا عمل هذا النظام المائي على توفير المياه للجبل، بمرور المياه من القنوات أولاً باتجاه الصهاريج الضخمة التي كانت تخزنها ، أو بمرورها عبر القنوات لتصبّ في البركة.

مكان البركة التي أقيمت على الجبل.

 وما يلفت الانتباه على طول القناة المائية هو وجود أنقاضٍ  لأساسات وأبراجٍ استخدمت كـ: محارس (محرس) عند نقطة بداية القناة وعلى أطراف التلال، كبرج بير أبو الدرج وبرج رأس القنطرة (السقيفة). 

بحثٌ عن كنوز باطن الجبل

لقرن سرطبة لغة وسحرٌ غريب يشدُّ الناس إليه، ومن جملة الذين أغواهم الجبل المغاربة، وذلك منذ وقت مُبكر. ومما سمعته أنَّ أحدهم حضرَ في خمسينات القرن الماضي زاعماً أنه يعرف مكان أعظم الكنوز في الأرض. ولأجل هذه المهمة جمع عدداً من رجال بلدة عقربا، فحفروا في باطن الجبل نحو ثلاثين متراً مارّين بالأدراج والغرف والسراديب، غير أنهم لم يجدوا شيئاً.

 عشراتُ هذه القصص يتناقلها الناس، عن خواتم سيدنا سُليمان أو عن الكنوز التي أُخفيت في الجبل، وقد ازداد الأمر عندما راجت الرواياتُ التاريخية عن كونِ الجبل سكناً لعائلة هيرودوس ثم مقبرةً ملكية دفن بها أبناؤه وجدهم، وما قيل عن الكنوز التي أودعت في تلك المقابر.

اقرؤوا المزيد: عند جبل حيدر

 حكاياتٌ وروايات أيقظت طمع الهُواة يهوداً وعرباً فارتحلوا للجبل، ولا يزالون يواصلون مساعيهم في البحث طمعاً ببلوغ البريق الأصفر. وكلما تمّ الحفر في أحد أطراف الجبل ظهرت الجدران والآبار والأعمدة والحجارة الفريدة التي كانت جزءاً من عمارة القلعة، وقد رأينا من خلالهم حجارة المنجنيق ومطاحن القمح اليدوية، وأجزاءً من مقاعد حجرية، وعملات نقدية مختلفة، وأطلالاً أثرية كثيرة.

غير أنَّ سر هذا الجبل لا يزال دفيناً في بطنه، نائماً تحت أطلاله المُتهدمة، مُخفياً تاريخ جبلٍ عظيم وحضارات هامة تعتبر شاهداً على تتابع الحضارة في فلسطين.

" اللي ما وصل القرن مُش عقرباوي"

  في بلدة عقربا التي يقع جبلُ القرن ضمن أراضيها الغورية كانوا يقولون: "اللي ما وصل جبل القرن مُش عقرباوي"، وهكذا تناقل الناس حبّهم للمكان وإصرارهم على الوصول إليه جيلاً بعد جيل، وهذا سرٌ مُرتبط بالجبل إذ يَشُدّ الناس إليه منذ القدم.

 وكان الاهتمامُ الغربي بالوصل للجبل قد بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فكان شبان بلدة عقربا يأخذون السيَّاح  إلى الجبل على ظهور الدوابّ، وهناك حكاية شهيرة عن موت سائحةٍ بريطانية على قمة الجبل صيفاً بسبب الحرارة المرتفعة.

 وقد زار الجبلَ عددٌ من الرحّالة الألمان والإنجليز خلال العهد العثماني، ثم نشطت الحركة السياحية فيه فترة الاحتلال البريطاني، كما قامت دائرة الآثار الأردنية بإجراء حفرياتٍ فيه بداية الستينات من القرن الماضي.

  وضمن مساعيها لتعزيز روايتها المختلقة عن الجبل، أعلنت حكومة الاحتلال محيط الجبل محمية طبيعية في عام 1983 وقد بلغت مساحة هذه المحمية 30860 دونماً،  ومن يزور المكان اليوم يشاهد جولات ورحلاً للمستوطنين ووحدات من الجيش خُصوصاً بعد ترسيم المسارات البيئية في محيطه وباتجاه قمته.

لافتة وضعها الاحتلال في منطقةٍ من الجبل اعتبرها محميةً طبيعية، في الصورة: حمزة عقرباوي.

 إنّ للجبل تاريخاً أكبر من وَهم الصهيونية والاحتلال، كما أنّ الحجارة المتهدمة وأنقاض القلعة تخبر عن حضاراتٍ مُتعددة ومتلاحقة، قد يكون من العسير فهمُ ومعرفة تفاصيل عمارة القلعة، فلا التاريخ المكتوب يُغطي سيرة الجبل، ولا علم الآثار قادرٌ على تقديم صورةٍ لما كانت عليه القلعة لصعوبة الوصول للأساسات والانقاض المدفونة بسبب تراكم الحجارة المتهدمة. وكلُّ ما في الأمر أنه جبلٌ نشعر بالانتماء له ويُشدنا الحنين إليه دائماً، وقد عشنا في كنفه منذ خلقه الله قبل أن تُشاد أول حضارته على قمّته.



13 يوليو 2021
اللِّد.. ملحمةُ الدولة الثَّامنة

"اللد باقية مهما تشد"، فالمدينة أطلّت في الهبّة الأخيرة، مثلما ظلّت تُطلُّ برأسها رغم عثرات الزمان ودورانه عليها. اجتاحها الهواءُ…