15 نوفمبر 2019
جولة غزة الأخيرة
تصعيد على هيئة إسفين
تصعيد على هيئة إسفين

تتكرّر جولات القتال في غزّة كأنّها ضريبة دوريّة يدفعُها أهالي القطاع بزكيّ دمائهم، وتصول المقاومة بردودٍ تختارها سعياً إلى أفضل شروطٍ للتهدئة. فيما تتكرر جولات التصعيد التي يعرف معظمُ اللاعبين والمتفرّجين فيها كيف تبدأ وإلى أين تنتهي. وبين أعمق الآلام الإنسانيّة من جهة، تلك التي تجعلنا نتمنّى أن يتوقّف سفكُ الدّم فوراً وبأيّ ثمن، وبين الدافع الثوريّ من جهةٍ أخرى، ذاك الذي يبتغي انتصاراً يُنزل درساً أليماً بالعدوّ من جهةٍ أخرى، ينتظر الفلسطينيّ أعجوبةً أو تحوّلاً "دراميّاً" يجعل الجولةَ تختلف عن سابقاتها. لعلها، هذه المرّة، أو المرّة القادمة، أو التي تليها، تُشعِلُ معركةً كُبرى مفصليّة وتاريخيّة ترفع واقع القهر عنّا. لكنّ الواقع أنّ هذه الجولات مهما تشابهت شكلاً، إلا أنّها تتقدّم في سياقٍ سياسيٍّ واستراتيجيٍّ متصاعدٍ تسعى "إسرائيل" إلى إحكامه تماماً، في محاولة للوصول إلى حالة الإخضاع التام. 

في كلّ هجوم عسكريّ تشنه "إسرائيل" علينا، ومع ما يلحقه من قتلٍ وتدمير، تستخدم "إسرائيل" إمكانياتها الواسعة لاستثمار الهجوم وتوظيفه في سياقٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ واضحة وجهته. يتشكّل هذا السّياق حول العمليّة العسكريّة مهما صَغُرَت، فتُستَغلُ لتحصيل منجزاتٍ استعماريّةٍ واختراقاتٍ للحيّز الاجتماعيّ والسياسيّ الفلسطينيّ. لا يقتصر هذا التأثير على الرأي العام الفلسطينيّ ولا على ما تفرضه "إسرائيل" من شروطٍ في اتفاقات التهدئة فحسب، إنّما كذلك يحفر عميقاً في العلاقات بين التنظيمات السياسيّة والعسكريّة الفاعلة. بل وينخر داخل التنظيمات نفسها ومحاولة الضغط لضبط وتوجيه العلاقات فيها، وتغييرها من الداخل وفرض تحوّلات عليها.