29 ديسمبر 2019
ملامح عقدٍ ثوريّ، وأُمنية!
ملامح عقدٍ ثوريّ، وأُمنية!

بلغ عقدٌ من الزمن نهايته، وهذه السّطور محاولة لخربشة ملامح أساسيّة في وجه هذه السنوات كما عاشتها مجتمعاتُـنا العربيّة: عشرة أعوامٍ من البهاء الثوريّ مجبولة بالألم والدمويّة، بالأمل والخيبات. لا يزال من المبكّر، طبعاً، التأريخ لهذا العقد. إلا أنّها سنوات حفرت مطرحها في قصّتنا؛ في قلوبنا وعقولنا وأجسادنا وعلاقاتنا. بدأت رحلةٌ خفيٌّ مطافها، ووُلد عهد التحقّق من القوّة الكامنة في اجتماع الناس، وأوان التأكّد من إمكانيّة خلخلة الأنظمة. هذه هديّة الثورات العربيّة التي قدّمها جيلٌ لمستقبل سيعيد صياغتها.

النظام ليس طبيعةً

تمكّنت الثورة من أداء وظيفتها الأسمى: كشف الجوهر الاصطناعيّ للنظام. تجسّدت المجتمعات فعليّاً في الشوارع، وقطعت الطريق على التصوّرات المجرّدة لمفهوم "الشعب"، والذي لم يعد أكثر من شعار هلاميّ توظّفه السّلطةُ لقمع حياة الأفراد والمجتمعات وحريّتهم وكرامتهم. في نزول الملايين إلى الميادين، أُعيدت السياسةُ إلى أصلها ومادّتها الخام، وجَرَّدت هذه العودةُ الدولةَ من وكالتها وشرعيّتها. لم تعد الأنظمة قادرة على ادعاء تمثيل مصالح المواطنين ووحدتهم حين يحضر الناسُ بأجسادهم. ومع فقدان السُّلطة لهذه الشرعيّة، انكشف مكنونها الحقيقيّ؛ العنف البنيويّ العميق في عمليّة السلب المستمرّة لحقّ الناس، ومنظومة إدارة واحتكار وتقاسم القوّة والموارد المسلوبة، ثمّ قابليّة تحوّل العنف العميق إلى عنفٍ متوحّشٍ مسعور حين تتعرّض هذه المنظومة لخطر الزوال.