17 أبريل 2026

الجنوب: الأرض التي ترفض أن تكون "منطقة عازلة"

الجنوب: الأرض التي ترفض أن تكون "منطقة عازلة"

كلما حاولتُ البدء من الوقائع، استحضرتُ تلك العبارة التي صاغها مارسيل خليفة لحناً لقصيدة الشاعر محمد العبد الله، ابن بلدة الخيام: "من هنا تبدأ الخارطة والكلمات". فمن وحي تلك الخارطة الجنوبية تحديداً، نفهم ما جرى من معارك تصدت لمحاولات "إسرائيل" إعادة تشكيل المنطقة بالنار والعزل والتدمير، وصولاً لـ إعلان الهدنة في 16 نيسان/ أبريل 2026، وتسابق أهل الجنوب للعودة إلى قراهم، وشقهم طرقاً بديلة للجسور التي دمرتها الغارات الإسرائيلية.

منذ اشتعال جبهة الجنوب في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تجاوز الصراع بين "إسرائيل" و"حزب الله" أطر المناوشات المعتادة، ليدخل مع اتساع رقعة الحرب في آذار/ مارس 2026، مرحلةً أكثر جلاءً في مراميها ووسائلها. اليوم، تنفذ "إسرائيل" مخططات توسعها وسط مناخ إقليمي متفجر، وقد أعلنت قيادتها صراحةً عن عزمها توسيع العمليات وتحويل المساحة الممتدة حتى نهر الليطاني إلى حزامٍ خاضع للسيطرة، وهو ما يترافق مع هدم القرى الحدودية ومنع مئات الآلاف من اللبنانيين من العودة إلى ديارهم جنوب النهر. وعليه، فإن رحى المعركة في الجنوب لا تدور حول تحركات القوات والالتحام المباشر فحسب، بل تستهدف الأرض والإنسان، وتضرب مقومات الحياة وحق العودة في صميمها.

مطلع آذار المنصرم، تمددت رقعة المواجهات ليدخل الجنوب اللبناني شهره الثاني من العمليات المتواصلة. والواقع أن القوات الإسرائيلية لم تتوقف لتبدأ من جديد، إذ حافظت منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024 على نقاط تمركز عسكرية في خمسة مرتفعات استراتيجية داخل العمق الجنوبي، لتعاود مع اتساع رقعة الصراع التقدم نحو مواقع إضافية، وتشييد تحصينات جديدة داخل الأراضي اللبنانية، فضلاً عن مداهمة القرى والمنازل المهجورة. وتزامن ذلك مع تدمير ممنهج للجسور والمعابر والطرق، واستمرار الغارات الجوية التي لم تنقطع بالفعل حتى في ظل التهدئة السابقة.

اقرؤوا المزيد: "تأديب الجغرافيا": لماذا تستهدفنا الحرب الجديدة جميعاً؟

يتجلى هذا المشهد أكثر بالنظر إلى ذاكرة الجنوب الطويلة مع المخيلة الأمنية الإسرائيلية ذاتها، في عام 1978 بلغ الاجتياح ضفاف الليطاني، ثم تلاه غزو عام 1982 وصولاً إلى بيروت، ليُفرض بعد عام 1985 شريط حدودي أداره جيش لبنان الجنوبي بالوكالة، قبل أن ينطوي ذلك الفصل بانسحاب عام 2000. ومن هنا، يتقاطع الخطاب الإسرائيلي الراهن مع جغرافيا خَبَرت هذا النمط من الترتيبات، ودفعت ثمنه احتلالاً موضعياً طويلاً، وحرب استنزاف يومية، واحتكاكاً مريراً بالقرى والطرق والمرتفعات.

محاور التوغل والالتحام

انحصرت التحركات البرية والاشتباكات مع مقاتلي "حزب الله" في ثلاثة قطاعات جغرافية بارزة، في الجانب الساحلي، اتخذت القوات الإسرائيلية مواضع شبه ثابتة عززت تواجدها فيها، من الناقورة إلى البياضة وشمع ومحيط قلعتها التاريخية، وهناك استمر القتال في هذا الشريط الضيق، وهو مسار ينفتح على طريق صور وشريط ساحلي ضيق تُغري تضاريسه بالنظر إليه كمحور عبور سريع، غير أن الواقع الميداني يكشف عن قرى متلاحمة ومساحات ضيقة محصورة بين البحر ومرتفعات الشرق.

وفي القطاع الأوسط، انتقلت الحركة الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة من محاولة تطويق بنت جبيل إلى إحكام الطوق من محوري قوزح ـ دبل ـ رشاف وعيترون ـ عيناتا إلى ساحة ضغط مباشر على مركز المدينة، تزامن مع ذلك اشتباكات متواصلة على المداخل والمحاور الداخلية المحيطة بها، كذلك في بيت ليف وعلى الأطراف المتصلة بقريتي عيناتا ودبل، من دون أن تتحول هذه الضغوط إلى سيطرة مستقرة على قلب المدينة.

أما القطاع الشرقي، الذي يمتد من الخيام ومرجعيون نحو دير سريان ودير ميماس وصولاً إلى مشارف الليطاني، شهد محاولات تثبيت التقدم في الخيام نفسها وتوسيعه على المحور المؤدي إلى النهر، مع بقاء القتال مفتوحاً شمال البلدة وفي المثلث مع إبل السقي وراشيا الفخار، وتكمن خطورة هذا المحور الأخير في اقترابه الشديد من مجرى النهر ومحور مرجعيون - حاصبيا، مما يمنح أي تقدم فيه تأثيراً استراتيجياً واسعاً على خطوط الحركة بين الجنوب وظهيره الجغرافي.

اقرؤوا المزيد: هل يخوض "حزب الله" معركة أعمدة؟

تساعد هذه المحاور في سبر أغوار المعركة الراهنة، المسألة لا تقتصر على السيطرة على بلدات بعينها، بقدر ما تتعلق بالتحكم في مفاصل ساحلية، ومرتكزات إشراف في الوسط، ونقاط ربط استراتيجية بين الحدود والنهر شرقاً. هذا التوزيع الميداني يعكس أن التوغل الإسرائيلي لا يتحرك على وتيرة واحدة؛ كل محور يمارس ضغطاً على شبكة طرق وقرى مغايرة، ويستهدف إمكانات وصل مختلفة بين ضفتي الليطاني. ومن هنا تبرز القيمة الحيوية للخيام شرقاً وبنت جبيل وسطاً، فضلاً عن البياضة وشمع غرباً، إذ يمثل كل موقع منها مفتاحاً لطبقة أساسية من طبقات الجغرافيا الجنوبية.

ينطوي هذا التوزيع على دلالة إضافية ترتبط بطبيعة القتال ذاته، إذ لا تقتصر المعركة على اقتحام خاطف يتبعه تثبيت للمواقع، بل تسير وفق نمط يتدرج من الدفع المحدود إلى الاشتباك، ثم إعادة التمركز، وصولاً إلى توسيع نقاط الإشراف العسكري. وهذا ما يفسر تقاطع الخطاب الإسرائيلي عن التوغلات المحدودة مع الإجراءات الميدانية المتمثلة في تشييد ثكنات داخل الأراضي اللبنانية وتمشيط المنازل في القرى المهجرة.

وضمن هذا التباين، تتبدى ماهية الجولة الراهنة، حيث تتماهى تحركات الوحدات العسكرية على الأرض مع سياسة أشمل تهدف لإعادة هندسة المجال الجغرافي الذي تنشط فيه تلك القوات. أما في الجيب الحدودي الممتد بين رميش وعين إبل ودبل، بقيت  بعض البلدات مأهولة جزئياً، في ظل انكفاء وحدات الجيش اللبناني من محيطها وتصاعد المخاوف من نقص حاد في الإمدادات الأساسية، كالغذاء والدواء والوقود، وخاصة في ظل منع قوافل الإمداد الدولية من التوجه إلى الناقورة.

الخريطة 1: خريطة تُظهر حالة التوغل والقصف الجوي والاشتباكات البرية في جنوب لبنان بتاريخ 17 نيسان/ أبريل 2026.
الخريطة 1: خريطة تُظهر حالة التوغل والقصف الجوي والاشتباكات البرية في جنوب لبنان بتاريخ 17 نيسان/ أبريل 2026.

عزل الليطاني 

يقتضي الخطاب الإسرائيلي الراهن عن "المنطقة العازلة" ضبطاً تاريخياً أدقّ، الشريط الأمني الذي رُسخت دعائمه بعد عام 1985 قام على احتلال موضعي وحرب استنزاف مديدة، بإدارة وكيلة عبر "جيش لبنان الجنوبي". أما الحملة الحالية، فتتوسل أدواتٍ أشدَّ وطأة وقسوة، تتمثل في تدمير القرى الحدودية، وحظر العودة إلى مناطق جنوب الليطاني، واستهداف الجسور والمعابر، فضلاً عن قضم نقاط عسكرية في الداخل، وسط حديث إسرائيلي علني عن استنساخ "نموذج رفح وبيت حانون". ومن هذا المنطلق، يغدو العزل بحد ذاته ركناً في عقيدة القتال، إذ تسعى الحملة إلى إعادة صياغة الحيّز الجنوبي عبر استراتيجية التفريغ والتقطيع، تمهيداً لفرض حضور طويل الأمد.

تبعاً لذلك، يستمد نهر الليطاني ثقله من كونه عصباً لشبكة المواصلات، بقدر ما يمثله من حدّ جغرافي وسياسي في المتخيّل العام. وإذا كان القرار الدولي 1701 صاغ المنطقة الممتدة بين الخط الأزرق والنهر بوصفها مساحةً لانتشار الجيش اللبناني وقوات "اليونيفيل" وضمان خلوها من السلاح غير الرسمي، فإن الحرب الدائرة اليوم تدفع بالنهر نحو دورٍ مغاير، يتركز على خنق الحركة وإطباق الحصار، فحين استُهدف جسر القاسمية وغيره من المعابر فوق الليطاني، تبدلت طبيعة الرابط الذي يجمع صور والنبطية ومرجعيون وصيدا بالجنوب الأقصى، لا سيما أن لبَّ المعركة يدور اليوم حول شبكة الوصل التي تمنح الجنوب مقوماته في الحياة والعودة والإمداد.

اقرؤوا المزيد: من هرمز إلى الشام.. ارتدادات الحرب الكبرى

وهذا التوصيف تحديداً يبرز الفارق الجوهري بين الجولة الراهنة وسابقاتها، إذ إنه خلال الأعوام التي تلت حرب 2006، ظلّ ذكر الليطاني محصوراً في الأدبيات السياسية والأمنية بوصفه سقفاً للمطالب، أو عمقاً استراتيجياً، أو مجرد منطقة فصل، أما اليوم، فقد غدا النهر جزءاً عضوياً من الميدان، عبر استهداف جسوره وطرقاته الساحلية، والتفافاته الشرقية، ومسارات إمداده اليومية. ومع اتساع رقعة أوامر الإخلاء وتكثيف القصف على المعابر، تتبلور في الجنوب بنيةٌ حربية تنزع نحو القطع والعزل بقدر نزوعها نحو القضم البري، ومن هنا، يتضح أن الشعار الإسرائيلي بـ "السيطرة حتى الليطاني" يتجاوز كونه إعلاناً عسكرياً، ليختصر تصوراً كاملاً لإدارة الجغرافيا عبر تقييد العودة والحركة معاً.

خريطة ارتفاعات طبوغرافية لحوض نهر الليطاني وبحيرة القرعون، وتُظهر النهر بوصفه عقدة تضاريسية ومائية لا مجرد خط سياسي يمكن أن تحدده "إسرائيل". (المصدر: Litani River Authority، حزيران/يونيو 2025)
خريطة ارتفاعات طبوغرافية لحوض نهر الليطاني وبحيرة القرعون، وتُظهر النهر بوصفه عقدة تضاريسية ومائية لا مجرد خط سياسي يمكن أن تحدده "إسرائيل". (المصدر: Litani River Authority، حزيران/يونيو 2025)

يتجلى هذا المنطق أكثر عند النظر إلى الجدار الذي شيدته "إسرائيل" على مرّ السنين على طول الحدود في مقاطع متعددة، مدعوماً بأبراج مراقبة وعوائق إسمنتية وتحصينات تزايدت وتيرتها منذ عام 2022. يمثل هذا العائق محاولة تاريخية لضبط تخوم "إسرائيل" ورفع كلفة الاقتراب منها، وكشف مسح أممي في أواخر 2025 عن تجاوز أجزاء منه للخط الأزرق في مواضع معينة، غير أن الحرب الحالية تدفع بهذا المنطق إلى مستويات أعمق، إذ بينما يحقق الجدار وظائف الرقابة والمنع عند الحافة الأمامية، تتحرك الإدارة الحربية في هذه الجولة داخل القرى والمرتفعات ومحاور الربط والجسور، أي في فضاء يتجاوز ضيق الخط الفاصل نحو رحابة الداخل الجنوبي. ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية لليطاني، كونه يعيد ترتيب المسافة الفاصلة بين الشريط الحدودي المباشر وبين ظهير الجنوب اللبناني.

ما وراء التضاريس

يرتسم جنوب لبنان كشريط ساحلي ضيق، يليه مباشرةً حزامٌ متعرج من التلال والمرتفعات والأودية، حيث تتربع القرى فوق القمم المشرفة أو عند أكتاف السفوح. هذه البنية التضاريسية تمنح المواجهة طابعاً استثنائياً، إذ يُضطر المُهاجم إلى توزيع قواته على محاور متعددة، والتعامل مع انكشاف جانبي دائم، فضلاً عن حاجته إلى ربط كل نقطة يسيطر عليها بخطوط إمداد وحماية ومراقبة مستمرة. وفي المقابل، تخوض المقاومة معركتها فوق أرضٍ تفرض عليها هي الأخرى أثماناً باهظة، فالحركة في ظل التفوّق الجوي تزداد صعوبة، وخطوط الوصل بين المحاور عرضة للانقطاع، كما أن حماية القرى المتباعدة تتطلب اقتصاداً دقيقاً وحذراً في توزيع القوى.

غير أن هذه الكلفة المزدوجة لا تقع كفّتاها بالتساوي، فـ "إسرائيل" التي تسعى لفرض احتلال موضعي طويل الأمد، تضطر لإدارة عدد أكبر من النقاط العسكرية، وتأمين مزيد من العُقد، ومراقبة مساحات أوسع من الحواف الميدانية، وهو ما يؤدي إلى تضخم كلفة الإمساك بالمكان مع كل خطوة يخطوها نحو الداخل.

تتجلى هذه المعضلة على امتداد المحاور القتالية، فالاندفاع من الناقورة شمالاً يغوص في ممر ساحلي ضيق لا يكفي وحده لفتح الطريق نحو صور، بينما يشتت المحور الأوسط الحركة بين قرى متلاصقة وخطوط نظر متداخلة، تمنح التلال الصغيرة والمسالك الفرعية ثقلاً ميدانياً يوازي مكانة البلدات الكبرى. أما المحور الشرقي، فيجذب القتال نحو أودية ومشارف نهرية ومثلثات حدودية مفتوحة على الجبهتين اللبنانية والسورية معاً. وبناءً على ذلك، لا تبرز في الجنوب "نقطة حاسمة" وحيدة تكفل ترتيب ما حولها، لأن الجغرافيا هنا تعمل بمنطق تراكمي، حيث يفتح كل موضعٍ ثغرةً لموضع آخر، وتظل كل طريق رهينةً بما يجاورها من عُقد وحواضن.

ولا يقل النسيج العمراني ثقلاً عن وعورة التضاريس، ففي دراسةٍ عن بلدة سيناي في جبل عامل، يتضح كيف ظلت الروابط بالقرية، بأحيائها الداخلية وأراضيها المزروعة ومسالك العودة إليها، فاعلةً رغم الهجرات المتتالية نحو المدن أو بلاد الاغتراب في غرب إفريقيا، وكيف استمالت "العودة الدورية" الناس لإعادة الارتباط بمجالهم الحيوي. ويكتسي هذا النموذج زخماً خاصاً عند استحضار تجربة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب بين عامي 1982 - 1985 في البلدة ذاتها، حين تشكلت نواة مقاومة محلية للدفاع عن أرضٍ لم يكن أغلب سكانها يملكونها بصفة قانونية. 

اقرؤوا المزيد: جيش لبنان الجنوبي.. كيف صنعت "إسرائيل" حلفاءها

هذا ما تغفل حقيقته التحليلات العسكرية المختزلة، أن القرية الجنوبية ليست مجرد إحداثيات جغرافية، بل بيئةٌ معرفية ومساحة سكن وزراعة، وذاكرة حية للمقاومة وتوق المهاجرين والنازحين للعودة.

هكذا تتضح مكانة بنت جبيل في المواجهة الراهنة، البلدة التي تكتسي رمزية سياسية كبرى منذ اندحار الاحتلال عام 2000، تختزن أيضاً دلالة عمرانية وعسكرية أكثر مباشرة. ففي حرب 2006، أُعلن مبكراً عن سقوط بنت جبيل تحت السيطرة الإسرائيلية، غير أن الحي القديم وحده، بما يضمه من أكثر من خمسة آلاف منزل، استعصى على التأمين الكامل حتى وضعت الحرب أوزارها. 

ما يختصر جوهر المعركة في الجنوب، حيث يتلاحم العمران مع قرى الجوار وتلالها ومسالكها، محولاً أي تقدم عسكري إلى احتكاك استنزافي طويل، ومنتزعاً من الحصار صفة النهاية ليجعله مجرد مرحلة من مراحل القتال. ومجريات آذار ونيسان الجاري على محاور بيت ليف وشمع وعيناتا والقطاع المتصل بقضاء بنت جبيل، تعيد تكريس هذا الدرس، فبينما تسعى الحركة الإسرائيلية إلى خنق المجال الجغرافي، يظل تحويل هذا الضغط إلى قبضة مستقرة مهمةً شاقة ونتائجها غير محسومة.

خريطة لجنوب لبنان تفيد في التعرف على المناطق التي احتلتها "إسرائيل" ومناطق الاشتباكات. (المصدر: L'Orient Today)
خريطة لجنوب لبنان تفيد في التعرف على المناطق التي احتلتها "إسرائيل" ومناطق الاشتباكات. (المصدر: L'Orient Today)

يمكن للسوابق التاريخية أن تضيء ملامح الحاضر، فذلك "الشريط الأمني" الذي بَدَا قابلاً للإدارة على الخرائط إبّان سنوات الاحتلال، استحال على أرض الواقع عبئاً مكلفاً ومكشوفاً، تتزايد نقاط احتكاكه بالقرى والمقاومين كلما طال أمدُه، والجنوب بحد ذاته لم يتعاطَ مع ذلك الترتيب كواقع ثابت، بل بوصفه مجالاً للعودة والاختراق والاستنزاف الممنهج. هذه الذاكرة الجماعية باتت متجذرة في بنية القرى، وفي صلة الناس ببيوتهم وأراضيهم، وفي خبرة الأطراف المحلية مع الاحتلال والانسحاب معاً.

ومن هنا، تبدو المقارنات المتسرعة مفتقرة إلى الإقناع؛ جنوب سوريا تحكمه اليوم بيئة مغايرة أفرزتها سقوط نظام الأسد والفراغ الأمني واتساع الحيز المفتوح، ما أتاح فرصة التوسع الإسرائيلي، أما جنوب لبنان، فيتفرد بجمعه بين الحافة الحدودية والقرى المأهولة والمرتفعات المتعرجة، فضلاً عن الأنهار والمعابر وذاكرة الاحتلال الحديثة. لذلك، ينطوي الحديث عن شريط أمني مستقر على قدر كبير من الطموح السياسي الإسرائيلي المأزوم، يقابله تعقيد ميداني صلب، فـ "إسرائيل" تملك القدرة على مضاعفة التدمير، وتعميق التهجير، وتوسيع رقعة الإخلاء، وصولاً إلى الدفع بقواتها نحو نقاط إضافية، غير أن تحويل هذا المشهد إلى حزام مستدام يتطلب إمساكاً دائماً بجغرافيا كثيفة، يألفها أهلها، وهذه هي العُقدة تحديداً التي تجعل أوهام المنطقة العازلة تتكرر في الخطاب السياسي، دون أن تجد طريقاً سهلاً للرسوخ على أرض الواقع.

اقرؤوا المزيد: كيف تعيد "إسرائيل" رسم الجنوب السوري؟

اقرؤوا المزيد: الجنوب السوري: "عم نطرق جدران الخزان، هل من أحد؟"

أما المقارنة مع غزة، فتستوجب قدراً من الانضباط التحليلي، فالمسألة لا تكمن في أن غزة "أسهل" عسكرياً، بقدر ما تتعلق بطبيعتها كشريط ساحلي أكثر انبساطاً واتصالاً. في المقابل، يمثل الجنوب اللبناني تضاريس متكسرة من تلال ونتوءات ووديان، تتبعثر فوقها القرى على ارتفاعات متفاوتة، حيث يؤدي الليطاني دور العقدة المائية والحركية الوعرة، هو ليس مجرد خط مستقيم إلا في مخيلة خرائط الطموح السياسي الإسرائيلي. ومن هنا، يستحيل نقل "قاموس السيطرة" ذاته من ذلك الفضاء الساحلي المتصل إلى فضاء جبلي متشظٍّ.

اقرؤوا المزيد: غزّة.. كيف نقرأ جغرافيا المعركة؟

لهذا كله، تغدو فكرة "الشريط الأمني المستقر" جنوب الليطاني أقل تماسكاً مما توحي به الخطابات السياسية، إذ إنه بمقدور "إسرائيل" مضاعفة وتيرة التدمير، وتعميق سياسة التهجير، بيدَ أن تحويل هذه الإجراءات إلى واقع احتلالي يتطلب إمساكاً دائماً بحيّز جغرافي كثيف، يألفه أهله ومنفتح على استنزاف مديد. وهذه هي "العُقدة" تحديداً التي تجعل من طموح تحويل الجنوب إلى منطقة عازلة رهاناً يصطدم بوعورة الميدان وتعقيداته، أكثر مما يترسخ كخيار مستساغ.



12 أغسطس 2024
قوات الفجر: للسلاح وجهة واحدة

في الثامن عشر من تموز/ يوليو الماضي، قدّمت "قوات الفجر"، الجناح العسكريّ للجماعة الإسلاميّة في لبنان، القيادي محمد جبارة شهيداً…