22 يناير 2021

جيش لبنان الجنوبي.. كيف صنعت "إسرائيل" حلفاءها

جيش لبنان الجنوبي.. كيف صنعت "إسرائيل" حلفاءها

يعي كثير منّا المشهد السوريالي لحشود من اللبنانيين يهجمون على إحدى المعتقلات لإخراج الأسرى إبّان تحرير جنوب لبنان. لكنّ قليلين منا من يعرف أنّ هذا المعتقل والمعروف باسم معتقل الخيام، نسبة للقرية الموجود فيها، لم يكن تحت الإدارة الاسرائيلية المباشرة، إنّما كان تحت إدارة "مليشيا جيش لبنان الجنوبيّ"؛ "مليشيا الجنوبيّ" اختصاراً أو "مليشيا لَحد"، نسبة للضابط السابق في الجيش اللبنانيّ أنطوان لحد.

وكما أنَّ لكلِّ ظاهرةٍ مُقدِمات، فإنّ نشأةَ "الجنوبيّ" لم تكن محضّ حدثٍ عفويّ. فقد سبقها اهتمامُ الإدارة الإسرائيليّة بلبنان لأسباب عدّة في خمسينيات القرن الماضي، وذلك بعد نيله الاستقلال بسنواتٍ قليلة. أحد تلك الأسباب أورده وزيرُ الخارجيّة الأسبق لكيان الاحتلال موشيه شاريت في مذكراته، إذ يقول إنّ ديفيد بن غوريون تقدّم باقتراحٍ في غير مرّة لمحاولة "تدبير تحرّكٍ في لبنان يهدف لتغيير هُوية البلاد إلى هوية مسيحيّة مارونيّة". أمّا موشيه دايان الذي كان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وكما ورد في مذكرات شاريت، قال بعد أنْ أُعجِبَ بفكرة بن غوريون: "... فلنجد ضابطاً لبنانيّاً، ولنكسِبَ قلبَه أو لنشترِهِ بالمال حتى نُقنِعَه بأن يُعلن نفسه مُخلِّصاً للموارنة. هكذا ستتمكن إسرائيل من دخول لبنان، سنحتلُ الأراضي اللازمة، وسنخلق نظاماً مسيحيّاً يكون حليفاً لنا".

والموارنة، بحسب آخر إحصاء أجري برعاية الانتداب الفرنسي عام 1932، يُشكّلون أغلبية السكان في لبنان. وعليه بدا المقترح منطقيّاً من وجهة نظر بن غوريون وديان، إذ انطلقت الرؤية الإسرائيلية من الاعتقاد أنّ موارنة لبنان تماماً كاليهود في فلسطين المحتلة؛ أقليّة محاطة بدول عربيّة وإسلاميّة، وبتحوّل لبنان إلى دولة مارونيّة، يعني أن يصبح للكيان حليفٌ عند الجبهة الشماليّة. هكذا أمّلوا.

المخلّص المسيحي والخطر الفلسطيني

بعد انطلاق الثورة الفلسطينيّة، وقّع لبنان في عام 1969 اتفاقية القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينيّة، وهي اتفاقيةٌ تُثير الجدل بين أطياف المجتمع اللبنانيّ، إذ سُمح بموجبها لفدائيي الثورة الفلسطينيّة بمحاربة الاحتلال الاسرائيليّ من أراضي لبنان، والتمركز في جنوبه بمنطقة العرقوب التي عرّفتها وسائل إعلامٍ غربيّة لاحقاً باسم "فتح لاند". رأى موارنة لبنان أن تلك الاتفاقية تعني التخلي عن السّيادة اللبنانيّة.1لاحقاً في أواخر السبعينيات تقريباً، بعد مرور فترة على وجود الثورة الفلسطينية في الجنوب وبسبب أخطاء بعض المقاتلين بدأت المشاكل بين سكان الجنوب عامّةً (أي من غير الموارنة كذلك) والفلسطينيين. وعمَّ الاستياء القرى المارونيّة في جنوب البلاد، واعتبِر الوجود الفلسطينيّ خطراً مباشراً على سكّان هذه القرى، ليكون الفلسطينيّ ذريعة موارنة الجنوب لكشف النقاب عن علاقتهم بالاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.2يمكن الرجوع إلى المصادر التالية للاستزادة: The Emergence of the South Lebanon Security Belt: Major Saad Haddad and the Ties with Israel 1975-1978، وكذلك يمكن الاطلاع على العلاقات المارونيّة في جنوب لبنان مع اليشوف الصهيوني قبل النكبة ولاحقاً مع "إسرائيل"، من خلال الكتاب التالي: Schulze, K. E. (1998). Israel’s Covert Diplomacy in Lebanon. Palgrave Macmillan UK.)

اندلعت الحرب الأهليّة اللبنانيّة عام 1975، وانشقَّ عن الجيش اللبنانيّ الرائدُ سعد حداد وهو مسيحيّ أرثوذوكسيّ من قرية مرجعيون الجنوبيّة، وانشقَّ معه كل الجنود الموارنة في الجيش، وجزءٌ كبيرٌ منهم (حوالي 500 جنديّ) من قرية القليعة الحدودية.3قيل عن سعد حداد أنّه "وطنيّ"، وكان يحب الجنوب، وأنّه فعلاً كان يؤمن بأنه يفعل الصواب وكان يعتقد أنَّه يخدم وطنه. ليس هناك مواقف رنّانة لحداد يمكن الحديث عنها، لكن هناك حادثة تذكرها صحيفة النيويورك تايمز وتقول إن حداد عندما كان لا يزال في الجيش اللبناني (1973)، ساعد مجموعة كوماندوز اسرائيلية ضلّت طريقها بعد أن تسللت إلى جنوب لبنان لتنفيذ عملية ضد الفلسطينيين. اتجه حدّاد مع الجنود المنشقّين إلى جنوب لبنان وأعلن تشكيل "جيش لبنان الحر" لتحرير جنوب لبنان من "الخطر الفلسطينيّ" وحماية القرى المسيحيّة منه (لم يكن الجنوب محتلاً بعد من "إسرائيل" في ذلك الحين). أمّا إدارة الاحتلال فكانت قد بدأت بإرسال مساعدات مختلفة الأنواع إلى موارنة الجنوب بعد أن سلّم رجلُ دين مسيحيّ من قرية مرجعيون رسالةً إلى إحدى بلديات الاحتلال في شمال فلسطين تشرح تفصيليّاً الوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ لقرى الجنوب وحاجاتها.4كانت العلاقات على المستوى السياسيّ المسيحيّ قائمة مع "إسرائيل" قبل ذلك، وكان هناك جهود لتطويرها، وأتى هذا التواصل ليُضيف ويراكم على هذه العلاقة القائمة أصلاً.

في العام التالي، أي 1976، صرّحت حكومة الاحتلال عن نيّتها بدء علاقات من نوع جديد مع لبنان، ولإظهار "حسن النوايا" أعلنت سياسة "الجدار الطيب – هجيدر هتوفا". حاول الاحتلال بها استمالة أهل الجنوب على اختلاف طوائفهم، والذين همّشتهم حكومتهم لسنوات طويلة، فقدّم الخدمات الاجتماعيّة لهم، وطبعاً دعم مليشيا حدّاد عسكريّاً ولوجيستيّاً.

وبتلك الخطوات، مهّد الكيان لاحتلال جنوب لبنان عام 1978. متذرعاً بعملية دلال المغربي في الجليل المحتل، أعلنت الحكومة الإسرائيليّة جنوبَ لبنان منطقةَ خطرٍ أمنيٍّ، واجتاحه جيشُها وصولاً إلى جنوب نهر الليطاني، ما مثّل 10% من إجمالي مساحة لبنان. لاحقاً، وضع الاحتلال هذه المساحة التي سُمّيت بـ"الحزام الأمنيّ" رهن تصرّف حليفِهِ حدّاد الذي، وللمفارقة، أعلنها دولةَ أمرٍ واقع مستقلة باسم "دولة لبنان الحرّ". حرص حدّاد خلال هذه الفترة على قطع قرى الجنوب عن باقي مدن لبنان وقراه، وأرغم اللبنانيّين في المنطقة المحتلة على أن يولّوا وجوههم نحو الجنوب، أي نحو الكيان الاسرائيلي.

خدمات مقابل العمالة

فشل الكيان الاسرائيلي في إيقاف صواريخ الكاتيوشا التي كانت تُطلقها الثورة الفلسطينيّة باتجاه مستوطنات شمال فلسطين، فاجتاح العاصمة بيروت عام 1982. عام 1984 مات حدّاد، واستلم المليشيا التي أصبحت الآن تعرف باسم "مليشيا جيش لبنان الجنوبيّ"، الرائدُ المارونيّ أنطوان لَحد. صحيح أنّ اجتياح بيروت أدّى إلى خروج الثورة الفلسطينيّة من لبنان، لكنّ ذلك أسهم في بزوغ مقاومة جديدة في جنوبه، وهي مقاومة "حزب الله"، التي اعتبرها الكيان امتداداً للثورة الإسلاميّة الإيرانيًة، وليست نتاجاً طبيعيّاً لاحتلاله البلاد.

حتى تلك الفترة، كان المسلمون الشيعة الذين سيشكّلون لاحقاً خزاناً بشريّاً لـ"مليشيا الجنوبيّ" يُعتبرون أقليةً مُهمشةً في لبنان، تُشكّل 10% فقط من السكان،5نحو 166 ألف شخص، وذلك حسب إحصاء 1932. ولم يكن مهماً -بالنسبة لـ"إسرائيل" والموارنة - في بادئ الأمر انضمامُ الشيعة إلى المليشيا. وهكذا، شكّل المسيحيون الموارنة الغالبيةَ العظمى في "الجنوبيّ"، وكان عددهم ما يقارب 3 آلاف عنصر. ولكن مع مرور الوقت تغيّرت الطبيعة الديموغرافيّة لجنوب لبنان، خاصّةً بعد أن ارتفعت نسبة الهجرة لدى المسيحيين إلى خارج لبنان، وتزايدت نسبةُ الولادات لدى المسلمين الشيعة الذين سرعان ما فرضوا أنفسهم كأكثرية لا مفرّ منها بعد أن شكّلوا نحو 75% من سكّان الجنوب. 

كان الاحتلال المستفيد الأوّل من وجود "مليشيا الجنوبيّ" فهي درعٌ يحمي جنودَه من عمليات المقاومة وأداةً لتنفيذ الأعمال المُشينة كالتعذيب والتحقيق مع الأسرى وترهيب السّكان. لكنّ حقيقة أنّ الأكثريةَ الشيعيّةَ أصبحت محكومةً من قبل أقليةٍ مسيحيّةٍ شكّلت خطراً وجوديّاً على المليشيا نفسها، إضافةً إلى أنّ الإدارة الاسرائيليّة وبحسب تقارير نشرتها وكالة الاستخبارات الأميركيّة (CIA) كان لا بدَّ لها من إقناع المجتمع الدوليّ أنَّ هذه المليشيا "تُمثِّلُ المزاجَ العامّ للجنوبيّين"، حتى تستمر في دعمها. 

لبنانيون يتظاهرون أمام معتقل الخيام للمطالبة بمحاكمة عامر الفاخوري أحد أعضاء جيش لبنان الجنوبي، سبتمبر 2019، جوزيف عيد\وكالة الصحافة الفرنسية.

في سبيل ذلك عمل الاحتلال على إجبار النّاس للالتحاق بـ"مليشيا الجنوبيّ". كان جيش الاحتلال بعد فترةٍ وجيزةٍ من اجتياح بيروت قد عيّن مجموعةً من "المليشيا" كضباطٍ عسكريّين في القرى الجنوبيّة وأوكَلَهم مهمةً واحدةً؛ هي جمع المعلومات. وزّع الضباط على السّكان استبياناً بأكثر من 25 صفحةً، وهكذا عرف الإسرائيليون عن أهل الجنوب أكثر بكثير ممّا كانت تعرفه الدولة اللبنانية عن سكّانها.

وبما أنَّ المسلمين في غالبيتهم لم يُقبِلوا على الانضمام إلى "المليشيا"، طوّع الإسرائيليون المعلوماتِ التي أصبحت في حوزتهم لإجبار النّاس على الالتحاق بـ"لحد" من خلال استغلال احتياجاتهم ونقاط ضعفهم. هكذا، استمرَّت حكومة الاحتلال في سياسة "الجدار الطيب"، وسمحت للبنانيين بالعمل داخل المستوطنات في الشمال الفلسطينيّ المحتل، وأمّنت خدماتٍ استشفائيّةً لهم، وبنت عياداتٍ ومشافي كبيرة، لا تزال بعضُ مبانيها قائمة حتى اليوم في بعض القرى. ضمن هذه السياسة أيضاً أرسلت "إسرائيل" فرقاً طبيّةً إلى الجنوب، وسمحت للمرضى ذوي الحالات الصعبة بالدخول للعلاج في مستشفيات الكيان، وعبّدت الطرقات ومدّدت خطوط الهاتف الأرضي لتصِلَ مباشرةً بين جنوب لبنان والكيان الإسرائيلي. 

ولكن حتى تستفيد العائلةُ الجنوبيّة من هذه الامتيازات كان هناك مقابل، إذ وجب على أحد أفرادها الانضمام إلى "مليشيا الجنوبيّ". بل وجعل الاحتلال أيضاً لزاماً على أي عائلة تحتاج إلى استصدار تصريحٍ للذهاب إلى بيروت أن يكون لديها فردٌ من أفرادها في "المليشيا". وبتلك الطريقة فرض الاحتلال واقعاً جديداً، وأضحى الانضمام إلى "المليشيا" أمراً لا مفرّ منه لدى كثيرين، فجنوب لبنان معزولٌ تماماً عن باقي البلاد، والاحتلال كان قد أغرق المنطقة بسلعه الزراعيّة، ولم يعد بإمكان اللبنانيّين الذين بغالبيتِهم عمِلوا كمُزارعين أن يبيعوا بضاعتَهم. إضافةً إلى ذلك، كان اللحديّ يتقاضى أجراً يصلُ إلى مئتي دولار أميركيّ شهريّاً، وهذا مبلغ مرتفع إذا ما صُرّف إلى الليرة اللبنانية في تلك الفترة. أمّا من كان يرفض الانضمام إلى "مليشيا الجنوبيّ" فكان ينتهي به المطاف إمّا أسيراً في إحدى المعتقلات، وغالباً الخيام، وإمّا كان يُطرَد تماماً من بلدته. 

اقرؤوا المزيد: "كيف تعاملات المقاومة مع العملاء في غزّة؟"

هكذا يمكن القول إنّه أمام صعوبة الخيارات، انضمَّ عددٌ من اللبنانيّين المسلمين من الطائفتين الشيعيّة والسنيّة وكذلك الدروز إلى "جيش لحد". وبحلول عام 1992 نجح الكيانُ الإسرائيليّ برفع نسبة مشاركة المسلمين الشيعة في "مليشيا لحد"، فشكّلوا نحو 50% من أفرادها، غالبيتهم كانوا جنوداً ذوي رتب منخفضة، فيما حافظ الموارنة على الرتب العليا.

 أبناء لحد اليوم

عام 2000، وتحت وطأة العمليات التي استهدفت الكيان الإسرائيلي وجنوده، انسحب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان من دون سابق إنذارٍ لحليفِهِ اللحديّ. يقول بعض الجنوبيّين إنّهم اقتحموا أحدَ مكاتب اللحديّين بعد الانسحاب، ووجدوا إبريقَ الشّاي لا يزال على النّار. آلاف السيارات لجنود لحد وأفراد عائلاتهم وقفت عند الحدود اللبنانيّة مع فلسطين المحتلة تنتظر سماحَ حكومة الكيان لهم بالدخول، وهو ما لم يحدث إلّا بعد محاولات حثيثة منهم لاقتحام "بوابة فاطمة" (البوابة الحدودية بين شمال فلسطين ولبنان).

لكن لم يهرب كلُّ اللحديين، بعضهم سلّم نفسه لمقاتلي "حزب الله" الذين بدورهم سلموهم إلى الدولة اللبنانيّة، وصدرت بحقّهِم أحكامٌ مخفّفة تراوحت بين عدّة أشهر من السّجن إلى بضع سنين، على اعتبار أنّ الكثير منهم كان "مُجبراً" على الالتحاق بـ"المليشيا". شجّع هذا الأمر بعضاً ممن هربوا نحو فلسطين المحتلة للعودة إلى لبنان. لكنّ أصحاب الجرائم الكبرى من تعذيبٍ وتنكيلٍ وقتلٍ وغيره آثروا البقاءَ في فلسطين المحتلة تحت حكم الاحتلال ومنهم من فتحت لهم دول أوروبيّة والولايات المتحدّة أبواب الهجرة على غرار عامر الفاخوري، فغادروا لبنان بغير رجعة.

في عام 2015، مات أنطوان لحد في العاصمة الفرنسية باريس، لم يترك وراءه إلّا مذكرات كُتِبت باللغة العبرية وتاريخاً مشيناً في خدمة الاحتلال. اليوم يعيش نحو ثلاثة آلاف لحدي مع عائلاتهم وأبنائهم في مناطق خصصتها لهم حكومة الاحتلال داخل فلسطين، بظروف معيشية صعبة بعد أن رفض الفلسطينيون قطعاً استقبالهم في قراهم. 

وبعد أكثر من عشرين عاماً، لا تزال تلك الفترة التي قضاها الإسرائيلي في لبنان دون اسم أو عنوان. لا يملك من قُتل من الجنود فيها نصباً تذكاريّاً بأسمائهم أسوةً بغيرهم من جنود المعارك الأخرى ولا يزال اللحديون وأبناؤهم يستجدون من حكومة الاحتلال عرفاناً بالدماء التي يقولون إنهم بذلوها في سبيل "إسرائيل" خلال حرب يحاول الاحتلال جاهداً محوها من ذاكرته.



26 أغسطس 2020
غزّة: هل "كسر الحصار" ممكن؟

جولةٌ جديدةٌ في غزّة. تصعيدٌ إسرائيليٌّ إجراميٌّ جديد في خنق القطاع، تدهورُ أوضاع الناس مرةً أخرى، ثمّ تصعيدٌ لعمل المقاومة…