16 أبريل 2026

من هرمز إلى الشام.. ارتدادات الحرب الكبرى

من هرمز إلى الشام.. ارتدادات الحرب الكبرى

ثمة أحداثٌ تشكّل منعطفات حادّة، ما بعدها ليس كما قبلها، والتاريخ القريب زاخرٌ بالأمثلة: حرب عام 1956 وما أعقبها من انحسارٍ في النفوذ البريطاني، وغزو العراق للكويت عام 1990 وما ترتّب عليه من تفككٍ واضطرابٍ في النظام الرسمي العربي، ثم الغزو الأميركي للعراق عام 2003، بمشاركة قوات التحالف الدولي، وما أطلقه من موجات صراعٍ طائفي وإثني، وصولًا إلى معركة "طوفان الأقصى" عام 2023، التي لا تزال ارتداداتها تتفاعل وتتكشّف تباعاً.

بعد انقضاء أكثر من شهر على اندلاع الحرب (28 شباط/ فبراير - 4 نيسان/ أبريل 2026)، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدنةً لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين. وقد علّق مائير بن شابات، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي سابقاً، على هذا التطور في مقال نُشر بصحيفة "إسرائيل اليوم" بتاريخ 6 نيسان/ أبريل، قائلاً: "يجب قول الحقيقة: إن التغيير الجوهري الذي تأمل إسرائيل رؤيته في إيران لن يتحقق إلّا عندما ينتهي نظام آية الله، ومن دون ذلك، فإن كل ما تحقق ربما يكون مؤقتاً".

اندلعت الحرب في لحظة تقاطعت فيها ضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية داخلية في إيران بلغت ذروتها إبان احتجاجات كانون الأول/ ديسمبر 2025 - كانون الثاني/ يناير 2026، والتي بدا خلالها أن النظام في طهران يترنح، مما دفع الرئيس الأميركي ترامب للإعلان أن المساعدة في طريقها للمتظاهرين، ثم ما لبث أن أشعل الحرب مطالباً طهران بالاستسلام من دون شروط.

جرت الأمور - حتى الآن - بما لا يشتهيه ترامب ونتنياهو، فقد استطاع النظام الإيراني امتصاص صدمة اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار القادة السياسيين والأمنيين والعسكريين، وصمد في وجه الغارات العنيفة التي دمرت كثيرا من مقدراته العسكرية وبناه التحتية. ورغم ذلك كله، جلس للتفاوض ممسكاً بورقة مضيق هرمز، ناقلاً كلفة الحرب إلى الاقتصاد العالمي، ومهدداً بإحراق البنية التحتية في الخليج في حال تعرض نظيرتها في إيران للتدمير، مع استمراره في إطلاق الصواريخ البالستية باتجاه "إسرائيل" طوال أيام الحرب، وبدا جلياً أن ارتدادات الحرب لن تقتصر على الأطراف المشاركة فيها.

معادلة الأمن المفقود

شكّل انكشاف أمن دول الخليج أحد أبرز تداعيات الحرب على إيران؛ الولايات المتحدة كانت قد شيدت على مدار عقود بنية عسكرية ضخمة في أغلب دول الخليج، عبر سلسلة من القواعد العسكرية وشبكات الإنذار المبكر وأنظمة الدفاع الصاروخي الخاضعة لإشراف القيادة المركزية الأمريكية.

كان من المفترض أن توفر هذه البنية الحماية للدول المضيفة، إلا أن قرار واشنطن بالانسياق خلف تل أبيب في هذه المواجهة زج بدول الخليج في أتون صراع لم تختره، محوّلاً أجواءها وأراضيها إلى ساحة للرد الإيراني، الذي ألحق أضراراً جسيمة بالقواعد والأصول الأمريكية، فضلاً عن استهداف منشآت الطاقة والنفط والموانئ والمطارات والأصول الخليجية، وتكبيدها خسائر بشرية ومادية. وعلاوة على ذلك، أدت عرقلة الملاحة في مضيق هرمز إلى إلحاق أضرار اقتصادية بدول المنطقة ناتجة عن تعطل إيرادات تصدير النفط والغاز، فعلى سبيل المثال، صرّح رئيس شركة قطر للطاقة، سعد الكعبي، أن الضربات الإيرانية لمنشآت "رأس لفان" ألحقت أضراراً بنحو 17% من صادرات الغاز القطري، مؤكداً أن عمليات الإصلاح قد تتطلب مدة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

اقرؤوا المزيد: "تأديب الجغرافيا": لماذا تستهدفنا الحرب الجديدة جميعاً؟

بيد أن الأضرار لم تقتصر على الخسائر المادية المباشرة، بل امتدت لتقوض ما يُعرف بـ "نموذج دبي"، ذلك النموذج الذي كرّس منطقة الخليج كواحة آمنة للاستثمار والإقامة، وغدا في السنوات الأخيرة ملاذاً لرجال الأعمال الروس والأوكرانيين عقب اندلاع الحرب بين بلديهما. كما تسابقت الشركات متعددة الجنسيات لنقل مقراتها الإقليمية إلى دبي والرياض، مفضلةً إياهما على العواصم العربية التاريخية: القاهرة ودمشق وبغداد، غير أن هذه الشركات وجدت نفسها فجأة تحت طائلة القصف والاستهداف، مما قد يحفزها على إعادة التفكير في الانتقال نحو بدائل أكثر استقراراً، كمدينة إسطنبول مثلاً.

أما الدول الآسيوية والأوروبية التي تعتمد على نفط وغاز الخليج، فبدأت التفكير في مصادر أخرى للطاقة أكثر أمناً، سواء عبر تسريع التحول نحو مصادر طاقة متجددة، أو الاستيراد من دول أكثر استقراراً، أو على الأقل تجنب مرور وارداتها من الطاقة عبر مضيقي هرمز وباب المندب، والتفكير في بناء خطوط أنابيب تتجنب ساحات الحروب.

اقرؤوا المزيد: وطنٌ من القواعد.. عن الوجود الأميركي بيننا 

وفي خضم هذه التطورات، باتت العلاقات الخليجية الإيرانية على المحك، إذ لن تقبل طهران وجود بنية عسكرية أمريكية في المنطقة تُستخدم ضدها، في حين لن تجد دول الخليج سبيلاً للأمان في ظل امتلاك إيران قدرات صاروخية وطائرات مسيرة قادرة على إلحاق أضرار بالغة بها في أي مواجهة مستقبلية. وهي معضلة تتطلب البحث المشترك عن صيغ لبناء اتفاقيات عدم اعتداء قابلة للتنفيذ.

المعضلة الأهم في ضوء ما سبق، أن دول الخليج التي تعتمد على مظلة الحماية الأمريكية لا تجد بديلاً لتلك المظلة، ويُرجح أن تندفع لتوطيد العلاقة أكثر مع الولايات المتحدة وزيادة مشترياتها من الأسلحة الأميركية، وتعزيز الوجود العسكري الأميركي على أراضيها، ما يجعلها أكثر قابلية للتأثر بالمغامرات الأميركية، الأمر الذي قد يبدد الأمن الخليجي بدلاً من أن يكفله.

سحب المسكنات الاقتصادية 

لعبت الودائع والاستثمارات والمنح الخليجية دوراً محورياً في دعم موازنات واقتصادات دول مثل مصر والأردن، مما أتاح لهذه الدول تسكين أزماتها الاقتصادية، وتأجيل استحقاقات الإصلاح السياسي، واحتواء موجات الغضب الاجتماعي. غير أنه، ومع تضرر منشآت الطاقة في الخليج، وتعطل جزء من الصادرات، وتصاعد الإنفاق الدفاعي، وبروز الحاجة إلى ترميم الأضرار المادية، قد تتجه دول الخليج نحو إعادة ترتيب أولوياتها، مقدمةً الشأن الداخلي على الخارجي، وقد يقود ذلك إلى مراجعة الالتزامات المالية تجاه الحلفاء، لا سيما أولئك الذين لم يرتقِ تضامنهم إلى المستوى المأمول، مما سيجعل المسكنات الاقتصادية أقل توفراً، ويفتح الباب من جديد أمام عودة الأزمات المؤجلة إلى الواجهة، ما ينذر بموجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية ربما تكون على الأبواب.

اقرؤوا المزيد: مضيق هرمز.. عنق زجاجة العالم

تبدو مصر نموذجاً جلياً في هذا الإطار، إذ شرعت الحكومة بالفعل في اتخاذ إجراءات ذات طابع تقشفي، شملت رفع أسعار الوقود وخدمات النقل العام، وفرض قيود تنظيمية على النشاط التجاري عبر إغلاق المحال في التاسعة مساءً، في مؤشر واضح على دخول مرحلة أشد صعوبة في إدارة الاقتصاد.

أما السودان، فإن الحرب التي يشهدها ستتقاطع مع تغير أولويات الداعمين الإقليميين، ما يثير تساؤلات بشأن استمرار الدعم لأطراف الحرب، أو إعادة توجيهه وفق حسابات جديدة، خاصة مع تداول أنباء عن تجميد صفقات تسليح من باكستان كان يعول عليها الجيش السوداني لتغيير دفة الصراع.

ماذا ينتظر العراق؟ 

في العراق، تتخذ تداعيات الحرب طابعاً أكثر تجلياً بحكم الجوار الجغرافي والتشابك مع إيران ودول الخليج. فمنذ الغزو الأمريكي عام 2003، لم يستعد العراق كامل قدرته على العمل كدولة مكتملة السيادة، وظل ساحة تتقاطع فيها نفوذ القوى الخارجية؛ إذ استفادت إيران من استقرار العراق بوصفه عمقاً أمنياً وشرياناً اقتصادياً حيوياً لتجاوز العقوبات الأمريكية، في حين وجدت القوى السياسية العراقية في هذا الوضع مساحة لتعزيز نفوذها داخل الدولة، وتمكنت الحكومة من تحقيق قدر من الاستقرار النسبي، سمح بعودة تدريجية للاستثمار وتحسين بعض المؤشرات الاقتصادية، إلا أن الحرب على إيران دفعت هذا الترتيب إلى حافة الانهيار. 

اقرؤوا المزيد: كلّ ما يخصّنا بدأ في العراق

لقد صعدت الفصائل العراقية المسلحة المرتبطة بإيران من هجماتها على القواعد والمصالح الأمريكية داخل العراق وفي محيطه، مستخدمةً الطائرات المسيّرة والصواريخ، وفي المقابل، شنت واشنطن غارات طالت مواقع تابعة لـ "الحشد الشعبي"، مما أسفر عن مقتل عشرات الضباط والجنود من الحشد والجيش العراقيين. وفي ظل تشرذم المؤسسة الأمنية وتعدد مراكز القوة داخلها، برز تراجع جلي في قدرة الدولة على فرض سيطرتها على الفصائل "الولائية"، أو الدفاع عن سيادتها في وجه الاعتداءات الأمريكية المتكررة.

كذلك تتعرض البنية الاقتصادية العراقية لضغوط في ظل الاعتماد على إيرادات النفط التي توفر نحو 90% من دخل الحكومة، وقد أدّى تعطل الملاحة في مضيق هرمز إلى انخفاضٍ يقارب الثلثين في الإنتاج والصادرات العراقية، ما قد ينعكس على إيرادات الدولة، وقدرتها على تمويل الرواتب والخدمات العامة، بما ينذر باندلاع مظاهرات خلال الفترة القادمة.

هل تصوغ "إسرائيل" حدودها من جديد؟ 

اندلعت الحرب على إيران كأحد تداعيات المسار الذي بدأ في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ومن المرجح أن تنعكس آثارها العميقة على الساحة الفلسطينية، فمشاريع التهجير من غزة وضم الضفة الغربية لم تُسقط بعد من قائمة الخيارات الإسرائيلية، وقد تعود إلى الواجهة مع الانتهاء من ملف إيران. وفي الوقت ذاته، لا يزال نزع سلاح المقاومة في غزة يتصدر خطة ترامب، رغم عدم التزام "إسرائيل" بمتطلبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار انتهاكاتها اليومية.

اقرؤوا المزيد: هل تنجح "إسرائيل" في تغيير وجه المنطقة؟

بالتوازي مع ذلك، قد يتأثر نمط الدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية، في ظل الانشغال بالحرب مع واشنطن وتل أبيب، وتدهور قدرات طهران العسكرية والمالية واللوجستية، على الأقل في المدى المنظور.

أما في لبنان، فتتسع مساحات الخلاف الداخلي على وقع العدوان الإسرائيلي، خاصة مع قرار الحكومة اللبنانية المضي في إجراءات نزع سلاح "حزب الله" وحظر أنشطته العسكرية والأمنية، والانخراط في مفاوضات مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي. في المقابل، يزداد الخطاب الإسرائيلي حدةً بالترويج لإقامة منطقة أمنية عازلة في الجنوب اللبناني، وصولاً إلى تصريحات وزير المالية الإسرائيلي "سموتريتش" التي زعم فيها أن حدود "إسرائيل" تبدأ من نهر الليطاني.

اقرؤوا المزيد: كيف بدأت "إسرائيل" تقسيم سوريا؟

أما سوريا، فتستعد "إسرائيل" للاستدارة تجاهها بعد الانتهاء من ملفات إيران ولبنان، عبر التشديد على منع نشر أي سلاح ثقيل في الجنوب السوري، وعرقلة امتلاك سوريا لأسلحة نوعية، واستخدام ورقة السويداء لابتزاز دمشق، وإعادة تفعيل مشاريع التقسيم والتفتيت عبر إثارة النعرات الطائفية والعرقية.

هكذا، فإنه لا يمكن حصر الحرب على إيران في حدود إطارها العسكري للأطراف المتحاربة فقط، فهي منعطف ونقطة انطلاق لتحولات كبرى في الإقليم، كما يُتوقع أن تمتد تداعياتها من الداخل الإيراني إلى الخليج، ومنه إلى الدول العربية ذات الاقتصادات المأزومة والأوضاع السياسية المتردية، مروراً بالعراق، وصولاً إلى دور وأمن "إسرائيل" ومكانة الولايات المتحدة عالمياً، وبما قد يتجاوز الحسابات الأولية للأطراف المنخرطة فيها.



20 مارس 2023
كلّ ما يخصّنا بدأ في العراق

أنا من جيل نهاية التسعينيّات، لم أدرك من غزو العراق إلا صوراً سريعة مختزلة لا تستقرّ على حال، كمشهد إلقاء…