18 فبراير 2026

مسارات الغزاة.. كيف احتلّتنا "إسرائيل" بالسياحة؟

مسارات الغزاة.. كيف احتلّتنا "إسرائيل" بالسياحة؟

خاضت الباحثة البلجيكية دوريان بوير تجربة السياحة في فلسطين على جولتين، الأولى مرشدُها يُدعى كايل، وهو رجلٌ يهودي أميركي في الأربعينيات من عُمره، هاجر إلى "إسرائيل" ثم انطلق يعمل مرشداً سياحياً في أزقة البلدة القديمة في القدس، أما الثانية فمرشدُها ناصر، فلسطيني من القدس، يعمل في الإرشاد السياحي ولا يحمل ترخيصاً من الحكومة الإسرائيلية.

ما بين الجولتين أدركت بوير أن السياحة تتجاوز في كثيرٍ من الأحيان قالبها الترفيهي، لتغدو تشابكاً مع أهدافٍ سياسيةٍ ودعماً لممارسات استعمارية، وأنها تُستخدم اليوم من قبل الاحتلال أداةً لتشكيل الأماكن والتاريخ بطريقةٍ مُسيّسة، أحادية البُعد وسطحية في كثيرٍ من الأحيان، لكنها قد تكون باعثاً لأنشطة استعمارية مبررة مسبقاً.

يصدق هذا القول عام 2016، حين زارت بوير الأراضي الفلسطينية، ويصدق قبل ذلك بكثير، حين كانت السياحة تمهيداً للاستيطان وتهيئة لأساساته، ويصدق اليوم، بوضوح أكبر، حين تُنظم وزارة الخارجية الإسرائيلية جولاتٍ "سياحية" بنمطٍ ديني توراتي، وبسردية صهيونية لتغدو "طمساً للوجود الفلسطيني، أو تكميماً، أو تصنيفاً له باعتباره آخَر".

من الجولة السياحية الأولى إلى "الأراضي المقدسة"، وحتى الجولات الأخيرة "دعماً لإسرائيل"، يرصد هذا المقال البدايات التاريخية للسياحة، وتقاطعاتها مع المشروع الصهيوني، ثم تغيراتها ما بين احتلال جزءٍ من فلسطين في عام 1948 ثم احتلال البقية الباقية في 1967، وصولاً إلى اتفاق أوسلو، وانتهاءً بسياحة السيادة والضم.

سائح بحقيبة استيطانية

في عام 1838 زار عالم الآثار الأميركي إدوارد روبنسون منطقة بلاد الشام ليمر على فلسطين خلال جولته السياحية، ولأنه كان شديد التأثر بالنصوص الجغرافية المذكورة في التوراة، فقد جعل خط مسير رحلته متتبعاً للمواقع والأسماء المذكورة في العهد القديم، قبل أن يعود عام 1852 في زيارة أخرى تجاوزت الهدف السياحي، لينشر لاحقاً مؤلفاتٍ بحثيةٍ عن مسوحه الجغرافية لفلسطين، التي كان من أبرزها كتاب "جغرافية الكتاب المقدس"، ما دفع المؤرخين الغربيين لوصفه بـ "أبو الجغرافيا التوراتية"، لدوره المنهجي في ربط جغرافية فلسطين بالتوراة ونصوصها.

لاحقاً تبعته مجموعةٌ من الرحالة والسياح والمستكشفين، مثل: الفرنسي لويس فيليسيان دي سولسي، والأميركي ويليام ماكلور طومسون، والإسكتلندي ديفيد روبرتس، والألماني كونراد شيك، والكاهن البريطاني ألبرت أوغسطس إيساكس وغيرهم.

في تلك الفترة، كانت السياحة - سواء كانت استكشافيةً أو دينية - غطاءً مبكراً لفعلٍ استيطانيٍ لاحق، وجزءاً من مشروعٍ استعماري ينتظر الوقت المناسب للتطبيق، خاصةً مع ما وفرته السياحة من رسوماتٍ للخرائط، ووصفٍ للسكان، وتوثيقٍ للأراضي والموارد.

هذا المشروع الاستيطاني تجلّى في "صندوق استكشاف فلسطين" عام 1865، الذي يُعدُّ أخطر مشروعٍ ربَط السياحة بالاستيطان، من خلال تمويله بعثاتٍ علميةً سياحية، هدفت لرسم خرائط دقيقة عن فلسطين، تتتبع مصادر مياهها، وأنواع تربتها، وجغرافية قراها، ما أتاح مزيداً من المعرفة للجيش البريطاني خلال احتلاله فلسطين عام 1917، ثم الحركة الصهيونية في تخطيطها الاستيطاني.

اقرؤوا المزيد: كتاب "أزمنة مثيرة".. فلسطين من نافذة القنصل

باكتمال السيطرة البريطانية على فلسطين وشرق نهر الأردن، تحولت السياحة الدينية إلى نمطٍ آخر أوضحَ هو "السياحة الصهيونية"، التي نظمتها مؤسساتٌ من قبيل "أحباء صهيون" و"الجمعية اليهودية الاستعمارية"، مموِّلةً جولات سياحية لوفود يهودية من أوروبا الشرقية، بهدف اختيار الأراضي المناسبة للاستيطان، وتقييم وضع القرى العربية، لإنشاء مستعمرات زراعية.

يوشاي دامري، رئيس المجلس الإقليمي الإسرائيلي لجبل الخليل، واللواء أوري غوردين من الجبهة الداخلية الإسرائيلية، خلال زيارة لموقع آثري في قرية سوسيا شرق مدينة يطا، في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2021. (تصوير: جيرشون إلينسون/فلاش 90)
يوشاي دامري، رئيس المجلس الإقليمي الإسرائيلي لجبل الخليل، واللواء أوري غوردين من الجبهة الداخلية الإسرائيلية، خلال زيارة لموقع آثري في قرية سوسيا شرق مدينة يطا، في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2021. (تصوير: جيرشون إلينسون/فلاش 90)

فوفقاً للباحث الصهيوني كوهين حطاب، في كتابه "الصهيونية والسياحة والمعركة على فلسطين: السياحة كأداة دعاية سياسية"، أثارت السيطرة العربية المسيحية على القطاع السياحي الفلسطيني غضب قادة الحركة الصهيونية عام 1922، معتبرين أن المرشدين السياحيين يؤدون دوراً "لا سامي" من خلال تجاهل المواقع اليهودية والرواية التلمودية، ما دفع الحركة الصهيونية إلى "استغلال قطاع السياحة في جزء من نضالها السياسي الوطني". 

وهكذا انطلق جهدٌ صهيوني ممنهج في قطاع السياحة، بدأ "بمكتب المعلومات الصهيوني للسياح" الذي افتتح أبوابه عام 1925، بتمويلٍ وإدارةٍ مشتركة من قبل "الهيئة التنفيذية الصهيونية"، و"الصندوق القومي اليهودي"، و"منظمة نداء إسرائيل الموحد".

وضع "مكتب المعلومات الصهيوني للسياح" ثلاثة أهداف مركزية وجغرافية: الأول يبدأ من الخارج عبر تشبيك العلاقات مع المكاتب السياحية العالمية وتشجيعها للترويج لزيارة فلسطين، والثاني خلق حالة من التواصل الدائم مع السياح خلال زيارتهم عبر إطلاعهم على "تنوع" المشروع الصهيوني وحجمه وأهميته، وتنظيم لقاءاتٍ من ناشطين يهود ورحلات للكيبوتسات والتجمعات الزراعية، والثالث، تشبيك العلاقات بين السياح والمنظمات الصهيونية المحلية والجمعيات الخيرية الصهيونية في بلادهم، لترسيخ "الرؤية الصهيونية الصحيحة" للبلاد في ذاكرتهم.

اقرؤوا المزيد: ليلة الشّحـم والزيـت

لكن السعي الصهيوني لم يؤتِ أكله، خاصةً أن المرشدين العرب (مسلمين ومسيحيين) منعوا المرشدين اليهود من دخول المرافق الإسلامية والمسيحية، ومع اشتعال ثورة البراق عام 1929، أصبح من الصعب حتى على الحاكم العسكري البريطاني التدخل لصالح الحركة الصهيونية، ما دفعها إلى تغيير اتجاهها نحو المكاتب السياحية، تحديداً وكالة السفر اللندنية توماس كوك وأبناءَه، التي أنعشت القليل من آمال السياحة الصهيونية.

باندلاع الحرب العالمية الثانية، وتحول فلسطين إلى نقطة تمركزٍ للوحدات البريطانية، أُتيح للمكاتب السياحية الصهيونية تنظيم رحلات سياحية لأكثر من 210 آلاف جندي بريطاني، من بينها ثلاثة أيامٍ للاستجمام المجاني في "الكيبوتسات" و"الموشافيم"، في ذلك الوقت رأت الحركة الصهيونية في السياحة مجالاً لتشكيل رأي عامٍ بريطاني لصالحها، من خلال الجنود الميدانيين.

ثم من خلال الكتيبات والخرائط ورعاية الأفلام السينمائية، وبالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة الهيئة التنفيذية السياحية، أصبح تأصيل الوجود الصهيوني هو السمة البارزة للجولات السياحية، ما دفع القطاع السياحي لتنفيذ غزو ثقافي كبير على المنتجات والممارسات الثقافية الفلسطينية، والاستيلاء عليها ونسبها إلى نفسه.

وهكذا جُردت المنحوتات، والمطرزات، والأطباق، وحتى الأماكن من هويتها الوطنية وسماتها الثقافية الأصلية، لتُصبح بعد النكبة عام 1948 وبالنزع التام عن أصحابها "نموذجيّة سياحياً"، مرتبطة بعصورٍ توراتية سحيقة، بينما دخلت السياحة العربية الفلسطينية في لولب الصمت، لا سيما بعدما تحولت السياحة من أداة للتأثير، إلى أداة لجذب المستوطنين الجدد.

الشرعنة عبر السياحة

بعد النكبة، أعادت الصهيونية تشكيل السياحة جذرياً، لتغدو ضلعاً أساسياً في تكوين الصورة الوطنية، وجذب الزوار، وتعزيز شرعية "الدولة" داخلياً وخارجياً، وارتبط ذلك بتقديم صورةٍ للدولة الغربية وسط المستنقع العربي، والترويج للكيان باعتباره قصةَ نجاحٍ آتية من قلب التاريخ، بينما اندثرت السردية السياحية الفلسطينية تماماً، رغم ذلك، ظلت استجابة القطاع السياحي شحيحة، إذ لم يتجاوز تعداد سياح الكيان خلال العقدِ الأول 47,000 زائر سنوياً.

 ومع استمرار الحروب وتواليها تعثر القطاع السياحي شيئاً فشيئاً حتى الهزيمة العربية عام 1967، فما إن اكتمل احتلال القدس، والضفة الغربية بما فيها من مواقع أثرية، والجولان وصحراء سيناء، حتى انطلقت سياحةٌ إسرائيليةٌ جديدة، مدعومة بثلاثية السيطرة على الأرض والتاريخ والسيادة، تُروج للمواقع الفلسطينية المحتلة ضمن دوائر السياحة الإسرائيلية، وتفتح للحركة السياحية آفاقاً ومساراتٍ أوسع باستخدام سيطرتها على المعابر والأرض للتحكم في حركة السياح وإنتاج خرائط سياحية وبرامج جولات بما يثبّت سيادتها.

سياح إسرائيليون يتجولون في الموقع الأثري في قرية سبسطية شمال غرب مدينة نابلس، في 22 نيسان/ أبريل 2019، خلال عيد المظال اليهودي. (تصوير: هيلل ماير/فلاش 90)

ثم مع منتصف السبعينيات، أصبحت السياحة الاستيطانية هي السائدة، ونتجت عن ذلك سرديةٌ جديدة، تُروج للأرض الفلسطينية باعتبارها جزءاً من الهوية والتاريخ اليهودي، ومسيراً على درب الأجداد، فتصف القدس بأنها "مدينة داوود"، والمسجد الإبراهيمي بأنه "مغارة البطاركة - الآباء"، أما بُرك سليمان فلها أسماء مثل "بركة حزقيا"، و"بركة إسرائيل"، و"بركة الملك سليمان"، في حين عُرفت سبسطية بـ "عاصمة مملكة الشمال التوراتية"، شمل ذلك أيضاً جولات شبيهة بما قبل النكبة تضع المستوطنات الجديدة وإنتاجها الزراعي والحرفي في بؤرة الاهتمام السياحي، وتُروج للمستوطنين فيها باعتبارهم "مؤسسين جدداً".

اقرؤوا المزيد: برك سليمان: هل جفت ساقية القدس؟

اللافت، أن القطاع السياحي الاستيطاني لم يبلغ ذروته إلا منتصف التسعينيات، بعد اتفاقيتي أوسلو، ووادي عربة، حيث فُتحت الأسواق العربية والأجواء الدولية المحيطة في وجه "إسرائيل"، فأصبحت جزءاً وسيطاً من مسارٍ سياحي متكامل، يبدأ بالمواقع الأثرية في الأردن مثل البتراء والمغطس، ويمر بالمناطق الفلسطينية، وصولاً إلى المواقع الأثرية في مصر، ما دفع القطاع السياحي لرفع طاقته الاستيعابية من 280 فندقاً بسعة 31 ألف غرفة، إلى 340 فندقاً بسعة 46 ألف غرفة خلال أقل من ست سنوات.

حفّزت هذه القفزة في السياحة شهية الجماعات الاستيطانية، لتطلق حملاتٍ لمصادرة المواقع والمساحات في الأغوار وجنوب الخليل وشمال الضفة ومحيط القدس، بحجة "حماية المواقع الأثرية"، ومُنع الفلسطيني من البناء والتوسع، وحُوِّلت أراضيه إلى محمياتٍ طبيعية، بينما فُرضت قيودٌ على حركته لصالح مساراتٍ خاصة بالمستوطنين والسياح، يُروج لها على أنها مسارات مشيٍ ضمن برامج سياحة المغامرات والتنزه والفروسية، شمل ذلك أيضاً جولات في مزارع عنب ونبيذ، مثل "مصنع تورا للنبيذ" على أطراف رام الله، والمزارع العضوية، بدعمٍ متكامل من وزارة السياحة الإسرائيلية، ووزارة حماية البيئة، وسلطة الطبيعة والحدائق.

اقرؤوا المزيد: سيرةٌ مختصرةٌ لنكبةٍ تقطنُ في عناقيد العنب!

ويصبُّ ريع هذه المسارات والأنشطة والمشاريع بأكمله في خزائن مجالس المستوطنات وجمعياتها مثل: "إلعاد" و"ريفاغيم"، و"سياحة السامرة"، و"مشكان شيلو"، التي تسيطر على أكثر من 43% من الضفة الغربية، يشمل ذلك 86% من وادي الأردن والبحر الميت، وهما منطقتان رئيسيتان، للسياحة البيئية والأثرية والدينية.

كما تشارك في منظومة الترويج منصات سياحة عالمية، مثل "Airbnb" و"Booking" و"TripAdvisor"، بعرضها خرائط للمستوطنات كوجهات إقامة، وترويجها لأنماط السياحة والخدمات المقدمة فيها، عبر أكثر من 760 إعلانًا سياحيًا للإقامة في المستوطنات والقدس المحتلة، وضمن قواعد بيانات تضم مواقع أثرية وسياحية فلسطينية باعتبارها مواقع أثرية إسرائيلية مثل كنيسة المهد في بيت لحم، والمسجد الأقصى والقدس القديمة، وعدد آخر من المواقع الأثرية الإسلامية والمسيحية، بالرغم من إدانة المجتمع الدولي ومنظمة العفو الدولية لهذا الترويج باعتباره يحدث في أراضٍ محتلة.

اقرؤوا المزيد: للإيجار على Airbnb.. بيوتنا المسروقة في يافا

سياحةٌ نحو السيادة

لم يتغير الكثير في السنوات الأخيرة، فرغم تراجع أعداد السياح عام 2024 من 3.7 ملايين سائح إلى 100 ألفٍ فقط، نتيجة حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع، وانكفاء شركات الطيران والسياحة عن المنطقة ككل، فقد عاودت نشاطها بشكلٍ طفيف بعد اتفاق وقف إطلاق النار.

لكن المثير، أن انخفاض أعداد السياح لم يمتد إلى السياح الدينيين، الذين ارتفع نصيبهم من 5% من إجمالي السياح في عام 2024 إلى 9% في العام الماضي، ويُعرفون بـ "الأنغلو صهيونيين"، ويحتل القادمون من الولايات المتحدة المركز الأول بينهم.

اقرؤوا المزيد: السياحة التضامنية في فلسطين.. حين يكون الاحتلالُ فُرجة

ووصل عدد السياح "الأنغلو صهيونيين" في "إسرائيل" عام 2025 إلى قرابة 400 ألفٍ، يُعرّفون أنفسهم بأنهم "سُياح يهود"، وأن هدف زيارتهم عائلي، بينما تتركز سياحتهم في المواقع الأثرية اليهودية في القدس والضفة الغربية والجولان، إضافة إلى جولاتٍ دينيةٍ وثقافية ضمن برنامج "سياحة الأرض المقدسة".

أما الآثار المدمرة لهذا النوع من السياح فلا تقتصر على إفسادهم في الأرض الفلسطينية، بل تتصل بصناعة رأي عام في الولايات المتحدة، يجد في الكيان امتداداً له، ويخلق روابط بين يهود الخارج والكيان، فيما يمكن تعريفه بـ "قومية بعيدة المدى".

ضمن هذه الاستراتيجية لشرعنة الضم والهيمنة على الأرض الفلسطينية، وباستخدام الموارد الطبيعية واختلاق تراثٍ تاريخيٍ وديني، يظهر السياح في مشهدٍ يبدو عادياً، لكنه استعماريٌ في سلبه للمكان، وفرضه وقائع جديدة على سكانه، تقول بوير في بحثها: "السياحة متورطة بشكل جوهري في منظومة الاستعمار الاستيطاني: فالتجريد من الملكية لا يحدث فقط من خلال العنف، بل أيضاً من خلال ممارسات سياحية ظرفية تمحو التاريخ الفلسطيني، والسمات الثقافية، والمعمار، ومن خلال السياحة، يجري تداول حقائق ومزاعم محددة، لخلق نظام يخدم مشروع الصهيونية للاستعمار الاستيطاني في فلسطين التاريخية".