25 يناير 2021

كتاب "أزمنة مثيرة".. فلسطين من نافذة القنصل

كتاب "أزمنة مثيرة".. فلسطين من نافذة القنصل

"ليس من شيء أخشاه سوى أمر واحد! الدفتر الصغير الذي يحمله القنصل الإنجليزيّ في جيبه"، يقول عبد الرحمن العمرو، الذي نعته القنصلُ الإنجليزي نفسه جيمس فن بالزعيم الفلاح المستبد في ريف الخليل1أزمنة مثيرة وقائع من سجلات القنصلية البريطانية في بيت المقدس (1856-1853)، ص 991)..

"أزمنة مثيرة"، كان هذا العنوان الذي اختاره القنصل الإنجليزيّ جيمس فن James Fenn لكتابه الذي جمع فيه تقاريره للخارجية البريطانيّة عن أحوال فلسطين بين السّنوات 1853 – 1856. صدر الكتاب بالإنجليزيّة عام 1878، وتَرجمه مؤخراً إلى العربيّة جمال أبو غيدا، وصدر بطبعته الأولى عام 2017، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ويقع الكتاب في 1047 صفحة من الحجم المتوسط، بعنوان "أزمنة مثيرة- وقائع من سجلات القنصلية البريطانية في بيت المقدس (1856-1853)".

عن جيمس فن

وُلِد في لندن في يوليو/ تموز عام 1806، لوالدٍ إيرلنديّ كاثوليكيّ تحوّل إلى البروتستانتية. نشأ فن في عائلةٍ متواضعة الحال، وعمل في تعليم وتدريس أبناء الذوات من النبلاء، مما أكسبه مكانةً اجتماعيّةً وسمعةً حسنة. اهتم فن بيهود لندن، ودرس التوراة، إذ كان كتابُه الأول عن اليهود السفارديم ونهج حياتهم في لندن. كما نشر كتاباً آخر عن اليهود في الصّين، وانضمَ لعضوية "الجمعية اللندنيّة التبشيريّة" التي اشتغلت على التبشير هناك. يُفسّر لنا ذلك البُعدَ العقائديّ في دوره السياسيّ الاستعماريّ عند شغله منصب القنصل في فلسطين.

تسلّم فن كتابَ تعيينه قنصلاً في القدس رسميّاً في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 1845، ويُعتبر القنصل الإنجليزيّ الثاني فيها بعد القنصل الأول وليم بانغ. بعد شهرين من تسلّمه منصب القنصل العام، تزوّج فن من إليزابيث آن ماك، والتي ستعمل إلى جانبه في مهامه القنصلية، والأهم أنّها هي من حرّرَت كتابَه "أزمنة مثيرة" وأعدته للطباعة.

شغل فن منصبه قنصلاً في القدس لمدة 17 عاماً، أي منذ تسلّمه عام 1845 حتى 1862، وتميّز بشغفه الدائم لمعرفة كلّ ما يتعلق بفلسطين، من منطلقٍ جَدَلَ فيه الدينيّ – العقائديّ مع السياسيّ – الاستعماريّ، وقد تُرجِمَ ذلك في اهتمامِهِ بيهود فلسطين، ودعمِهِ للهجرة اليهوديّة من أوروبا إلى فلسطين. كما دعا فن إلى إقامة طقوسٍ دينيّةٍ باللغة العبريّة في كنيسة المسيح في القدس، ودَعم النواةَ الأولى للاستيطان اليهوديّ في البلاد، حتى أنّه بَذَلَ جهوداً شخصيّةً لإقامة مشاريع زراعيّة – صناعيّة من أجل توطين اليهود وتمكينهم منذ أواسط القرن الثامن عشر.

سنوات الزمن العاصف

كانت الأعوام ما بين 1853–1856 والتي تناول فيها الكتابُ أحوالَ فلسطين الأعوامَ الأكثر حرجاً وحساسيةً بالنسبة للدولة العثمانيّة، إذ اندلعت خلالها حربُ القرم التي انتصر فيها العثمانيون على الروس، بفضل الدعم اللوجستيّ والحربيّ الذي قدّمته كلٌّ من بريطانيا وفرنسا للعثمانيين. ومن هنا جاء اسمُ الكتاب، إذ وصف فن هذه السّنوات بالزمن المُثير أو العاصف، نظراً للتحولات التي طرأت خلالها على الدولة العثمانيّة ومصيرها الذي غدا فريسةً لأطماع الدول الغربيّة المُتنفذة في المنطقة، إذ سعت روسيا إلى تصفية الدولة العثمانيّة واقتسام تركتها، بينما عارضت بريطانيا ذلك، ووقفت معها من أجل "الحفاظ على وحدتها" كما يذكر فن في كتابه2أزمنة مثيرة، ص 55 – 57..

لم يكن من نتائج الحرب استردادُ الدولة العثمانيّة لقوّتها وهيبتها، بقدر ما كانت مزيداً من تغول نفوذ دول أوروبيّة مثل بريطانيا وفرنسا في ولايات الدولة، وخصوصاً فلسطين التي بات وجودُ القناصل، بحكم الامتيازات الممنوحة لديهم فيها، يلعبُ دوراً أساسيّاً في رسم السياسات فيها وتحديد مستقبلها. هذه السّنوات التي اعتبرها فن "مُثيرةً"، اعتبرها كذلك ألكزندار شولش في كتابه عن فلسطين الذي عنوّنَه بـ"تحولاتٍ جذريّة"، وتناول فيه نفس الفترة الزمنيّة من تاريخ فلسطين، أي أواسط القرن التاسع عشر الميلادي.3كتب الكزندار شولش عن فلسطين القرن التاسع عشر والتحولات فيها، ما بين السنوات 1856 – 1882. وجاء عنوان كتابه " تحولات جذرية في فلسطين – دراسات حول التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي"، ترجمة: كامل جميل العسلي، الجامعة الأردنية، ط2/ عمان 1988.

فلسطين من دفتر جيب القنصل

أُقيمت القنصلية البريطانيّة في القدس عام 1838، وكانت واحدةً من أهم مهامها هي فلسطين ذاتها، إذ كُلِّف القناصلُ برفع تقارير عن شتى مناحي الحياة فيها، في السّياسة والاجتماع والاقتصاد إلى أدقّ التفاصيل المُتعلقة بالإيقاع اليوميّ للحياة، فضلاً عن حركة السُّفن الحربيّة على ساحلها في المتوسط. كانت تُرفَعُ نسخةٌ من هذه التقارير إلى اسطنبول حيث التمثيل الدبلوماسيّ البريطانيّ الأعلى، ونسخة أخرى إلى وزارة الخارجيّة البريطانيّة في العاصمة لندن.

إنّ اهتمام فن ودأبه على تدوين كافة التفاصيل المتعلقة بأحوال المجتمع العربيّ في فلسطين، يُخبِرُنا الكثيرَ عن طبيعة السياسة الخارجيّة للإنجليز ونظرتهم لفلسطين تحديداً،  إذ يتضمن الكتاب تفاصيل كثيرة عن حضور ودور السُّلطات التركيّة في البلاد، وفساد بشاواتهم وقضاتهم، والذي لم يفوت فن فرصةً للإشارة إليه والحديث عنه. كما عرض فن التركيبَ الاجتماعيّ للمجتمع العربيّ في فلسطين، بِمُدنِه ممثلةً بطبقات الأفندية والأعيان وسطوتها على الفلاحين، وبالريف وتمرده واحتجاجه وشقّ بعض زعاماته عصا الطاعة على الدولة، ولجوئه في بعض الأحيان - كما يدعي فن - إلى ممثلي القناصل في المدن.4أزمنة مثيرة، ص 441.. قرأ فن هذه الأحداث بأنها ناتجةٌ عن انشغال الدولة العثمانيّة بحرب القرم من جانب، وفساد الباشوات الممثلين للدولة من جانب آخر. كما أنّه ردّ، باستعلاءٍ استشراقيّ، العصيانَ والفوضى اللذين تمثلا بالخارجين على القانون في الريف، إلى "البدائية والجنوح الدائم للفوضى".

صراعات هوياتيّة ونشاط استخباريّ

يعكسُ كتابُ "أزمنة مثيرة" حجمَ الاهتمام الذي أبداه القنصل فن بأشكال الصراعات المجتمعيّة والنزاعات الهوياتيّة. عدا عن اهتمامه بالتوتر بين أتباع الأديان في فلسطين، والذي كان يطفو تارةً ويخبو تارةً أخرى، خصوصاً في ظلِّ حرب القرم كما يدعي فن. وفضلاً عن النزاع المذهبيّ الدائم بين طوائف المسيحيّة ذاتها، الأرثوذكس واللاتين من جانب، والأرمن والأرثوذكس من جانب آخر، يتناول فن صراع الفرز القبليّ العشائريّ في وسط وجنوب فلسطين خصوصاً، والذي قام على أساس الانتماء لصف قيس أو لصف يمن، والذي يعود إلى العصور الأولى من الفتح الإسلاميّ لبلاد الشّام.

احتدّ صراعُ قيس ويمن في أواسط القرن التاسع عشر، وقد أسهب جيمس فن في تعريف ملامح هذا الفرز بشكلٍ مفصّلٍ، من حيث شكل الاصطفاف القبليّ في البلاد، واختلاف اللهجة المحكيّة للعشائر الموالية لقيس عن يمن، فضلاً عن الزيّ الذي يرتديه كلُّ طرفٍ منهما ليتمايز به عن الآخر خاصةً في وقت الحرب، إلى حدّ وصف ألوان خيول الحرب وديّكة المزابل المفضّلة عند كل طرف.5أزمنة مثيرة، ص 270 - 278.

قليلة هي المصادر العربّية والمحليّة التي دوّنت الصراعَ القيسيّ – اليمنيّ في البلاد، وربما تكون شبه معدومة، باستثناء الروايات الشفويّة التي تناقلتها الأجيال. غير أنَّه يمكن اعتبار "أزمنة مثيرة" مصدراً مُهِمَاً عن ذلك الصراع في حينه، والأهمّ أنّه يُـبيّـن لنا صراعاً عابراً للاصطفاف الدينيّ – الطائفيّ في البلاد، إذ كانت تصطف فيه قرى مسلمةٌ ومسيحيّةٌ قيسيّة ضدّ أخرى يمنية بمسلميها ومسيحييها.

لم يكن جمع المعلومات المتعلقة بأحوال البلاد عملاً قُنصليّاً في إطار الامتيازات الممنوحة للقنصلية البريطانية في حماية رعاياها والأقليات الدينيّة كالبروتستانت واليهود، بقدر ما كان استكشافيّاً ميدانيّاً ونشاطاً استخباراتيّاً في فلسطين كلِّها. لذا، لم يتوانى فن طوال مدة شغله منصبه عن تجنيد الوكلاء والعملاء المحليّين والأجانب من أجل جمع المعلومات، إذ يقول في كتابه: "كان من الصّواب ومن الملائم ضرورة حصولي على معلومات كاملة ودقيقة فيما يتعلق بالأحوال في عموم البلاد، وكذا فيما يتعلق بأي حركة تقع في صفوف السُّكان. ومن أجل تحقيق ذلك، ومن أجل امتلاك المقدرة للإشراف على منطقة شاسعة كتلك التي تُغطيها قنصليتُنا، كان من الضروري أن أمتلك وكلاء موزعين بشكلٍ مناسب"6أزمنة مثيرة، ص 385..

في القدس

أبدى فن في كتابه اهتماماً خاصّاً بمدينة القدس، وذلك بحكم وجود مكتب قنصليته فيها أولاً، ولثقل التنوع الدينيّ–المذهبيّ العربيّ في المدينة ثانياً. لم يستطع فن النظر إلى المجتمع المقدسيّ العربيّ إلا بوصفِهِ مجموعةً من المذاهب الدينيّة المتصارعة من مسلمين ومسيحيين عرب، والأهم بالنسبة إليه في ذلك هو وجود اليهود في المدينة.

يفصّل فن كتابه تلك الصراعات، وبالأخص ما يتعلق بالأرثوذكس واللاتين في نزاعهم الدائم على الأماكن المُقدّسة والسيادة عليها في المدينة. وبالتالي تدخل الدول الأوروبيّة بحجة دعم وحماية أحد طرفي النزاع، فرنسا لصالح اللاتين والكاثوليك، وروسيا لصالح الأرثوذكس. بينما وجدت بريطانبا لها في يهود القدس وفلسطين عموماً موطئ قدم من أجل شملهم بحمايتها في ظلّ الصراع الأوروبيّ القائم على النفوذ في البلاد في حينه.7أزمنة مثيرة، ص 35 – 65.

يُقسّم يهود القدس في ذلك الحين بحسب فن إلى طائفتين أساسيتين، "السفارديم" وهم يهود سكان البلاد الشرقيين أو العثمانيين، و"الأشكناز" الغربيين الذين بدأ توافدُهم إلى المدينة منذ مطلع القرن التاسع عشر. واعتبر فن كلا الطائفتين بلغته العقائدية، ومنظوره الاستعماريّ كقنصل، على أنّهما جماعة دينيّة مضطهدة من قبل محيطها العربيّ (المسيحي والإسلامي)، ومهمشة أيضاً من قبل السُّلطات العثمانيّة في المدينة.

دعم جيمس فن يهودَ القدس، بل وسعى إلى تطييفهم، بما يتجاوز حدود صلاحياته قنصلاً وموظفاً في الخارجيّة البريطانيّة. إذ لم يكتفِ بجمع التبرعات والمعونات الماليّة لهم، وإحيائه للغة العبريّة وتفعيلها كلغة رسمية داخل قنصليته، إنّما تطوع كذلك لإقامة مشاريع زراعيّة صناعيّة استيطانيّة على نفقته الخاصّة، أهمّها منشأة "كرم أبرهام" الزراعّية التي أقيمت على مساحة 45 دونماً شمال المدينة، فضلاً عن مزرعة أرطاس في بيت لحم.8أزمنة مثيرة، ص 161 – 165. كان ذلك بمثابة تشجيع منه على الزراعة العبريّة، وتمكين الاستيطان اليهوديّ في البلاد، إلى حدٍّ اعتُبِرَت مشاريعُه تلك ركيزةً استندت إليها الأدبياتُ الصهيونيّة مطلع القرن العشرين.

محاذير الكتاب في أهميته

يظلُّ "أزمنة مُثيرة" كتاباً في غاية الأهميّة عن أحوال البلاد في أواسط القرن التاسع عشر، خاصّةً أنّ الغموضَ ما زال يُحيط بكثيرٍ من سنوات ذلك القرن، وذلك من ناحية التحوّلات التي أحاقت بفلسطين في ظلِّ ضعف الدولة العثمانيّة، وسياسات الاختراق المُبكر للدول الأجنبيّة ونفوذها في البلاد.

يكتب فن عن المجتمع العربيّ في فلسطين، في الوقت الذي ندرت فيه الكتابة المحليّة عن البلاد في تلك المرحلة، وهذا ما يدعو للحذر إزاء ما يقدّمه القنصل على أهميته، إذ ليس لدينا ما يكفي من مصادر محليّة نقارن بها صحّة ما جاء به "أزمنة مُثيرة"، هذا أولاً. وثانياً، فإنّ القنصل كان يدوّن في دفتر جيبه عن فلسطين عموماً، والقدس خصوصاً، اللتين أطلّ عليهما بما أتاحتْهُ نافذةُ قنصليته من رؤيا استكشافيّة – استعماريّة، محكومة بحمولة عقائديّة – دينيّة، تستلزم توّخياً دائماً من تقاريره ومضمونها. غير أنّ الثابت الذي يُثبِّتُه صاحبُ "أزمنة مُثيرة" دون أن يقصده، هو أنَّ فلسطين كانت تنبض بأهلها وآهليها من سكان عرب البلاد، على خِلاف ما ادعته الصهيونيّة في أواخر ذلك القرن.



3 نوفمبر 2019
ليلة الشّحـم والزيـت

كان صوت "الظبّاحة" يأتي من تلّ أم الزيزان، فيُجاوب صدى الصوتِ الصوتَ، ليملأ ليلَ الأحراشِ الممتد من سفح قرية دبوريّة…