من يقاتل اليوم في "إسرائيل" فعلاً؟ الجيش أم المستوطنون؟ وهل ما نشهده منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 هو حرب بين جيوش منظمة أم حرب مجتمع يسلّح ذاته دفاعاً عن فكرة أو عقيدة؟
أسئلة تعبّر عن واقع يتغيّر بسرعة، تتقلّص فيه الحدود بين العسكري والمدني، ويتحوّل الفعل الاجتماعي إلى فعل تعبويّ ذي طابع قتالي، تمثل في تشكيل العديد من المبادرات والحركات الإسرائيلية خلال العامين الماضيين التي لا تشبه المنظمات الإسرائيلية التقليدية، ولا تنتمي بالكامل للمؤسسة العسكرية، ولكنها تعكس ما يعايشه المجتمع الإسرائيلي من حالة عسكرة اجتماعية متصاعدة، يتسرّب فيها مفهوم الأمن ومنطق الجبهة إلى المجال المدني والحياة اليومية.
مسار جديد تكشّف في "إسرائيل" لمبادرات وحركات تقود المجتمع الإسرائيلي وتوجهه، منطلقة من فضاء الاستيطان، وتؤدّي دوراً مباشراً في دعم الجيش الإسرائيلي ومرافقته في أنماط متعدّدة من حربه على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، وانتقلت لتأدية أنشطة استيطانية جديدة تُعاد صياغتها تحت أسماء جديدة.
اقرؤوا المزيد: كيف يفرش الكنيست البساط للمستوطن في الضفة؟
هذه المبادرات لم تعد حراكاً عابراً، بل صارت جزءاً من تحوّل هيكلي يُعاد فيه توزيع القوة بين المجتمع والجيش الإسرائيلي والاستيطان، تتقدّم خلاله نخب الصهيونية الدينية لتحتكر تعريف "المسؤولية الوطنية" في "إسرائيل"، وتضع العنف في قلب هويتها الجديدة.
يستعرض هذا المقال أربعة نماذج من المبادرات والحركات الإسرائيلية التي نشأت ونشطت خلال (2023-2025)، من يقف خلفها ويحركها؟ وما أبرز مهامها وأنشطتها؟ وما تأثيرها في السياسة والمجتمع الإسرائيلي؟
من مبادرة زوجين إلى ماكينة ضغط
خلال حرب غزة، ومن أحد الحواجز الإسرائيلية في جنوب البلاد المحتلة عام 1948، بدأت حكاية حركة "الأمر 9"، عندما خرج الزوجان ريعوت ويوسف بن حاييم، للتظاهر أمام شاحنات المساعدات، وعرقلة وصولها إلى قطاع غزة، وسريعاً ما حوّل الزوجان حراكهما الفردي إلى مبادرة منظمة تطالب بالإفراج عن الأسرى في غزة وتسخط على استمرار تدفق شاحنات المساعدات.
اقرؤوا المزيد: "الموت للعرب".. عن مستوطني شبيبة التلال
في 14 حزيران/ يونيو 2024 عقدت حركة "الأمر 9" اجتماعها الأول في مستوطنة "مفسيرت تسيون"، حيث ناقش الناشطون الإطارَ العام لأهدافها، إذ لا تبدو "الأمر 9" مجرد احتجاج بل ماكينة ضغط استيطانية تستخدم الشارع سلاحا سياسيا، تغلق الطرق وتعطل الحركة في مفترقات مركزية وتستهدف المعابر اللوجستية التي تمر عبرها شاحنات المساعدات وصولاً إلى إحراقها، إضافة إلى ذلك حاولت إغلاق مكاتب "الأونروا".

ورغم حرص قادة "الأمر 9" على تقديمها بصفتها حركة مدنية بلا لون سياسي، فإنها ضمت بين صفوفها عضو الكنيست عن الصهيونية الدينية تسفي سوكوت، وحازت دعم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، في حين أشارت تقارير بصحيفة غارديان الأميركية في 21 أيار/ مايو 2024 إلى وجود تعاون بين الحركة والجيش الإسرائيلي عبر تزويدها مسبقاً بمعلومات عن مسارات الشاحنات، ما مكّنها من اعتراضها وعرقلة استمرار سيرها.
هكذا تظهر حركة "الأمر 9" بوصفها نموذجاً لمبادرة استيطانية مجتمعية تدعم استمرار العنف ضد الفلسطينيين، وتعيد تشكيل الرأي العام الإسرائيلي تجاه غزة من خلال عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، واعتبار دورها هذا جزءاً من تعريف الصرامة الأمنية والولاء القومي.
"لن نتوقف حتى نحسم"
انبثقت حركة "جيل النصر" عن إحساس جماعي بأن المنظومة الأمنية الإسرائيلية تهاوت خلال ساعات معدودة عقب هجوم السابع من أكتوبر، حين شعر جلعاد اخ وعومر فتسينياش أن دولة "إسرائيل" تركتهما مكشوفين بلا حماية ولا غطاء سياسي كاف، ليدفعهما ذلك إلى المبادرة بتأسيس إطار مشترك لحركة "جيل النصر".
اقرؤوا المزيد: المستوطن وسلاحه على رأسك: معك ساعة لترحل!
منذ بداية تأسيسها، رفعت المبادرة شعار الحسم لا الردع، ورفضت الحديث عن أي تسويات مرحلية أو ترتيبات انتقالية مع الفلسطينيين، إذ ترى في كل تسوية "هزيمة مؤجلة". وقد اتخذت شعار: "لن نتوقف حتى نحسم"، وتبنت الحركة رؤية أمنية اعتبرت أي تراجع ميداني خطراً وجودياً مباشراً، ومن هنا تطرح حزمة مطالبها التي تشمل إعادة احتلال غزة وتوسيع الحزام الأمني شمالاً حتى الليطاني، وفرض التهجير على الفلسطينيين.

تعتمد حركة "جيل النصر" على شبكة من جنود الاحتياط الإسرائيليين المنتشرين في مناطق مختلفة، ما يتيح لها إطلاق فعاليات سريعة ومنسقة، كما استطاعت تحويل معسكرات الجيش الإسرائيلي إلى ساحات احتجاج، مثل محاولتها اقتحام سجن "سديه تيمان" احتجاجاً على التحقيق مع جنود إسرائيليين اتُّهموا باغتصاب أسير فلسطيني، وتوظف المبادرة أدوات دعائية من شهادات ميدانية، وتنشر مجسمات وصورا لضحايا الحرب، ويافطات تحذر الجيش الإسرائيلي من ثمن التراخي الأمني.
ومع توسّع نطاق نشاطها، لم تعد "جيل النصر" مجرّد إطار احتجاجي، بل تحوّلت إلى كتلة ضغط تسعى إلى التأثير في ملفات حسّاسة مثل الأونروا، وسياسات الجامعات، وامتيازات جنود الاحتياط، ما جعل الحركة فاعلاً مؤثراً في تشكيل الخطاب الإسرائيلي خلال حرب الإبادة.
تفضّل، أبواب الهجرة مفتوحة أمامك!
"لا مستقبل في فلسطين"؛ شعار خُط على يافطات ضخمة معلقة بالقرب من الشوارع الاستيطانية الرئيسة، رفعته وتبنّته منظمة "نقاتل من أجل الحياة" والتي تعد نفسها التعبير الأوضح لتيار استيطاني يرى أن المواجهة مع الفلسطينيين، معركة وجود مفتوحة لا تحتمل أي حلول وسط، أو ترتيبات أمنية.
ترفض منظمة "نقاتل من أجل الحياة" بصورة قاطعة فكرة الدولة الفلسطينية، وتتعامل مع أي اعتراف سياسي بالفلسطينيين باعتباره تهديداً مباشراً لمستقبل "إسرائيل"، وتتبنى التوسع الاستيطاني أداةً استراتيجية لمنع تقسيم الأرض وتثبيت السيادة الفعلية على الضفة الغربية.
اقرؤوا المزيد: كيف تُرك الناس وحدهم دون حماية
كذلك، تعيد المنظمة تعريف "الأمن الذاتي" للمستوطن، مطالبة أن يكون مسلحاً ومبادراً، ومستعداً للاحتكاك المباشر مع الفلسطينيين، وتوظف المنظمة أدوات دعاية نفسية مكثفة، أبرزها اللافتات العربية التي تحمل عبارة "لا مستقبل في فلسطين"، بهدف واضح هو تثبيت شعور اليأس في الوعي الفلسطيني، ودفعه إلى رؤية الهجرة خِياراً عقلانياً في ظل انسداد الأفق السياسي وتراكم الضغوط الحياتية والأمنية.

يقود المنظمة مستوطنون بارزون، منهم: الحاخام مناحيم بن شاحر، ويديديا عسيس، اللذان يجسدان الاندماج بين المرجعية الدينية القومية والعمل الميداني، ويتمثل ذلك في أنشطة المنظمة من رصد أفعال الفلسطينيين في الضفة الغربية، إلى إغلاق الطرق والمواجهات المباشرة مع الفلسطينيين، وممارسة ضغط منظم على صناع القرار في "إسرائيل".
توجّه المنظمة رسائل صريحة إلى المستوى السياسي في "إسرائيل" تطالب فيها بوقف تحويل الأموال للسلطة الفلسطينية، ومنع دخول العمال الفلسطينيين بذريعة المخاطر الأمنية، مقدمة نفسها كجهة تكشف "فشل السياسات الرسمية"، وتقترح بدائل أكثر تشدداً تجعل من الهجرة الفلسطينية هدفاً سياسياً معلناً.
بذلك، تحولت "نقاتل من أجل الحياة" إلى فاعل استيطاني يربط الميدان بالسياسة والدعاية، ويسعى إلى تحويل الضغط اليومي على الفلسطينيين إلى تغيير بنيوي في الخريطة السكانية للضفة الغربية.
الهدم كـ "عمل وطني"
شكلت مبادرة "قوة أوريا" محاولة لعودة المستوطن إلى قطاع غزة على ظهر الجرافات وتحت مظلة الجيش الإسرائيلي.
أسس مبادرة "قوة أوريا"، المستوطن لفر بوم، أحد الوجوه البارزة في المشهد الاستيطاني، مستفيداً من شبكته الواسعة من مشغلي الجرافات المدنية الإسرائيلية، والتي كرّسها لخدمة الجيش الإسرائيلي.
اقرؤوا المزيد: "رغافيم" معك في كلّ طوبةٍ تبنيها!
تضم المبادرة نحو 100 مشغل من جنود الاحتياط والمستوطنين يعملون تحت حماية وحدات قتالية في الجيش الإسرائيلي داخل قطاع غزة، ما يعكس توسع الجيش الإسرائيلي في الاعتماد على المستوطنين بوصفهم جزءاً من منظومة الحرب، لا مجرد متعهدين خارجيين.
يرتبط هذا النشاط بخطاب انتقامي صريح، تجلّى في جنازة أبراهام ازولاي، أحد الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا في غزة - وهو أحد أعضاء مبادرة "قوة أوريا" - إذ قال والده في التشييع أن ابنه أخبره: "نحن نهدم بيوتهم حتى لا يعودوا إليها، وهذا انتقام لدماء من قتل في 7 أكتوبر".
وفي شهادة أخرى لأحد زملائه: "كل مرة كنتَ تعود من أعمال الهدم كنت تقول: 200 عربي لن يعودوا، 500 لن يعودوا، 1000 لن يعودوا"، وبعد أسبوع، هدمت الوحدة 409 مبانٍ في غزة، معلنة أنها تهدي هذا الهدم لذكراه وتهيئ الأرض للاستيطان اليهودي.

تولي "قوة أوريا" التوثيق البصري لعمليات الهدم التي نفذتها في قطاع غزة أهمية خاصة، إذ تنشر مقاطع توثق الجرافات وهي تسوي أحياء كاملة بالأرض ضمن خطاب ذي طابع تطهيري، ففي 23 نيسان/ أبريل 2025، نُشر تسجيل يظهر أعضاء الوحدة وهم يصرّحون أنهم "لن يتوقفوا للراحة" لأن الهدف "محو الشر من على وجه الأرض".
اقرؤوا المزيد: مليون مستوطن قامت دولتهم في الضفة!
كما أدخلت "قوة أوريا" إلى الخطاب الإسرائيلي مفردات جديدة مثل فعل "زرڤيف" الذي بات يرمز إلى التدمير الشامل، بما يرسخ ثقافة الهدم في المخيال الإسرائيلي العام. وتعتبر هذه الممارسات تمهيداً لمشاريع استيطانية أو هندسية مستقبلية تمنع عودة الفلسطينيين إلى مناطق معينة، لتظهر "قوة أوريا" امتداداً مباشراً للمنظومة الاستيطانية داخل ساحات الحرب في غزة.
لم تكن هذه المجموعات الاستيطانية نتاجا للحرب فقط، وإنما امتداداً لتوسع المستوطن في الضفة وصولاً إلى قطاع غزة، وجزءاً من بسط سيطرته وبناء دولته، إذ تؤسس هذه المجموعات لواقع جديد يحكمه ويقوده المستوطن لتحقيق هدف واضح، في مسعى للاستيلاء على مزيد من الأرض، وتهجير الفلسطيني.