كنت أظن أنها قصة غير دقيقة حتى سمعتها مباشرة من ابنة عمتي أم عائشة، الطفلة ذات الست سنوات التي اضطرت للنزوح مع أجدادها نهاية العام الماضي من الشجاعية، لا تدري الأم كيف حصل ذلك، لكن هول النزوح وقوة الأحزمة النارية جعل العائلة تفترق، غير أنها لم تعتقد أن فراقها عن ابنتها سيدوم أشهراً طويلة في هذه الحرب.
نزحت الفتاة مع جدها وجدتها إلى مدرسة في جنوب غرب المدينة التي اقتحمها جنود الاحتلال وأجبروهم على النزوح إلى المناطق الجنوبية من قطاع غزة لتمشي الفتاة الصغيرة طريق الآلام الغزي على أقدامها تاركة خلفها أمها وأباها وإخوانها الصغار.
لم تنته القصة بعد، في الجنوب استهدف الاحتلال الاسرائيلي مكان نزوحهم فأصيب الجد واضطرت الجدة للسفر مع جدها للعلاج في مصر، وحيث لم يسمح لعائشة بالسفر مع جدتها فقد اضطرت للبقاء مع بعض أقاربها هناك.
بعد أشهر من المناشدات والتواصل مع المؤسسات الدولية المختلفة تمكن الصليب الأحمر من إعادة الفتاة إلى أمها بعد فراق طويل وقاسٍ ومؤلم، عادت الطفلة لكن أثر ما حدث مع الطفلة يبدو أنه عميق في صدرها، لخصته والدة الطفلة بقولها "بعد عودة طفلتي إليّ بعد أشهر من الغياب فإن الطفلة لا تتصرف بشكل طبيعي، مش قادرة أشرح شو يعني، بس بحس من تصرفات عائشة انو في اشي انكسر بينا".
قصة عائشة لم تعد غريبة هنا، بل باتت واقعاً يومياً مألوفاً في الوقت الذي يرى فيه العالم إبادة مباشرة على التلفاز لكنه ينكرها لأن ضميره لا يحتمل كل هذا.
تسببت الحرب بشرخ ما في المجتمع، تلك الزوجة سافرت مع أهلها إلى مصر بينما بقي زوجها وأولادها في شمال القطاع، ذاك الشاب بقي مع أهله في جباليا بينما نزحت زوجته وأبناؤه إلى الجنوب، تلك العائلة بقي ذكورها في الشمال ونزحت نساؤها فقط إلى رفح، عائلة أخرى ممن تم إخراجهم من الشفاء، أرسلوا الصبيين 13 و14 عاماً إلى جنوب القطاع بينما ظلت بقية العائلة الأب والأم والأخوات في شمال القطاع.
قصص كثيرة نسمعها كل يوم، هذه فتاة مخطوبة لشاب اختفى ولا أحد يعلم إن كان حيّاً أو أسيراً أو شهيداً مدفوناً في مقبرة جماعية، الفتاة لا تعرف ماذا يمكنها أن تفعل؟ ورجل استشهدت زوجته ثم اعتقلته قوات الاحتلال ليضطر أولاده للعيش مع الجيران إذ لا بديل آخر. وتلك السيدة النازحة الحامل وزوجها معتقل. والآلاف من كبار السن الذين فقدوا أبناءهم وأحفادهم وباتوا دون معين أو معيل في هذه الظروف القاسية.
تفاصيل كثيرة وتمزقات عائلية لا يمكن تصورها حدثت بسبب الحرب المستمرة على قطاع غزة، فقد تركت الحرب جرحاً عميقاً أصاب البنية الاجتماعية للقطاع بشكل خطير، مخلفة دماراً لا يقتصر على المباني بل يمتد ليشمل كل جوانب الحياة اليومية. كما أن استمرار الحرب لأكثر من سنة يحمل في طياته عواقب طويلة الأمد على الأجيال الحالية والمستقبلية.
الحرب أدت إلى تفكيك جزء لا بأس به من منظومة الروابط الاجتماعية. ليس فقط العائلة الكبرى بل طال حتى أفراد العائلة الصغيرة الواحدة التي باتت تعيش في حالة من التهجير الداخلي في ظروف غير إنسانية لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات الإنسان الأساسية، هذه الظروف القاسية أضعفت العلاقات العائلية والاجتماعية، حتى التواصل اليومي الذي كان جزءاً من الحياة الطبيعية أصبح تحدياً في ظل النزوح والتهجير القسري الذي يعاني منه أكثر من 2 مليون إنسان في قطاع غزة.
لا يمكن أن ننسى الأضرار الاجتماعية الناتجة عن أعداد الضحايا الهائل إذ أصبحت غزة مدينة الأرامل والأيتام، فهناك حوالي 17 ألف طفلٍ فقدوا أحد والديهم أو كليهما في هذه الحرب. كما أن الأرامل الذكور والإناث على حد سواء يواجهون تحديات يومية لا يمكن تصوّرها، يتحمل فرد واحد من العائلة مسؤولية إعالة أسرة كاملة في ظروف شديدة القسوة، والأطفال الأيتام يواجهون مستقبلاً مجهولاً، والحرب لم تترك لهم إلا الذكريات المأساوية والحرمان من الحنان الأسري والرعاية التي كان يجب أن يعيشوا في كنفها.
يحدثني صديقي أن زوجته نزحت إلى الجنوب وهي حامل بينما بقي هو في عمله في الشمال، ولد ابنه في فبراير 2024، وعمره الآن صار 9 أشهر وأنه حزين لأنه لا يستطيع أن يضم ابنه لمرة واحدة رغم أنه بعيد عنه أقل من 15 كيلومتراً. صديقي هذا لم يعايش شيئاً أو تجربةً من حياة ابنه حتى الآن، والمؤذي أنه لا يمكننا أن نعلم متى سينتهي كل هذا الألم ومتى سيلتقي ابنه ويقبّلُه لأول مرّة.
إنّ الدمار الذي سبّبه الاحتلال في قطاع غزة لا يشمل المرافق الحيوية والبنى التحتية من مستشفيات ومدارس وطرق وشبكات مياه ومضخات صرف صحي وحدائق عامة ومكتبات ومراكز أطفال وآبار مياه وأشجار فقط، بل يشمل أيضاً تدمير البنية التحتية الاجتماعية في قطاع غزّة بطريقة لا يمكن حصرها. هذا الدمار سيؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على الحياة الاجتماعية والترابط الأسري في قطاع غزة لعقود قادمة، على من بقي حيّاً من العائلات أصلاً.