8 يونيو 2021

هل المُقاطعة ناجعة؟ 5 ردودٍ على المُشكّكين

هل المُقاطعة ناجعة؟ 5 ردودٍ على المُشكّكين


رافقت الهبّةَ الأخيرة التي اشتعلت في فلسطين دعواتٌ لمقاطعة البضائع الإسرائيليّة. كانت السمةُ الأبرز لهذه الدعوات انتشار نمطٍ من الفيديوهات على منصّات التواصل الاجتماعي، يضع فيه الشخصُ ملصقاتٍ على المُنتج الإسرائيلي للدعوة لمقاطعته وشراء المحلّي البديل عنه. ومؤخراً، انطلقت حملة "أسبوع الاقتصاد الوطني"، التي تستمر من تاريخ 6/6 وحتّى 12/6 من هذا العام، تحت شعار "اشترِ من بلدك". تُنظّم الحملة العديد من الفعاليّات والأنشطة في الضفة وأراضي الـ48 والقدس لدعم السوق الفلسطينيّ والتُجّار الفلسطينيين والدعوة لمقاطعة المنتج الإسرائيليّ الذي تُسبب منافسته خسائرَ للتّجار الفلسطينيين. 

تخشى "إسرائيل" من سلاح المُقاطعة، وهذا وزير ماليّتها يائير لابيد مُتخوّف منها فيقول: "الاقتصاد الإسرائيلي أصبحَ أكثر هشاشةً من أمنها القومي". حركة المُقاطعة الفلسطينيّة (BDS) مثلاً، تسبّبت بخسائر ماليّة للاقتصاد الإسرائيلي، والأهم أنّها تُشكّل ضغطاً دوليّاً من خلال دفع شركاتٍ لسحب استثماراتها من "إسرائيل". في عام 2014، ووفقاً لتقريرٍ صادر عن الأمم المتحدة، تسببت حركة المقاطعة في انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 46%. ومع استمرار حركة المقاطعة، فإنّ مؤسسة راند الأميركية تتوقع إلحاق خسارةٍ بإجمالي الناتج المحلي الإسرائيلي تتراوح بين 1 و2%، أي ما بين 28 و56 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة.

من حملات شبابية انتشرت صورها وهي تلصق "صنع بدماء فلسطينية" على المنتجات الإسرائيلية.

وبالرغم من كلّ هذا، ما زال البعض يُشكّك بجدوى المُقاطعة وفاعليّتها. ولا يقفُ بعضهم عند حدّ امتناعه عن المُقاطعة، بل يذهبُ إلى إحباط محاولات المُقاطعة والترويج للبضائع الإسرائيليّة. في هذه المقالة نتناول خمسة ادعاءاتٍ يتداولها المُشكّكون، نُفنّدها ونُبيّن الأسس الواهية القائمة عليها.

أولاً :

الادعاء: الإسرائيلي طعمه أزكى، وجودته أحسن.

الرد: حين نقول إنّ المُنتج إسرائيلي، لا نقصد فقط بأنّه تصنيعٌ إسرائيليّ، بل أيضاً أنّه مُنتجٌ صُنع على أرضٍ مسروقةٍ من أصحابها الفلسطينيين، وأمواله ذهبت لبناء المُستوطنات ولدعم البُنى التحتيّة فيها، كما أنّه يدعم الجيشَ بحجّة "المسؤولية الاجتماعيّة"، فيشتري الأخير رصاصةً إن لم يُقتل بها أخاك سيُقتل بها جارك أو ابن بلدك. لنأخذ شركة "تنوفا" مثالاً، بحكم شهرتها. تمدّ الشركة وحدات في الجيش الاسرائيلي بمنتجات الألبان، كما وتبني لها مراكزَ للتدريب. على سبيل المثال، في عام 1995، تبنَّت الشركة وحدتي "يعيل" و"أجوز" التابعتين لجيش الاحتلال. وفي عام 2013، تكفّلت باحتياجات وحدة "شالداغ"؛ وحدة الكوماندوز التابعة لسلاح الجو. وهذا غيضٌ من فيْض. 

اقرؤوا المزيد: "عملية كناري".. ملاحقة وتعقّب أكاديميي المُقاطعة.

هذا جانبٌ مهم، لا يجب أن نخجلَ من قوله، ولا يجب أن نترك لأحد مجالاً للاستخفاف به. لكن، لنغضّ الطّرف عنه لدقائق، ولننظر سويّة إلى حجّة الجودة في المُنتج الإسرائيلي. كشفَ تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أنَّ "إسرائيل" سجّلت أعلى النسب عالمياً في استخدامها للمُبيدات السامة والمواد الكيماوية في إنتاجها الزراعيّ. ففي "إسرائيل" يُباع كلّ سنة ما يقارب 7 آلاف طن من بين 670 نوعاً مختلفاً من المبيدات، والتي تستخدم لإبادة الفطريات والجراثيم، أو حفظ وتخزين الفواكه بعد قطفها، وزيادة النمو. كما تستخدمُ "إسرائيل" ما معدله 3.5 كغم من المواد الفعالة السّامة للدونم الزراعي الواحد، أي أكثر بنحو 88 مرة من السويد التي تعتبرُ أقلّ الدول استخداماً للمبيدات (0.04 كغم لكل دونم)، مما يعني أنَّ المُنتجات الزراعيّة الإسرائيليّة هي الأخطرُ من بين الدول الغربيّة جميعها. لذا، فإنّ الدولة التي تقتلنا ليست معنيّةً بالتأكيد في تقديم مُنتجاتٍ صحّية لنا، إنّما هدفها الوحيد هو مراكمة الربح وإن كان معناه أن تتعاملَ مع أجسامنا وأسواقنا الفلسطينيّة كحقلٍ للتجارب.

كما أنّ المُنتج الإسرائيلي سيء الجودة يُرسلُ إلى الأسواق الفلسطينيّة. يُلاحظ المُستهلك الذي جرّب طعم المُنتج في السوقين الفلسطيني والإسرائيلي، أنّ الأوّل يختلفُ عن الثاني وهو أقلّ جودة. أحد العُمّال الفلسطينيين في إحدى الشركات الإسرائيلية، لاحظَ وجود خطّ إنتاجٍ مُختلف للسوق الفلسطيني، لا يتعرّض لأية فحوصات أو مراقبة صحيّة. عاملةٌ أخرى في مصنع "عيليت" الإسرائيلي، أكّدت على أنّ كلَّ المنتجات التي لا تتوافق ومعايير الصحة والسلامة والمذاق وآليات التوزيع والتخزين، تُصدّر للسوق الفلسطيني بدلاًَ من إتلافها. 

أمّا محمود كحيل، وهو أحد أصحاب مزرعة "أمورو" لإنتاج الفطر الفلسطينيّ التي أغلقها الاحتلال عام 2016 لمنافستها الفطر الإسرائيلي، أشارَ إلى أنّ "إسرائيل" تبيع البضاعة السيئة الجودة أو الإنتاج للفلسطينيين، وذلك أحياناً بنفس سعر البضاعة من النّخب الأول. تتوافقُ هذه المُلاحظات مع حادثةٍ حصلت عام 2009 مع طفلٍ فلسطينيّ من القدس، حين تعرّض لآلامٍ شديدة في أمعائه إثر شربه لحليب "متيرنا" الإسرائيلي. على إثر ذلك كشف فحصٌ مخبري أنّ الحليب مُلوث بنسبة تركيز عالية لمادة الكوليفورم بحوالي 3000 ملم، علماً بأنها يجب أن تكون صفراً. لاحقاً، أوضح أحد ممثلي الشركة أنّ "هذا الحليب يباعُ فقط في أسواق السلطة الفلسطينية".

اقرؤوا المزيد: البحثُ عن "فردة" الحذاء المفقودة في الخليل.

أمّا بخصوص الطعم، فقد يكون طعم المُنتج الإسرائيلي ألذّ من طعم المُنتج المحلّي وأكثر كفاءة، وما ذلك إلا لقلّة دعمنا لمُنتجاتنا المحلّية، فنُعيق من تطوّرها. ومع ذلك، فإنّ الطعم، بالتأكيد، ليس سبباً لدعم المُنتج الإسرائيلي وإفشالِ المُنتج المحلّي، فالأوّل مجبولٌ بدم أهلينا؛ أتُحبّ أن تأكُل لحم أخيك؟ كما أنّ بعض هذه الادعاءات حولَ الطعم وجودة المنتج تُبنى دون تجريبٍ حقيقي للمنتجات الفلسطينية البديلة. 

ثانياً :

الادعاء: إنت مفكّر إنه حبّة بوظة بدها تأثر على اقتصاد "إسرائيل".

الرد: نعم ستؤثر، وقد أثبتت نتائج كثيرة ذلك. فعلى المستوى المحليّ، نَسب البنك الدولي انخفاض الواردات الفلسطينيّة من الشركات الإسرائيلية بنسبة 24% ما بين عامي 2013-2014 إلى حملات المقاطعة. وفي حال استمرارنا في مقاطعة السِلع الإسرائيلية بنسبة 10% من كلّ مُستهلك فلسطيني، فإننا بذلك نوفّر 70 ألف فرصة عمل للشباب والخريجين العاطلين عن العمل، حسب ما ورد عن المنسق العام لحركة (BDS) محمود نواجعة. كيف ذلك؟ 

يشكّلُ السوقُ الفلسطينيُّ ثاني أكبر سوق استهلاكيّ للمنتجات الإسرائيلية بعد الولايات المتحدة الأميركية، إذ نستورد، نحن الفلسطينيين، من "إسرائيل" ما يزيد عن 4 مليارات و400 مليون دولار سنوياً. لذا، فإنَّ كلّ عملٍ فرديٍّ في مقاطعة المنتجات الإسرائيلية سيَضُرّ بالمصانع الإسرائيلية ويجبرُها على تقليص إنتاجها. في المُقابل سيُتيح لمصانعنا الفلسطينية الفرصة لإنتاج كمياتٍ أكبر لسدّ احتياجات السّوق، وبالتالي طلب أيادٍ عاملة أكثر، وتوفير فرص عملٍ لشبابنا، وكذلك وضع التحديات أمام هذه المصانع لتحسين جودة منتجاتها. لذا فإنَّ كُلَّ جُهدٍ فرديّ في المقاطعة يصنعُ فرقاً. 

ثالثاً:

الادعاء: وين ما بتلف كلشي من "إسرائيل"، حتى الهوا من "إسرائيل".

الرد: علميّاً، غير صحيح أنّ الهواء من "إسرائيل". هذه المُبالغات تخلق أوهاماً وأساطير نواتها إما الإعجاب بالعدوّ وإمّا الهوسُ بأنه مُتحكّم في جميع مفاصل حياتنا، فتُضخّم منه وتُحجّم منّا، وما تفتأ تفتح لاحقاً المجال أمام أيّ فعلٍ مهزوم فتجعله طبيعيّاً، كما في مسألة شراء المُنتجات الإسرائيليّة.

يُراد من هذه المُبالغات القول بأنّ التعامل مع "إسرائيل" هو أمرٌ واقع نُجبر عليه. لكن من المُهم أن نُفرّق هنا بين نوعين من التعامل: تعاملٌ مُضطرون إليه كاستخدام موانئ الاحتلال وتداول عملة الشيكل (وهذا لا يعني أنّنا لا نستطيع بقوّة وإرادة جمعيّة رفضها)، وتعاملٌ طوعيّ وهو ما يقع في شراك التطبيع. لذلك فإنّ الادعاءات التي نسمعها أننا مضطرون لِلتعامُل مع الاحتلال في كلّ شيء بحكم الحالة التي نعيش، هي خاطئة، وهدفها تطبيع العلاقة وتمييعها بيننا وبين عدوّنا، والأهم أنها تؤدي إلى كسر كلّ الحواجز وتخفيض كلّ سقف ممكن حتى يصبح كلّ فعلٍ "مقبولاً" وفي خانة "الاضطرارات". 

اقرؤوا المزيد: هل "إسرائيل" أرحم من الأنظمة العربيّة؟

تُسيطر "إسرائيل" على الأرض وخيراتها، صحيح، ولكنّ ذلك يجب ألا يعني أن تُسيطر على ذواتنا وإرادتنا وما نملك من طموحٍ وآمالٍ بالتحرّر. ولعلَّ الهبّة الأخيرة أثبتت صحّة ذلك، وأعادت إحياء الكثير مِن المفاهيم في المقاومة والصمود والقوّة، والقدرة على دحرِ هذا الكيان الغاصب.

رابعاً:
الادعاء: وقفت عليّ، الكل بشتري إسرائيليّ.

الرد: نعم، تتوقّف الكثير من الأعمال على الأفراد. الفعل الفردي، وبالرغم من أثره الصغير، قد يكون الخطوة الأولى في تحريك الأحجار الهامدة في رقعة الدومينوز. إنّ الفعل الوحيد يُراكم على أفعالٍ وحيدة غيره، فيراكم كمّياً ونوعيّاً على الفِعل الجماعي. على سبيل المثال، ابتدأت حركة مُقاطعة حافلات مونتغومري للفصل العُنصري ضدّ السود عام 1955 بفعل ناشطةٍ واحدة من أصول إفريقيّة تُدعى روزا باركس، عندما رفضت التخليّ عن مقعدها لشخصٍ أبيض بالإجبار. ومثالُ ذلك كثير، بإمكانك أن تقرأ عن تجربة حركات التحرّر في الهند وجنوب أفريقيا مثلاً. لذا، لا تستهن بالفعل الفردي، ولا تستهن بالأثر الذي قد تُحدثه من مُقاطعة المُنتج الإسرائيلي. 

خامساً:

الادعاء: بتزبطش المقاطعة في القدس والداخل، الإسرائيلي أرخص!

الرد: المُنتج الإسرائيلي أرخص بسبب وجود سياساتٍ حكوميّة تُسهّل عليه وتدعمه، والمُنتج الفلسطيني أعلى سعراً بسبب وجود سياساتٍ إسرائيليّة تُضيّق عليه وتحاول أن تكسر صموده في القدس والداخل، ونحن يجبُ ألا ننجرّ إلى ما تحاول "إسرائيل" فرضه. إنّها بذلك تستخدمنا لنفع سوقها فنتوجّه نحو الشراء من المحال ومراكز التسوّق الإسرائيليّة بحجّة أسعارها المُنافسة، وتستخدمنا لإضعاف سوقنا عبر هجر المحال ومراكز التسوّق الفلسطينيّة بحجّة غلائها.

اقرؤوا المزيد: الإضراب العام وأولاده.

بطبيعة الحال، تؤدّي الزيادة على طلب المُنتج الإسرائيلي إلى زيادةٍ في الإنتاج، وبالتالي البيعَ بأسعارٍ أقل، فيكثر الطلب عليه، فيزيدُ ربحه وإنتاجه، وهكذا دواليك. تُدخلنا "إسرائيل" في عجلةٍ من الاستهلاك لمُنتجاتها، فتوهمنا أنّنا بحاجةٍ إلى مُنتجاتها، فيما هي التي بحاجتنا لزيادة أرباحها. هذه المُعادلة الإسرائيليّة يجب أن تُكسر، ولا تُكسر إلا من خلال دعم التاجر الفلسطينيّ. فإن غلا سعره اليوم عن سعر الإسرائيليّ، فإنّه غداً سيصبحُ أرخص ومناسباً حين يزداد الطلب عليه. بحسب المُعطيات الإسرائيليّة، في الداخل ما يُقارب الـ 2 مليون فلسطيني، وفي القدس ما يزيد عن الـ 350 ألف فلسطيني، هذا عدا عن الفلسطينيين في الضفة والقطاع. نحن نُشكّل قوّة شرائيّة باستطاعتها أن تُحدث خسارةً فادحةً للسوق الإسرائيلي، وتُعزّز من صمود تُجارنا وتُنجحهم.