fbpx

كيف انتهى "عيد الرباط" بالاقتحام؟

كيف انتهى

الأحد الماضي، نهار العيد، عند السّاعة العاشرة صباحاً تقريباً ساد في ساحات المسجد الأقصى هدوءٌ حذر. سبق هذا الهدوءَ اعتداءُ شرطة الاحتلال بالقنابل والرصاص المطاطيّ على المرابطين عند باب المغاربة، وملاحقتهم في أرجاء المسجد وساحاتِه، وصولاً إلى باب حطّة في أقصى شماله، مما أدّى إلى تفريقِهم ومغادرةِ أغلبهم. 

في تلك السّاعة، كان المسجد خالياً إلا من أعدادٍ قليلةٍ، لم تتجاوز الـ500 شخص على أبعد تقدير، تركّز حضورهم بالقرب من المصلى القِبلي، وفي أقرب نقطةٍ إلى باب المغاربة، الباب الذي يدخل منه المقتحمون شرطةً ومستوطنين. تحيط بهؤلاء المرابطين في محاور عدّة مجموعاتٌ من جنود الاحتلال؛ من حرس الحدود، والمستعربين (الذين ظهروا لاحقاً عندما انسحبت القوات)، والقوات الخاصّة، وضباط الشّرطة. 

تحلّق البعض حول منشدٍ يقضون وقتهم بالنشيد والتّكبير والتّهليل معه، وآخرون يَصِفون لأصدقائهم وحشيةَ ما رأوه من اعتداءٍ وما نتج عنه من إصابات. بينما آخرون محشورون داخل المُصلّى القبلي بعد أن أغلق عليهم جنودُ الاحتلال الأبواب، يشاغلونهم بين الحين والآخر بإلقاء الحجارة. 

شابّ يلفّ بين المرابطين حاملاً كرتونة تبدو من بعيد محمّلَةً بالكعك، يمرّ بها على الجالسين: "حلوان العيد، حلوان العيد"، وسيّدة لم تتناول إفطارها حتى تلك اللحظة ظنّت أن الفرج جاء، إلى أن تبيّن أن الشّاب يمازح النّاس؛ جمع في كرتونة الحلويات تلك بقايا قنابل الصّوت التي رُميت باتجاههم ذلك الصّباح.

رغم تلك الأجواء "العائليّة"، التي عزّزتها قلّةُ الحضور وصعوبة الموقف في انتظار ما قد يحصل، كان الوقتُ ثقيلاً؛ تتفقد تلك القلّةُ القليلة الباقية السّاعات في أياديهم أو هواتفهم النقالة، علّه يسارع لتصبحَ السّاعة الحادية عشرة ظهراً. على الأقل، أن نضمنَ أن لا يقتحم المستوطنون المسجدَ في الفترة الصباحيّة1. لم يتبقَ الكثير، هانتْ. يبدو أنّ المقدسيّين نجحوا في ردّ أولى المراحل من خطر ذاك اليوم.

"دخلوا".. بدون تفاصيل أكثر.. هكذا فقط: "دخلوا"، صاح أحدُهم بينما أشارتْ السّاعةُ إلى الحادية عشرة إلا خمس دقائق. كأنّ جبالاً راكم النّاسُ بناءَها منذ الفجر قد انهالت فجأةً فوق قلوبِهم بالحسرة والجراح. ثار -حرفيّاً- الجالسون على المصاطب أمام المصلي القبليّ، واتجّهوا بمحاذاة الرواق الغربيّ، بين بابيّ المغاربة والسّلسلة، إلى آخر نقطةٍ سَمَح لهم جنودُ الاحتلال الوقوف فيها، وأصواتُ الغضبِ والتّكبيرِ لا تتوقف. 

كان ذلك المشهد الأول: ردّةُ فعلٍ غاضبة تحمل الكثير من الصّدق في الدِّفاع عن بعض ما تبقى لهم في هذه المدينة، التي توّحشت فيها "إسرائيل" هدماً للمنازل، واعتقالاً وقتلاً، وأسرلةً وتهويداً. قد غُدِروا؛ "كادت اللقمة أن تصل للثم" كما يقول المثل، خمس دقائق بقيت على انتهاء فترة الاقتحام الصباحيّة، لم تُفرِط بها شرطةُ الاحتلال، بل زادتْها أكثر من نصفِ ساعةٍ، فاستمرّ الاقتحامُ الأول حتى الحادية عشرة و 40 دقيقة تقريباً.

لم يمرّ هذا الاقتحام بسهولة، إذ رافقته قنابلُ الصّوتِ والرصاص المطاطيّ تجاه النّاس، وخاصّة القريبين أكثر إلى شرق المصلى القبليّ، ومن هم بداخله. على وقع صوت قنابل الصّوت تلك، لمح النّاسُ أحدَ المستوطنين يتوقف عن المسير في مسار الاقتحام، كأنه يعود خطوةً إلى الوراء؛ يقف لبرهةٍ مكانه لا يدري أين ينظر، إلى أولئك "المسلمين"، أم إلى الجنود، كان مُشوّشاً، إن لم نقل خائفاً.

ما بين المشهدين أعلاه، مشهد القلّة القليلة المكسورة والغاضبة في آنٍ، ومشهد -ولو سريع أو يتيم- المستوطن الذي جفِلَ من قنابل صوتٍ يُلقيها جيشُه- يمكن تلخيص أحداث يوم الأحد الماضي. 

الانتباه.. وبداية الأمل

تنبّهت بعض القواعد الشعبيّة، المهتمة أصلاً بقضية المسجد الأقصى والمتابعة لتطوراتِها، مبكراً إلى تزامن عيد الأضحى مع الذكرى اليهوديّة لخراب الهيكل، وبدأتْ بتنبيه غيرها2. ساهمت ترجمةُ الأخبار من العبريّة ونشرها حول مطالبات المستوطنين بإتاحة الاقتحام، ومن ثمّ نشر ردّ شرطة الاحتلال على ذلك بالقول إنّها ستقرر حسب "المستجدات في الميدان"، وتصريح "اتحاد جماعات الهيكل" أنّ "للمسلمين أياماً ثلاثة للعيد غير اليوم الأول يمكن أن يحتفلوا بها"، وبالتالي يمكن أن يستغنوا عن يوم واحد لليهود، ساهم كلُّ ذلك في استثارة غضبِ النّاس أكثر.

مع تصاعد انتباه المقدسيّين، وفي مقابله تصاعد نشاط المستوطنيّن وضغوطاتهم وحشدهم لضمان الاقتحام، وجدت الشّخصيات التي تُمثّل الهيئات الدينيّة في المدينة (مجلس الأوقاف، والهيئة الإسلاميّة العليا، ودار الإفتاء) نفسها مضطرةً للتجاوب، فأصدرت بياناً مساء الخميس (08.08.2019)، دعت فيه إلى إغلاق جميع جوامع المدينة، وأن تقتصر صلاة العيد على المسجد الأقصى، وأن تؤجّل الذبائح إلى نهاية اليوم أو اليوم الثاني. 

في اليوم التّالي، يوم الجمعة، أعلن الخطيبُ على منبر الأقصى أنّ الصّلاة ستؤخّر ساعةً كاملةً، لتُقام عند السّابعة والنصف، مع أن أصواتاً أخرى دعت إلى أن تكون عند التّاسعة صباحاً، ليمتدّ وجود النّاس في المسجد أطول فترةٍ ممكنةٍ تتقاطع مع الفترة المعروفة لاقتحامات المستوطنين.

تشجّع النّاس أكثر، فأعلنت عائلاتٌ من القدس أنّها ستَلتَقي في ساحات المسجد بعد الصّلاة، وتتبادل التّهاني بالعيد هناك بدلاً من البيوت. كذلك أعلنتْ جهتان على الأقلّ عن فتح مواقف مجانيّة للسيارات صبيحة العيد. 

أعادت هذه المواقف، رغم قلّتها وعدم امتدادها بما يكفي، للمقدسيين ذكريات التكاتف الاجتماعيّ أيام هبّة باب الأسباط. ربما شعر البعض أنّ المواجهةَ هذه المرّة ستتشابه في بعض مظاهرها مع سابقاتها في 2017، أو في الحراك لأجل باب الرحمة مطلع العام، وبدا -لدى البعض- أنّه يوم محسومُ النتيجة، لصالحنا طبعاً! 

هذا رغم أنّ حادثةً شبيهة جداً، هي تزامن الاحتفال الإسرائيلي بـ"يوم القدس" مع 28 رمضان الماضي، شهدت اقتحاماً واسعاً من قبل المستوطنين، وصلت أعدادهم إلى أكثر من 1200 مستوطن، وسط احتفالات وغناء راقص، ولم يملك المرابطون يومها -وكانوا قلّة كذلك- إلا الكراسي للدفاع بها عن مسجدهم. مع ذلك، حمل النّاس بعض الأمل ألاّ يمر الأمر كما مرّ في رمضان، فعلى الأقل هذا يوم العيد الأكبر، ودرجة الاستفزاز هنا أشدّ.

رباط 7 ساعات.. من يضمن؟

يمكن القول إنّ السّاعات الأولى ليوم العيد حملت إشارات إضافيّة لما آلت إليه الأمور في النهاية. مثلاً، رغم بيان مجلس الأوقاف ليلة الجمعة، وفي خرقٍ مؤسفٍ لإجماع شعبيّ، علتْ التكبيرات من مآذن عدد من جوامع ضواحي القدس، إذ لم يلتزم مسؤولوها بإغلاقها وأقاموا صلاة عيد "عادية" عند السّادسة والنصف، فلم يُجبَر هؤلاء على الأقل على الوصول إلى مسجدهم الأمّ، الأقصى.3.

كما لم تكن أعداد من جاءوا إلى الصّلاة في الأقصى مختلفةً عن أيّ صلاة عيدٍ في ظروفٍ عاديّةٍ. الأرقام الرسميّة الصّادرة عن دائرة الأوقاف الإسلاميّة أشارت إلى 100 ألف مصلٍّ. بغض النظر إن كانوا فعلاً 100 ألف أو أقلّ، فإنّ ذلك ليس رقماً غير مألوف، ففي بيانها في يونيو/حزيران الماضي، قالت الدائرة إنّ عدد من أدّى صلاة عيد الفطر في الأقصى حينها حوالي 120 ألف مصلٍ. 

من ضمن هؤلاء، لم يبقَ في المسجد إلاّ القليل، وذلك حتّى قبل وقوع موجة القمع الأولى. قبل القمع، حوالي التاسعة والربع صباحاً كانوا في عداد الآلاف؛ قَدّرهم البعض بـألفين إلى ثلاثة آلاف مصلٍّ، غالبهم عند باب المغاربة. بعد القمع، أصبحوا في عداد المئات، وتناقصوا تدريجياً، حتى لم يتجاوزوا عند الثانية والنصف عصراً -ساعة انتهاء الاقتحام- المئتي شخص، أو حتى أقلّ.  

أما من كتب مستغرباً أنّهم لم يبقوا، فالغريب أكثر أنّه لم يجرِ التفكير مسبقاً بما فيه الكفاية بالسؤال: "ما الذي يمكن أن يضمن بقاءَهم في المسجد صبيحة يوم العيد غير تدابير الله وتوفيقه؟". وكأنّ الدعوات التّي خطتها مختلفُ الجهات في بياناتِها لاستمرار الرباط حتى نهاية اليوم، أيّ من السّاعة السّابعة تقريباً حتى الثالثة، من المتوقع أن تكون كافيةً لإقناع النّاس بذلك. بل إنّ خطبة العيد نفسها، لم تشرح للنّاس لماذا أخرّوا صلاتهم، أو لماذا عليهم أن يبقوا!

رغم هذه المؤشرات، وبعد انتهاء صلاة العيد، تجمّع عددٌ من الرجال والنساء حول باب المغاربة. ما لم يُدرك كلّه، على الأقل لم يُترك جلّه. كان ذلك التجمع غير مسبوق، فيما أعلم، من ناحية موقعهِ الجغرافيِّ وخصوصيته، إذ تحوّلت منطقة باب المغاربة منذ الاستيلاء على مفاتيحها عام 67 إلى منطقةٍ شبه محرّمة على الفلسطينيّين.

إذن، اجتمع النّاس -على قلّتهم- عند باب المغاربة، وبدا الموقف مبشِّراً بحذر. رابطوا عند الباب الذي "يأتي منه الريح" لِسَدِّهِ، وتنبّهوا إلى عدم الثقة المطلقة بمن يحاول تهدئتهم. كان الرجال أمام قوات الاحتلال المتمركزة عند الباب يقفون صفاً واحداً شابكين أياديهم ببعض، في دلالة على الإصرار والثبات. بدا أن الدّنيا ستضحك لنا مرة أخرى. 

لكن كانت السّاعة حينها لم تتجاوز التاسعة صباحاً، أيّ ما زال الوقت متاحاً أمام شرطة الاحتلال لتغيير المعادلة. وهنا يُعاد السؤال: هل جرى التفكير بكيف سيُضمن بقاء النّاس في السّاحات؟ بعدها بدقائق، ضُربت قنابلُ الصّوت الأولى، وبدأ تفرّق النّاس. 

بعدها، شهدت الساحات -بل وبوابات الأقصى كذلك- إصراراً على البقاء في مقابل الوحشية في الاعتداء والإمعان في الترهيب. لكن ببساطة، جرى إخلاء الناس وتفريقهم مُبكَّراً. صرخ البعض "خلونا هون ..محدش يروح"، أحد الشّيوخ وبينما الدّماء تنزف من رأسه أطلق نفس النداء. لكن، يبدو أنّه لم يكن سهلاً على من حمل أطفاله أن يبقى وسط التّهديد، وعمليّاً، لم يكن من الناحية الزمنيّة ارتباطٌ بموعد صلاة يمكن أن تُبقي المرابط في انتظارها. 

بالمقابل، لم تبرز في الميدان قيادات غير تقليديّة تحاول لمّهم من جديد، وتُدير التوتر الذي بدا واضحاً بين رغبة التهدئة عند حاملي السمّاعات، وبين رغبة البقاء والتضحية عند عددٍ من المرابطين. وهذه القيادات وإن برزت، فلم يكن في ظهرها نصيرٌ شعبيّ كافٍ من حيث العدد على الأقل.

هل كان ما حصل مفاجئاً حقّاً؟

ربما لم يكن ما حصل مفاجئاً إلى حدٍ بعيدٍ. في السّياق الأوسع، علينا أن نذكر الحالة السياسيّة التي تعيشها مدينة القدس منذ عقود، فنشاطُ الفصائلِ الفلسطينيّة على اختلافها، مُعطَّلٌ بفعل الاستهداف الإسرائيليّ المستمر. وهي نفسها لم تطوّر نشاطها، فاقتصر على ما يمكن تصنيفه تحت عنوان دروع التكريم والزيارات والمنح، لا أكثر. 

هذا التعطيل للعمل الحزبيّ، رافقه غيابٌ واضحٌ للقيادات الشّعبيّة الميدانيّة الموثوقة. صحيحٌ أن البعض يرى غياب القيادات ميّزةً لصالح المدينة، لكن المقصود هنا قيادات ميدانيّة، قريبة من الناس، تنطلق من همومها، لا من توازنات المصالح والمناصب ومتطلباتها، وتستعد أنْ تكون أول من يدفع الثمن. 

في قضية الأقصى تحديداً، وبعد أن نال المرابطين والمرابطات من أهالي القدس والأراضي المحتلة عام 48 ما نالهم من ملاحقةٍ وتهديدٍ، وفي ظلّ السّنوات العجاف التي قضاها شبابُ القدس في سجون الاحتلال وما زالوا "فدا الأقصى"، كما يقول التعبير الشهير، بعد هذا كله، لم يُعاد بناء ومراكمة الاهتمام بقضية الأقصى عامةً، وبقضية اقتحامات المستوطنين للأقصى خاصّةً، بما يكفي ليضمّ شرائح ووجوهاً جديدةً، أو ليتحول هذا الاهتمام على الأقلّ إلى اهتمام شعبيّ جماهيريّ واسعٍ ترافقه ممارسة يوميّة في ساحات الأقصى. يمكن أن نُضيف إلى ذلك، حظر الحركة الإسلاميّة في الداخل، والتي كانت قضية المسجد الأقصى أولى أولويات عملها. 

لا يتنافى هذا القول مع المركزيّة الثابتة التي تنالها قضيةُ المسجد الأقصى في قلوب النّاس واهتماماتهم. فهؤلاء قدّموا دماءهم وحرياتهم في مناسباتٍ عدّة؛ عام 1990 في "مذبحة الأقصى" عندما عزم "أمناء جبل الهيكل" على إدخال حجر الأساس لبناء هيكلهم، وفي هبّة النفق عام 1996، وفي الانتفاضة الثانيّة، وفي
دعوات النفير والرباط التي شهدتها أعوام 2008-2013 خاصّة، وغيرها. 

مع ذلك، لم تتحول قضية مواجهة اقتحامات المستوطنين وتطوراتها المتسارعة، هذه القضية بالذات، بَعْد إلى فعلٍ جماهيريٍّ واسع داخل الأقصى وحوله. فقد اقتصر جلّ النشاط في هذا المستوى على تجمعات مُنظمة مُسبقاً كمشروع "مصاطب العلم"، والدوائر التي توّسعت تلقائياً حوله وحول نشطائه، أو على الفزعات والمناشدات بين الحين والآخر.

في ظلّ تصاعد الخطاب الإسرائيليّ الدينيّ والسياسيّ فيما يتعلق بالأقصى، وزيادة الأخطار عليه، كانت هبّة القدس عام 2015 إلى حدٍّ ما سياجاً حمى الأقصى من مصائب كثيرة. لا أدلّ على ذلك من منع أعضاء الـ"كنيست" ووزراء من اقتحام المسجد بقرار حكوميٍّ إسرائيليٍّ ما يقارب العامين، في محاولة لإخماد الهبّة. لكن في غياب هذه الهبّة اليوم، وفي ظلّ ضرب فاعلية الكثير من الفاعلين مسبقاً في هذا الشأن، لم يتطور نشاطٌ جماهيريٌّ جديدٌ على الأرض، ضدّ الاقتحامات خصيصاً. وفي أحيانٍ كثيرة، ساهمت الأخبار اليوميّة عن الاقتحامات في "تطبيعها" في أذهان النّاس؛ مثلاً لم يكن هناك احتجاج قويّ على تصاعد مظاهر الصّلاة اليهوديّة داخل الأقصى آخر عامين، أو على عقود القرآن اليهودية فيه، وغيرها.

لم يفت الأوان بعد…

رجوعاً إلى هبّة باب الأسباط، وحتى إلى ما قبلها من هبّة أبو خضير 2014، فإنّ الوعي الجمعيّ للناس يراكم  التجارب وما يستفاد منها، وإنّ العتاب الذي وصل حدّ تقريع الناس على "مغادرتهم" للمسجد، لا بدّ أن يُستثمر للمراجعة المجتمعيّة والبناء، ولتحشيد النّاس وضمان واستعدادهم أمام أخطار قادمة ما زالت تهدد المسجد الأقصى. 

وهنا نذكر أنه رغم عدم تحقق مراد الفلسطينيّين كاملاً، إلا أنّ مشهد دخول المستوطنين مترافقاً مع صوت القنابل، واقتصار اقتحامهم على المسار القصير4، الذي لا يتعدى عشرات الأمتار، وبمشيٍّ سريع، ليس مشهداً عابراً. 

رغم القلّة، استطاع المقدسيون على الأقل فرض سقف أقلّ للاقتحامات. وكان معبّراً -عن الضعف والقوة في آنٍ- أنّ ما يقارب 50 مقدسيّاً، من رجال ونساء، لم يتوقفوا عن التكبير طيلة ساعةٍ كاملةٍ، من الواحدة والنصف حتى الثانية والنصف بعد الظهر، بينما كانت موجة الاقتحام الثانيّة في أوجها، وبينما كانت ساحات قبة الصّخرة وما عليها من مكاتب رسميّة خالية من شاغليها ومسؤوليها. 

وفي نقاش "العدد"، على الجهة الإسرائيليّة، قال قائد لواء القدس في شرطة الاحتلال، دورون يديد، مُبرراً تأجيل الاقتحام إلى الحادية عشر: "في السّابعة والنصف كان هناك أكثر من 60 ألف مسلمٍ، وكان حينها صائباً في إطار الموازنات أن نُتِيحَ للمسلمين الصلاة، وأن نؤجل صعود اليهود. عندما فهمنا أن الأحداث تتدحرج نحو منع صعود اليهود من قبل حفنة من الناس، استخدمنا القوّة. فرّقناهم وأَتحنا الصعود لليهود. كان القرار بذلك قراري، بدعم من المستوى السياسيّ وبناء على تقدير الأوضاع".  

"هآرتس" بدورها قالت إنّ القرارَ تحوّل من المنع إلى السّماح بعد ساعةٍ واحدةٍ من القمع، أيّ تقريبا عند العاشرة والنصف صباحاً، وهي السّاعة التي لم تحتضن فيها ساحاتُ الأقصى إلا القلّة القليلة التي وصفنا في بداية المقال. 

أيّ أن قرار الشّرطة كان ميدانيّاً فعلاً، وهذا يعني أنّ هذا العدد القليل، لو كان أكثر لمُنع الاقتحام من أصله. هي معادلة ليست بالجديدة، لكنها أثبتت صحتها في كلّ مرة: كلّما كان النّاس أكثر وصمدوا فترة أطول، كلّما صعب على الشّرطة تأمين الاقتحام، وبالتالي تميل إلى منعه. الضّروري هنا أن تُفهم الدروس، لتوّظف في المعارك القادمة، منها أنّ هذا السيناريو محتمل التكرر العام القادم، بتزامن عيد الأضحى مع ذات الذكرى مرةً أخرى، ومعارك أخرى كثيرة. 





هوامش:

  1. تتوّزع اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، في العادة، على فترتين: الأولى: الفترة الصباحيّة، وتبدأ عند السابعة والنصف صباحاً، وتنتهي عند الحادية عشرة قبل الظهر، والفترة المسائيّة، وتبدأ بعد صلاة الظهر عند الواحدة والنصف وتنتهي عند الثانية والنصف. تختلف هذه السّاعات في التوقيت الشتويّ. يمكن الاطلاع على المزيد عبر مقال: “ماذا تعرف عن اقتحامات المستوطنين للأقصى، هنا.
  2. تتحرك السّنة العبريّة مثلها مثل السّنة الهجريّة، ولذلك تتغير مواعيد الأعياد اليهودية من عامٍ لآخر. هذا العام تزامن اليوم الأول من عيد الأضحى تماماً مع صيام التاسع من آب، وهو مناسبة يهوديّة دينيّة يُحيى فيها اليهودُ ذكرى خراب الهيكل الأول، وخراب الهيكل الثاني، وهي كذلك موسم تتكثف فيه اقتحاماتهم للمسجد الأقصى.
  3. في محادثة غير رسميّة مع إمام أحد المساجد قال إنّه جادل مسؤولاً في دائرة الأوقاف بأنّ هناك كباراً في السّن لن يستطيعوا التوّجه للأقصى، فهل يفتح المسجد، فردّ عليه المسؤول: “يُترك الأمر للإمام ليقرر فيه”
  4. للمستوطنين في اقتحامهم للأقصى مساران، الأول هو المسار “العادي”، الطويل، الذي يبدأ من باب المغاربة ثم يستمر شرقاً نحو باب الرحمة، ومن ثم عودة إلى الغرب والخروج من باب السّلسلة، وهو مسار يستغرق حوالي 30 دقيقة. أما المشار الثاني، القصير، فهو الذي يقتصر على الدخول من باب المغاربة والخروج بعد أمتار قليلة من باب السّلسلة، وهو المسار الذي يُتخذ غالباً في ظلّ الأوضاع الأمنية المتدهورة، أيّ عندما لا تتمكن الشّرطة من تأمين المستوطنين في مسارهم الطويل.
هنادي قواسمي
صحافيّة

إقرأ أيضاَ