fbpx

"يوم القدس".. مسرحية الرقص بالأعلام

تصوير: مصطفى الخاروف

يَحتفل مجتمع الاحتلال ودولته الأحد 13 مايو/ أيار، بما يُسمّونه "يوم القدس". يُحتفل بهذا باحتلال شرق القدس بعد حرب عام 1967، وبالتالي "توحيدها" – حسب تعبيرهم – مع غرب القدس التي سبق احتلالها عام 1948.

تُحدَّد هذه المناسبة حسب التأريخ العبري، في الثامن والعشرين من الشهر الثامن من السنة العبرية، اليوم الذي أتمّ فيه جيشُ الاحتلال السيطرةَ على شرقي القدس في نكسة 1967، ووافق يومها السابع من يونيو/ حزيران.

يُطلق عليه رسمياً اسم "يوم القدس"، لكنّه يُسمّى أحياناً "يوم توحيد القدس"، أي يوم "توحيد" شرقها وغربها تحت سيادة وسيطرة الاحتلال. في أحيانٍ أخرى، يُشار إليه باسم "يوم تحرير القدس"، ففي الذكرى الخمسين، استخدمت وزارة الثقافة الإسرائيلية في شعار الاحتفال تعبير "تحرير القدس"، وقاتلت الوزيرة ميري ريغيف Miri Regev لأجل ذلك.

مسيرة الرقص بالأعلام

تُعتبر "مسيرة الرقص بالأعلام" الاحتفالية الأبرز التي تتصدر عناوين هذا اليوم. تنطلق المسيرة عصراً من أمام "مقبرة مأمن الله" غرب البلدة القديمة، حيث أقيمت على جزءٍ من أنقاضها "حديقة الاستقلال" الإسرائيلية. يتجمّع المشاركون هناك، ويسيرون باتجاه "شارع رقم 1"، متجاوزين باب الخليل، مارّين بالباب الجديد، ومن ثم إلى باب العامود، حيث تحدث المواجهات والاحتجاجات الفلسطينية الأبرز ضدّ هذه الاحتفالية.

منذ عام 2012 تقريباً، يتجمّع الفلسطينيون عفويّاً على درجات باب العامود، شعارهم الأبرز "لا شرقية ولا غربية، هذي القدس عربية"، في محاولة للتصدّي لهذه المسيرة، وتعبيراً عن عروبة المدينة ووجود أهلها.

عاماً بعد عام، تتصاعد الإجراءات الأمنية الإسرائيلية حول باب العامود في هذه المناسبة، ويُمنع من لا يقطن في البلدة القديمة من دخولها، ويتم طرد المعتصمين وملاحقتهم بالخيّالة الإسرائيلية إلى الشوارع الفرعية القريبة، أو اعتقالهم. ينفضّ الجمع، يتفرّق في الأزقّة، ويعود للتجمّع مرةً أخرى. دعوات من السيدات بانقضاء هذا الغم، وهتافات متفرقة بحبّ القدس.

يتوجّه المستوطنون في مسيرتهم من خلال باب العامود، مارّين بـ"شارع الواد" إلى ساحة البراق، حيث تنتهي الاحتفالات هناك مساءً. تُنظّم هذه المسيرة الإسرائيلية الاحتفالية لذكرى المستوطن "يهودا حزاني" (1945 – 1992)، المبادر والمنظّم الرئيس للمسيرة على مدار سنوات طويلة، وأحد مؤسّسي جماعات "غوش إيمونيم" الاستيطانية، وعددٍ من المستوطنات في الضفّة الغربية.

يشارك في هذه المسيرة بالذات، أبناءُ التيّار القومي الديني، ممن يشكّلون النواة الأساسية لحركة الاستيطان اليوم في الضفة الغربية وحول القدس. يتخلّل المسيرة، رقصٌ بالأعلام الإسرائيلية، ومن هنا جاء اسمها، وهتافات مبجّلة للقدس ولـ"الهيكل"، وفي كثير من الأحيان هتافات مسيئة للإسلام وللنبي محمّد.

لا يوّفر هؤلاء أثناء مسيرتهم الاستفزازية في أزقة البلدة القديمة جهداً في تخريب ممتلكات المقدسيين، ولذلك عادةً ما يُغلّف تجار القدس أقفال محلاتهم التجارية بالأشرطة اللاصقة منعاً لتخريبها.

اقتحامات مكثّفة للأقصى

يشهد "يوم القدس" ومنذ ساعات الصباح الباكرة (7 صباحاً)، اقتحاماتٍ واسعة للمسجد الأقصى من قبل المستوطنين. يرى هؤلاء في هذا اليوم فرصة مواتية وضرورية، لتأكيد مطامعهم في المسجد الأقصى وتثبيت حضورهم فيه.

في "إيفنت" نشرته جماعات الهيكل على الفيسبوك، بُثّت دعاية على مدار الشهر الماضي لتحفيز المستوطنين لاقتحام الأقصى في هذا اليوم، تحت شعار "القدس بأيدينا، لكن جبل الهيكل ليس بعد". تُستخدم للدعاية صورٌ وفيديوهات يتحدث فيها رؤساء وحاخامات من المدارس والمستوطنات الدينية المختلفة، بعضها صوّر في الأقصى نفسه. هذا العام، وضعت جماعات الهيكل لنفسها هدفاً: أن يصل عدد المُقتحمين إلى 2000 مستوطن، بينما وصل عددهم في نفس اليوم العام الماضي ما يقارب الـ1000.

أوجه الاحتفال الأخرى

يتخلّل الاحتفال عادةً، سلسلة من الاحتفالات والفعاليات الرسمية والشعبية التي تتكرّر كل عام. هذا العام، تكتسب الاحتفالات بالذكرى الواحدة والخمسين، طابعاً مُكثّف الرمزية لكونها تتزامن مع الذكرى السبعين لتأسيس دولة الاحتلال (النكبة). وبما أن "يوم القدس" يُصادف يوم الأحد هذا العام، فإن الكثير من الاحتفالات الإسرائيلية بدأ مع عطلة نهاية الأسبوع، انطلاقاً من يوم أمس الجمعة.

على المستوى الرسمي، تنظّم في "يوم القدس" مراسم احتفالية رسمية بمشاركة رئيس وزراء الاحتلال ورئيس دولة الاحتلال، في متحف "تلة الذخيرة"، وهي تلّة تقع إلى الغرب من "الشيخ جرّاح"، كانت تأوي معسكراً أردنياً قبل الـ1967، وجرت في محيطها واحدةٌ من أشرس معارك النكسة.

سيُفتَتَح في ذات المتحف، معرضٌ تُعرض فيه أعلام إسرائيلية وصلت ممهورةً بتواقيع المؤيدين لدولة الاحتلال، والمهنئين لها بمناسبة الـ70 عاماً، من خارج "إسرائيل" وداخلها. من ضمن تلك الأعلام، ستُعرض الأعلام التي شهدت أحداثاً تاريخية "غيّرت وجه الدولة"، منها علم وحدة المظليين الذي رُفع أمام حائط البراق في يونيو/ حزيران 67.

لا تنتهي الاحتفالات عند ذلك، فهناك وسام "شخصية القدس"، أو بالإنكليزيةWorthy Citizen of Jerusalem، الذي يُمنح سنوياً بمناسبة "يوم القدس"، من قبل بلدية الاحتلال، "لشخصيات خدمت القدس وألهمت بعطائه الآخرين". سيمنح هذا الوسام هذا العام لـ12 إسرائيلياً "خدموا القدس" في النواحي الثقافية والدينية والتراثية والتعليمية والتسامح والبحث الأكاديمي.

كأداة في بناء الشخصية الصهيونية المرتبطة بالقدس كعاصمة، يتكثّف في هذا اليوم التجوال في المدينة، مستهدفاً بالذات الفئة الشابّة والجنود في جيش الاحتلال. تُنظّم الجولات جهات عدّة، منها وزارة التربية والتعليم التي تصطحب الطلبة، وبلدية الاحتلال، والكليات العسكرية، والمدارس الدينية اليهودية ومنظمات الشبيبة في المستوطنات، والمؤسسات ومراكز الأبحاث وغيرها. في هذا اليوم، تزدحم القدس بهؤلاء "المتجولين"، ويعمد بعضهم إلى إقامة حلقات الرقص والغناء في وسط البلدة القديمة عند مرورهم بأحياء العرب.

بموازاة ذلك، تفتح عدد من المتاحف الإسرائيلية أبوابها للزائرين مجاناً، وتُنظّم عروضاً وفعاليات خاصّة. منها متحف "أصدقاء إسرائيل"، ومتحف "قلعة القدس" (يُعرف إسرائيلياً بمتحف "برج داوود")، حيث سيستقبل الزوّار المحتفلين لبعض الوقت، رئيسُ بلدية الاحتلال نير بركات.

ستشهد ليلة السبت/ الأحد صلوات احتفالية، منها ما سيجري في مستوطنة "بيت أوروت" المقامة على أراضي جبل الزيتون، وذلك بمشاركة وزير شؤون القدس الإسرائيلي زيئيف ألكين ووزير الزراعة أوري أريئيل.

محطّات تاريخية

احتفل بـ"يوم القدس" للمرة الأولى في 12 مايو/ أيار عام 1968، بعد مرور عام واحدٍ على الاحتلال، وذلك في تجمّع أُقيم بالقرب من البلدة القديمة.

بعد مرور 30 عاماً، في 23 مارس/ آذار 1998 ثُبّت هذا الاحتفال رسمياً عن طريق قانون سُن في البرلمان الإسرائيلي، وهو قانون "يوم القدس"، وعرّفه كـ"يوم عيد وطني"، أو كـ"عيد للدولة".

في الذكرى الأربعين، في 16 مايو/ أيار 2007، أُقيمت الاحتفالات تحت شعار "شيءٌ مميّز لكل شخص"، وزُيّن شارع القدس – يافا (طريق رقم 1) بألوان العلم الإسرائيلي التي بقيت في مكانها على مدار العام. لكن شهر أيار المعروف بشمسه "غَدَرَ" المُحتفلين، إذ انقلب يومها الطقس فجأة بعد الظهر، لتتساقط على القدس زخات أمطار وبرد قوية، أدّت إلى إلغاء أغلب المراسم الاحتفالية.

في الذكرى الخمسين، العام الماضي، نُظمت الاحتفالات ومختلف الفعاليات على مدار عام تقريباً، منذ الإعلان عنها نهاية عام 2016، لتصل ذروتها في يونيو/ حزيران 2017، منها الاحتفال بافتتاح نفق جديد جنوب الأقصى، وماراثون رياضي تحت شعار "الخمسين عاماً"، وغيرها. كما صُمّمت لهذه الاحتفالية شعارات وتصاميم خاصّة، ورفعت بلدية الاحتلال 10 آلاف علم إسرائيلي في القدس، 3 أضعاف ما ترفعه عادة في هكذا مناسبة.

بعد نهار طويل من الضجيج والهتاف أمام باب العامود، تخلو الشوارع، ويسري ليلاً الهدوء، كأن عاصفةً مرّت من هنا وانقضت. يفتح هذا الهدوء المخلوط بالحزن والأمل باب التأمل: يبدو أن كثرة التأكيد على "القدس العاصمة"، والتعبير عن السيطرة رقصاً بالأعلام واللون الأزرق في كل مكان، انعكاسٌ لتسرّب القدس من بين أيديهم، القدس التي تنتظر "يوم القدس" الأخير.

هنادي قواسمي
صحافيّة

إقرأ أيضاَ