fbpx

كاميراتُ مراقبة فوق كاميراتِ الصحافة

كاميراتُ مراقبة فوق كاميراتِ الصحافة
(المصدر: Liberatemedia.com)

في اليوم الثاني من اعتقاله (31 يوليو/ تموز 2018)؛ كانت في انتظار الصحافيّ الفلسطيني قتيبة حمدان، عشرات الفيديوهات والصّور على شاشة حاسوب المحقّق الإسرائيلي في "معتقل عوفر".

أُخضِعَ حمدان لستّ جلسات تحقيق، شاهَدَ في أغلبها "أرشيفاً" موسّعاً يحوي فيديوهات وصور عالية الدقة، التُقِطَت له ولغيره من الصحافيين، أثناء تواجدهم وتغطيتهم لمواقع المواجهات بين الشّبان الفلسطينيين وقوات الاحتلال في الضفّة الغربيّة.

بوجود هذا "الأرشيف"، تبيّن لحمدان ولغيره من الصحافيين الذين اعتقلوا في نفس الفترة، أن جيش الاحتلال راقب تحرّكاتهم في أماكن عدّة لمدّة قد تصل حدّ 5 أشهر. بدايةً بطائِرَةِ تصويرٍ مُسيّرة، رصدت أماكن وقوفهم خلال المواجهات على مدخل مدينة البيرة الشمالي، مروراً بكاميرا صوّرتهم من فوق التلّة المقابلة لمكان وقوفهم، ومن ثمّ كاميرات أخرى تتابع حركتهم باتجاه مركباتهم للمغادرة، أو توجّههم لمتجرٍ قريبٍ، وصورٌ أخرى تُظهِرُهم على عتبات منازلهم.

جاء ذلك بعد حملة اعتقالات شنّتها قوّات الاحتلال ضدّ الصحافيين في الضّفة الغربيّة. اعتقل حمدان ليلة الثلاثين من يوليو/ تموز، مع ثلاثة صحافيين: علاء الريماوي، وحسني إنجاص، ومحمد سامي علوان.

بعد ذلك بأسبوع، اعتقل الصحافي إبراهيم الرنتيسي، مراسل قناة TRT التركيّة، والذي عمل سابقاً مراسلاً لقناة القدس. كما اعتقل في أغسطس/ آب الماضي الصحافي علي دار علي، مراسل تلفزيون فلسطين، بادّعاء "التحريض عبر الفيسبوك". لاحقاً، أُفرج عنهم جميعاً بكفالات ماليّة ولم تُقدّم ضدّهم لوائح اتهام (ما عدا علي دار علي).

في مطلع يوليو/ تموز الأخير، كان وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، قد أعلن عن حظر عمل قناة القدس الفضائية داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وتعرّض اثنان من العاملين معها للتحقيق.

رصد تحرّكات الصحافيين

بالعودة إلى ما عُرض أمام الصحافيين خلال اعتقالهم في يوليو/ تموز وأغسطس/ آب الماضيين، قد توحي للبعض تلك الكميةُ الكبيرةُ من الصور والفيديوهات في مختلف الأماكن، وبهذه الدقة العالية، بـ"رصد خارق" لتحرّكات الصحافيين، أو بامتلاك "دليل قويّ" ضدّهم.

يعرض المحقّقون تلك الفيديوهات "وكأنهم اكتشفوا أمراً خطيراً"، في حين أن مراقبة شخص يقوم بعمله بشكل طبيعي أمام الجميع، لا يُدَلِّل على قدرةٍ عاليةٍ بِقَدَرِ ما يُرَاد به الترهيب والإبهار والاستعراض.

يقول حمدان إنّ تلك الفيديوهات لا تعني شيئاً، "فنحن كصحافيين لا نختبئ أثناء عملنا، بل في أحيان كثيرة يأتي جنود الاحتلال للنظر في بطاقات عملنا الصحافيّة دون أيّ إجراء إضافي منهم".

بالاستماع إلى شهادات الصحافيين، يتّضح أنّ ما يُحرّك هذا الاعتقال هو انزعاج الاحتلال من الرسائل التي تبثّها بعض المنصّات الإعلامية، التي يعمل لصالحها هؤلاء الصحافيون.

تعمل هذه الفيديوهات لصالح ترهيب الصحافيين، وإيهامهم بأنّهم مُراقبون طول الوقت، في محاولة لإجبارهم على ممارسة "رقابة ذاتية" على أنفسهم. فيما يدخل هذا كلّه ضمن إطار عامّ عنوانه: محاربة أيّ رسالة إعلامية فلسطينية، بحسب ما يوضحه الصحافيون ومحاميهم خالد زبارقة.

حجّة "التحريض" أو الخوف من التعبئة

علاء الريماوي، الذي كانت إحدى شروط الإفراج عنه في 21 أغسطس/ آب الماضي، ألّا يتحدّث إلى وسائل الإعلام لمدّة شهرين، نَقَلَت عنه عائلتُه قول أحد المحقّقين: "سَنُرّبي من خلالكم بقيّة الصحافيين، وستَحسِبُ وسائلُ الإعلام الحسابَ لما ستخسره قبل أن تنشرَ أو تَغطّي أيّ حدث".

الصحافي محمد سامي علوان سمع تهديداً مشابهاً. أخبره المحقّق الإسرائيلي أنّهم يرصدون المضامين الصحافيّة في القنوات الفلسطينيّة والعربيّة، وأنه وفقاً لهذا الرصد، بَلَغَ عددُ "المخالفات" لما يُسمّونه إسرائيلياً: "التحريض"، قرابة الـ400 "مخالفة" يومياً.

الرسالة ذاتها سمعها إبراهيم الرنتيسي، مراسل قناة TRT التركيّة، حول وجود جهاز مختصّ بمراقبة وسائل الإعلام التي تبثّ أخبار المواجهات والنضال في فلسطين.

تشمل هذه "المخالفات" حسب وصف المحقّقين الإسرائيليين، مجرّد قيام الصحافي بتصوير المواجهات مع جنود الاحتلال، أو نقل ما يجري في القدس والأقصى، أو تغطية جنازات الشهداء، على اعتبار ذلك "تعبئة وإشعالاً" للمظاهرات، وأنّ بثّها على المباشر يعني "دعوة غير مباشرة للنزول إلى الشارع"، وأنّهم لا يريدون هذا "العدد الكبير" من الصحافيين في تغطية الأحداث.

كما شملت "المخالفات" اللغة الإعلامية المستخدمة من قبل الصحافيين، كاعتبار استخدام تعبير الشهيد "تحريضاً" وتمجيداً للفعل المقاوم.

يضيف المحامي زبارقة بأن بعض المحقّقين كانوا يطلبون من المعتقلين تشخيص صحافيين آخرين، عن طريق الإشارة إلى أشخاص في الفيديوهات والسؤال عنهم. ممّا قد يعني محاولة سلطات الاحتلال جمع ما يكفي من "الأدلّة القانونية"، لاستخدامها حينما تتاح له الفرصة ضدّ الصحافيين في المحاكم.

استهدافات ما بعد الهبّة

لا تنفصل هذه التهديدات والاعتقالات عن سياق الهبّة الشّعبية المستمرّة منذ عام 2014، بالموازاة مع أسر المستوطنين الثلاثة، والعدوان على قطاع غزة. إذ بدأت سلطات الاحتلال بعد هذه الهبّة، وخاصّة في القدس، بـاعتقال الفلسطينيين، الصحافيين وغيرهم، تحت تهمة جديدة: "التحريض على الفيسبوك". لاحقاً، ومع تصاعد الهبّة الشعبيّة، استهدف الاحتلال منصّات إعلامية تُؤازر في مضامينها هذه الهبّة وتدعمها.

في يونيو/ حزيران 2014، وبالتزامن مع أسر المستوطنين الثلاثة، أغلق جيش الاحتلال مكاتب شركة "ترانس ميديا"، المزوّد الرئيس لخدمات الإنتاج لقناة الأقصى، في مدينتي رام الله والخليل، وصادر معدات البث. في أكتوبر/ تشرين الأوّل ونوفمبر/ تشرين الثاني 2015، أغلق الاحتلال ثلاث إذاعات محليّة في الخليل، المدينة التي شهدت أعلى رقم لعمليات الطعن وإطلاق النيران، وهي إذاعة منبر الحرية، وصوت الخليل، و"دريم"، والحُجّة كانت جاهزة: "التحريض".

في مارس/ آذار 2016 أغلق جيش الاحتلال مكتبَ قناة "فلسطين اليوم" في رام الله واعتقل موظفين اثنين من طاقمها، بعد قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر في 11/3/2016 إغلاق محطّات تلفزيونية فلسطينية بحجّة ما يُسمّيه "التحريض"؛ في أعقاب تزايد وتيرة العمليات الفدائية.

في أغسطس/ آب 2016 أغلق الاحتلال إذاعة السنابل في دورا، جنوبي الخليل، واعتقل خمسة من طاقمها (حكم عليهم لاحقاً بالسجن فترة تصل العامين). وفي العام 2017 أغلق الاحتلال مجدداً إذاعة الحرية، بالإضافة إلى تلفزيون النورس في الخليل.

كما شهد عام 2017 إغلاق المكاتب التابعة لثلاث شركات خدمات إعلامية في الضفّة (بال ميديا، وترانسميديا، ورامسات)، والتي تزوّد بالصور عشراتِ المحطّات التلفزيونية، أهمّها قناتي القدس وفلسطين اليوم، فيما اعتقل اثنان من شركة ترانسميديا.

في العام الحالي أغلق الاحتلال مؤسسة إيلياء للإعلام الشبابي في القدس، وحظر عمل قناة القدس الفضائية في مدينة القدس والأراضي المحتلة عام 1948.

تأتي خطوة استهداف القنوات العاملة من خارج فلسطين أو داخلها، بالتوازي مع الجهد الدعائي الكبير الذي تبذله مختلف أجهزة دولة الاحتلال، من أجل اختراق الوعي العربيّ والفلسطينيّ والتأثير فيه، وبثّ الدعاية الإسرائيلية. تكمن أبرز تمظهرات ذلك، في تكثيف النشر باللغة العربية على منصات الإعلام الاجتماعي، من قبل متحدّثين ومسؤولين إسرائيليين.

إن كانت "إسرائيل" قد عُرفت بالذات بجهودها الدعائية "الهسبراه" نحو الغرب، فهي اليوم تلتفت كذلك إلى جمهور أوسع يشمل الفلسطينيين أنفسهم، والعرب، في محاولة لصياغة خطاب يعمل بالتوازي مع الاستهداف الماديّ كالاعتقال أو القتل.

جهاد بركات
صحافيّ فلسطينيّ

إقرأ أيضاَ