12 أكتوبر 2020

غزّة والصيد المُلَغَّم.. هكذا نُحاصَر في بحرنا

غزّة والصيد المُلَغَّم.. هكذا نُحاصَر في بحرنا

فجر يوم الجمعة 25 سبتمبر/أيلول، وعلى بعُد 15 ميلاً من شاطئ غزة الجنوبيّ، كانت مجموعةُ قوارب صيدٍ فلسطينيّة، تمارس عملها قرب المياه الإقليميّة المصريّة. حسب الرواية المتداولة، جَنَحَتْ بعضُ هذه القوارب إلى مسافةٍ محدودةٍ داخل المياه المصريّة، فهاجمتها قواتُ البحريّة المصريّة. تمكنت القواربُ من الهرب، إلّا قارب واحد خَذَلَهُ مُحَرِّكُه الضعيف، فداهمتْ صلياتُ الرصاص طاقمه.

يعمل على ذلك القارب ثلاثةُ أشقاء من عائلة الزعزوع من دير البلح وسط القطاع: حسن (26 عاماً)، ومحمود (20 عاماً)، وياسر(18 عاماً). ظلّ مصيرهم مجهولاً حتى كُشف في مساء اليوم التالي استشهاد حسن ومحمود، وإصابة ياسر بجروح. لاحقاً، أُفرج عن جثمانيْ حسن ومحمود، فيما ظلّ ياسر محتجزاً لدى  السّلطات المصريّة حتى اليوم.

أعادت حادثة الأشقّاء الثلاثة إلى الضوء معاناة صيادي القطاع وما تتعرّض له مهنة الصيد من تضييقات إسرائيليّة، تحديداً منذ منتصف التسعينيّات، وما تتعرّض له من تضييقات مصريّة منذ عام 2013. 

"قبل أن يتسلَّح السمك"

يُشكّلُ قطاعُ الصيد في قطاع غزّة ما يقارب 15% من إجمالي ناتج الاقتصاد فيه. بحسب جهاد صلاح، مدير دائرة الثروة السمكيّة في وزارة الزراعة في غزّة، فإنّ مهنةَ الصيد وما يتصل بها من مهنٍ فرعيّة تُشكّل مصدرَ رزقٍ لما يقارب 35 ألف عائلة فلسطينيّة. وفوق ذلك كلّه: يُعتبرُ السّمك أهمّ وأشهى وجبةٍ على موائد الغزيّين.

إلا أنّ الـ15% هي حدُّ المساهمة الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه في ظلّ الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع. وهي نسبة خاصعةٌ للنقصان بشكلٍ مستمر تبعاً للتطورات الميدانيّة وما ينتج عنها من تقييدٍ إسرائيليّ لمسافة الإبحار والصيد. في العامين 2018-2019 مثلاً، وبينما كانت مساحة الصيد المسموح بها لشهور طويلة هي ستةُ أميال فقط، كانت نسبة مساهمة قطاع الصيد نحو 4% فقط من إجمالي ناتج الاقتصاد.

لم يكن الحال كما هو عليه اليوم. يقول صيّادو غزّة إنّ الفترة ما بين نهاية عقد الخمسينيات حتى تسعينيات القرن الماضي شهدت انتعاشاً كبيراً في قطاع الصيد، خاصّةً أنّه كان من المتاح الإبحارُ في البحر إلى مسافة تقارب الـ90 ميلاً بحريّاً. وفي بعض الأحيان كان الصيادون يصلون إلى بحيرة البردويل، بالقرب من العريش، وهي أحد أهمّ مصادر الثروة السمكيّة في مصر.

وفي إشارة إلى الفارق بين الماضي والحاضر، يُسمّي رشاد الهسي (76عاماً)، والذي يعمل صياداً منذ ما يزيد عن 60 عاماً، تلك الفترة بـ:"ما قبل أن يتسلّح السمك"، أي قبل أن يُصبح صيدُ السمك مهنةً خطرةً تُكلّف الصياد حياته. يستذكر الهسي تلك الفترة ويقول إنّ الصيادين كانوا فيها "ملوك البحر، يسرحون ويمرحون في المساحات، وكان المحصول يصل في يومٍٍ واحدٍ من العمل إلى 60 طناً، ولا يقلّ عن 10 أطنان بالمجمل".

يُضمر الهسي ضحكةً صغيرة، ويضيف: "يعني أضعاف شغل كلّ صيادين غزّة في الوقت الحالي". يتفق معه الصياد أبو حسن مقداد (55 عاماً)، والذي يُقرّب الأمر كالتالي: "كان تحصيلُ المركب الواحد في تلك الفترة كافياً لتغطية حاجة مخيم الشاطئ بأكمله. اليوم، محصول كل مراكب غزّة يوازي محصول مركب أو مركبين من أيام زمان". 

"أوسلو".. التحول الصعب

يُشير كثير من الصيادين إلى اتفاقية أوسلو باعتبارها نقطة تحوّل أساسية بدأ بعدها التضييق يطال مهنتهم، بسبب تقليص مسافة الإبحار المسموح بها. وفقاً للاتفاقية، حدّدت "إسرائيل" المسافة البحريّة المسموحة للصيد بـ20 ميلاً بحريّاً. لكن حتى هذه المسافة لم تجد طريقها للتنفيذ، ففي كثير من الأحيان، لم تسمح سلطات الاحتلال للصيّادين بالإبحار أكثر  من 12 ميلاً بحريّاً. 

عن مرحلة ما بعد "أوسلو"، يروي الصياد مقداد أنّ "حصر المسافة من جهة، وزيادة أعداد الصيادين من جهة، حوّلا المهنة إلى مصدرٍ غير مربح أو مُجدٍ"، فاضطر إلى بيع مركبه، ثمّ عاد بعد فترة قصيرةٍ للعمل مع الصيادين بنظام الأُجرة اليوميّة.

شكّلت اتفاقية أوسلو إذن بداية تحوّلٍ صعب في المهنة. ثمّ تضاعفت التضييقات الإسرائيليّة مع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، بتضييق مسافة الصيد إلى 6 أميال، أو 3 أميال في بعض الأحيان. أدّت هذه التضييقات إلى الإجهاد الصيديّ للثروة السمكيّة، وهي ظاهرة تحدث عند تزايد عمليات الصيد في منطقة محصورة ومحددة. 

بالتالي، تناقصت كميات الصيد بشكلٍ كبيرٍ؛ في العام 2000 بلغت كمية الأسماك المُصطادة نحو 2,624 طناً، فيما تناقصت إلى 1,507 طناً عام 2003. وبينما بلغ عدد العاملين في قطاع الصيد عام 2000 ما يقارب 10 آلاف فلسطينيّ، انخفض إلى نحو 2305 فقط من العاملين عام 2002. 

الانسحاب الإسرائيليّ وتشديد الحصار

بعد الانسحاب الإسرائيليّ من قطاع غزّة عام 2005، ومن ثمّ تشديد الحصار عليه عام 2007، شدّد الاحتلال من قبضته على منافذ القطاع البحريّة والبريّة. منذ ذلك الحين، تعرَّض القطاع لثلاثة حروب أساسيّة، وعشرات جولات التصعيد، والتي تخللتها تقييدات فيما يخصّ مسافة الإبحار المسموحة للصيادين. 

منذ العدوان على غزّة نهاية عام 2008، وحتى عام 2018،  قلّص الاحتلال المسافة لتتراوح بين ثلاثة إلى تسعة أميال على الأكثر. كما لم تتوانى البحريّة الإسرائيليّة في استهداف الصيادين، واعتقالهم من عرض البحر، ومصادرة مركباتهم. في العام 2016 مثلاً، اعتقل الاحتلال الإسرائيلي 113 صياداً، وصادر كذلك 28 قارباً، واستُشهِد ثلاثة صيّادين برصاص الاحتلال في الأعوام الخمسة الأخيرة.

كما شدّد الاحتلال الرقابة على دخول المواد الخام الضروريّة لبناء قوارب الصّيد وصيانتها، وخاصّة تلك المصنّفة بـ"ثنائيّة الاستخدام"، مثل مادة الألياف الزجاجيّة "Fiberglass"، ومحرّكات المراكب، والأسلاك المستخدمة في أعمال الصيد أو الشبكات، وغيرها من المواد.

اقرأ/ي المزيد: "المسموح والممنوع.. معابر تُحاصر غزّة".

وكبقيّة القطاعات، وجد قطاع الصيد متنفساً لبعض أزماته ما بين العام 2008 و2013 من خلال الاعتماد على الأنفاق التجاريّة مع مصر. حسب الصيادين، أُدخلت عبر هذه الأنفاق المواد المطلوبة لترميم المراكب، كمادة الألياف الزجاجيَّة، والأسلاك المجدولة، والشبكات والمُحرِّكَات. 

وكذلك، خلال الفترة من 2011 وصولاً إلى فترة رئاسة محمد مرسي، تساهلت البحريّة المصريّة مع الصيّادين الفلسطينيين؛ فلأكثر من عاميْن، كان الصيادون في غزّة يلقون شباكهم في المياه المصريّة القريبة من الحدود، بشكلٍ متقطع ودون غطاءٍ رسميّ، هرباً من شحّ الأسماك، وضيق مسافة الـ6 أميال المسموحة.

إبان تلك المرحلة (2011-2013)، انتعشت قوارب الصيادين بكميات كبيرة من الأسماك عالية القيمة (النخب الأول)، إذ جرى صيد ما مجموعه خلال هذه الأعوام 180 طناً من سمك البوري في المياه المصريّة على مدى 12 ميلاً بحريّاً، بالمقارنة مع 21 طناً من هذا النوع الذي صِيدَ في بحر غزة، على مدى ستة أميال بَحريّة خلال الفترة نفسها. 

اقرأ/ي المزيد: "أنفاق رفح التجارية.. الحفر من أجل البقاء".

لكن حتى هذه الانفراجة المحدودة في الأسماك عالية القيمة، لم تمثّل مساعدة حقيقية للصيّادين. أولاً، لأنّها لم تستمرّ لفترة كبيرة. وثانياً، لأنّها أسماك مرتفعة الثمن بالنسبة للناس في غزّة، ولأنّ التسويق إلى الضفّة الغربيَّة والداخل كان ممنوعاً في تلك الفترة- واستمرّ المنع حتى 2018- فاضطر الصيّادون إلى بيعها بأسعارٍ متدنيَّةٍ في القطاع.

"مصر التي في خاطرنا ورصاصها في دمنا"

ما بين الاعتماد على الأنفاق التجاريّة، والإبحار بقيود مخفّفة في المياه المصريّة، خفّف الصيّادون بعضاً من مشاكلهم في ظلّ الحصار الإسرائيليّ. غير أنّ ذلك تبدّل سريعاً عقب الانقلاب على مرسي عام 2013. انعكس تغيّر النظام المصريّ بشكلٍ حادّ على غزّة. 

في الإعلام، شهدنا حملة تحريض إعلاميّة في القنوات المصريّة، واتهامات غير مسبوقة ضدّ غزّة، منها مثلاً اتهام "حماس" باقتحام السجون المصريّة، وادعاء مشاركة عناصر من غزّة في مهاجمة الجيش المصريّ في سيناء. ووصلت موجة التحريض إلى حدّ الدعوات إلى توجيه ضربة عسكريّة للقطاع. وعلى أرض الواقع، ساهمت مصر في تشديد الحصار بدءاً من تدمير الأنفاق وإغراقها بالمياه، ومروراً ببناء سياجٍ حدوديٍّ عميق على طول حدود غزّة مع سيناء، وصولاً إلى التضييق المصريّ غير المسبوق على الصيادين في البحر.

ماذا يملك الصيَّادون أمام ذلك؟ بالعودة إلى ما حدث مع الأشقاء الثلاثة، فإنّ قاربهم جنح إلى المياه المصريّة لدى تتبّعهم تجمّعات السمك، وإثر ذلك تعرّضوا لإطلاق النار. هذه الرواية ليست الأولى من نوعها عند الصيادين، إذ برزت عادةُ تتبع الأسماك عند الحدود الأمنيّة لدى الصيادين إثر قلّة الأسماك في المساحة المسموحة لهم، وفي ظلّ تشكّل مناطق محمية داخل المساحات الأمنيّة الممنوعة عليهم، وتحوّلها إلى بيئة جيدة لتجمّع الأسماك وتكاثرها.

يجازف الكثير من الصيادين في الاقتراب من هذه المناطق بغية جذب الأسماك، أو الوصول إليها، الأمر الذي يفضي في النهاية إلى تعرّضهم للإصابة أو الموت، أو الاعتقال في أحسن الأحوال، وفي حالات مختلفة، كانت هذه المساحات مبرّراً لاستهداف الصيادين.

خلال الأعوام 2015-2020، استهدفت البحريّة المصريّة عشرات القوارب الفلسطينيّة في عُرض البحر. وبحسب نقابة الصيادين، فقد استشهد في هذه الفترة 5 صيادين فلسطينيّين برصاص البحرية المصريّة، بعضهم جرى استهدافه داخل المياه الفلسطينيّة. وتُلاحَظ بشكلٍ جليّ في هذه الحوادث حالةُ العدائيَّة المفرطة تجاه الصيادين، إذ يجري الحديث هنا عن مراكب بسيطة غير مُجهّزة بالتقنيات المتطورة تقابلها زوارق عسكريّة.

بالمحصّلة، أخرجت هذه الظروف مجتمعةً مراكبَ عديدة من الخدمة، وانخفض على إثرها عددُ العاملين في قطاع الصيد. لا يزيد عدد الصيادين اليوم- أيْ في أكتوبر/تشرين الأوّل 2020- عن 2500 صياد، فيما يصل عدد المُعطَّلين عن أعمالهم في الصيد، غالباً بسبب تعطّل المراكب، إلى حوالي 1500 صياد، وذلك بحسب مسؤول لجان الصيادين في غزّة، زكريا بكر.1بحسب بكر، فإنّ أعداد الصيادين تقلّ في الأيام العادية إلى ما دون الـ2500 صياد، وأن الارتفاع الحالي يعود إلى موسم الصيد، الذي يبدأ نهاية سبتمبر/ أيلول، ويستمر حتى مطلع نوفمبر/تشرين الثاني). كما أدّت هذه الظروف إلى انخفاض في الإنتاج، ففي حين تحتاج غزة إلى نحو 6 آلاف طن من الأسماك سنوياً، وصلت كمية الأسماك المصطادة عام 2019 إلى 3794 طنّاً فقط، وفقاً لوزارة الزراعة

عقدان من التدمير: لا جدوى من الـ15 ميلاً 

بموجب تفاهمات التهدئة مع المقاومة، سمح الاحتلال في أبريل/نيسان 2019، وللمرّة الأولى منذ فرض التقييدات عام 1995، سمحَ لصيّادي غزة بالإبحار إلى مناطق الـ15 ميلاً من منطقة وادي غزّة شمالاً حتى بحر رفح جنوباً، فيما أبقى على مسافة الـ6 أميال من شمال القطاع إلى منطقة مرفأ الصيادين، وسط غزة. بعد قرابةِ عقدين من المنع وتدمير المراكب، لم يكن قرار السماح بالصيد حتى 15 ميلاً ذا جدوى بالنسبة للصيادين، لأنه يقتصر بشكلٍ رئيسي على المنطقة الجنوبيّة لغزة، فقط. فمن يهرب من الزوارق الإسرائيليّة شمالاً يجد الزوارق المصريّة تترقبه جنوباً. 

يقول الصياد مقداد إنّ المساحة التي تقتطعها "إسرائيل"، من الشمال ووسط القطاع، هي بيئة مهمة للأسماك. لكنّنا الصيّادين محرومون من الوصول إليها. مضيفاً: "قواربنا أصلاً لا تستطيع الوصول إلى عمق 15 ميلاً بحرياً، بسبب ضعف محرّكاتها وحاجتها لمواد الترميم والشِباك المناسبة، وتأهيلها للإبحار في ظروف الطقس المتقلّبة". ويشير  إلى أنّ غالبية الصيادين يعملون بلا أجهزةٍ لتحديد الموقع أو أداواتٍ مساعدة كأجهزة كشف تجمّعات السمك، وهذا ما يعوّق عملهم أو يعرّض حياتهم للخطر، ودخول المناطق الممنوعة.

في الختام، لا يمكن فصل تدمير قطاع الصيد عن السياق العام لسياسة الاحتلال تجاه غزّة. على مدى عقدين، سعى الاحتلال إلى تدمير كل القطاعات الحيوية التي تؤثر بشكلٍ أساسي على معيشة الناس. وضمن ذلك، راكمَ تدمير مهنةِ الصيد عاماً تلو العام، ليضيف إليها مؤخراً، مزيداً من التعقيد، ويطوعها كورقة ابتزاز مضاعفة في وجه غزّة والمقاومة. إذ عقب كلّ توترٍ ميداني، يعلن الاحتلال تقييد مساحة الصيد أو إغلاق البحر في وجه الصيادين، وهو ما يحرم آلاف العائلات من مصدر رزقها، لأنّه وبكلّ بساطة ذراعٌ تلويها "إسرائيل".



27 مارس 2019
مخيم شاتيلا أو مجزرة كل يوم

مخيم شاتيلا الذي كان للاجئين الفلسطينيين، تحول إلى مساحة مختلطة المعالم من الهويات والجدران، يخيم عليها ضجيج الأماكن الضيقة وصراخ…