19 سبتمبر 2020

غزّة.. مدينة المولدات التجاريّة

غزّة.. مدينة المولدات التجاريّة

إنْ مشيتَ في شوارع مدينة غزّة، ستسمع في كثيرٍ منها أصواتاً مزعجة، تصدر من أجهزة متوسطة وكبيرة الحجم، قد يصل طول أغلبها إلى 5 أمتار، وارتفاعها إلى 3 أمتار، تأخذ حيّزاً من شارعٍ أو رصيفٍ أو أرضٍ مُحاذية لهما. 

إنّها مولّدات كهربائيّة تجاريّة تملأ الأحياء السكنيّة والمناطق التجاريّة، تخرج منها كوابل مُتّصلة مع أعمدة الكهرباء، مُتعدّية على خطوط شركتيْ الكهرباء والاتصالات، لتوّفر التيار الكهربائي في أوقات انقطاعه من المصادر الرئيسية. سترى أيضاً حارساً على هذه المولّدات، يُراقب حاجتها للوقود أو للإصلاح في حال حدوث أيّ عُطل، ويُراجع المُشتركين حسب استهلاكهم، والذي يُحتسب من خلال عدّادات قراءة. 

في الأسبوعين الأخيرين، أُثيرت قضيةُ هذه المولدات الكهربائيّة من جديد. كانت رابطة أصحاب المولدات قد أصدرت في نهاية أغسطس/ آب الماضي قراراً بتخفيض سعر الكيلوواط الواحد إلى ثلاثة شواكل ونصف الشيكل، بدلاً من 4 شواكل، "مراعاةً لظروف القطاع". تلا هذا قرارٌ آخر من سلطة الطاقة في غزّة، يُلزم أصحابَ ومُشغلي المولدات ببيع الكيلوواط الواحد بتسعيرةٍ ثابتة، وهي شيكلين ونصف، وذلك بدءاً من شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.

في المقابل، اعترضت الرابطة وعلّقت تزويد الكهرباء عبر مولداتها لفترة وجيزة، فيما بدأت شرطة غزّة الخميس الماضي بتوقيف بعض أعضاء الرابطة المعترضين.

ثلاثة خطوط كهرباء، وانقطاع 12 ساعة

تعود قصّة المولّدات الكهربائيّة إلى ما قبل 14 عاماً، فمنذ أن بدأ الحصار الإسرائيليّ عام 2006، وقطاع غزّة يُعاني من أزمة خانقة ومُتجدّدة في البنية التحتيّة المتعلقة بالكهرباء، وبدرجة أقلّ في الوقود. 

يعتمد وصل التيار الكهربائيّ في غزّة على ثلاثة مصادر أساسية. أوّلاً الخطوط المصريّة، وتوفّر 23 ميجاواط تتعرّض لانقطاعات دائمة. ثانياً؛ خطوط شركة الكهرباء الإسرائيليّة التي توفّر 120 ميجاواط، يخصم الاحتلال ثمنها من عائدات الضرائب على السُلطة الفلسطينيّة. أمّا محطّة توليد الكهرباء في غزّة، فهي شركة مُساهمة عامة توفّر ما لا يتجاوز 80 ميجاواط، تبيعها لسلطة الطاقة الفلسطينيّة، فتوزّعها بدورها على السكّان. عام 2017، بلغ احتياج السُكّان في قطاع غزّة من الكهرباء بين 450- 600 ميجاواط في اليوم، بينما لم يتوفّر منها إلا 223 ميجاواط.



في أوقات الحروب كان التيار الكهربائيّ في غزّة ينقطعُ ساعاتٍ وأيّام دون موعدٍ مُحدّد سلفاً. وفي الأوقات "العادية"، تكون الانقطاعاتُ محددةً ضمن جداول عمل تُعلنها شركةُ الكهرباء. تُقسّم هذه الجداول الأيام إلى ساعات وصل، وساعات قطع، وغالباً ما تكون 6 ساعات وصل، تليها 12 ساعة قطع، وهكذا. وفي أفضل الحالات، تكون 8 ساعات وصل، و8 ساعات قطع، وهكذا.

هذا هو حال القطاع بشكلٍ عام، وفي حال قررت سلطات الاحتلال إغلاق حاجز كرم أبو سالم وإيقاف إدخال الوقود اللازم لتشغيل محطة الكهرباء، كما حصل في التصعيد الأخير في أغسطس/ آب الماضي، فإن ساعات وصل التيار لن تزيد حينها عن 4 ساعات في اليوم.

وفي ظلّ هذا النقص في الكهرباء في مقابل الاحتياج المتصاعد لها، لجأ النّاس إلى وسائل مختلفة، كان أبرزها الشّموع. وقد خلقت الشموع مأساة أخرى، فمنذ قصف محطة الكهرباء عام 2006 حتى ديسمبر/ كانون الأول 2018، توفي جراء استخدام الشموع للإنارة، وما سبّبته من حرائق، 32 فلسطينياً وفلسطينيّة، وأصيب العشرات. آخر تلك الحوادث الأليمة ما وقع في مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري، قضى إثره ثلاثة أطفال من عائلة الحزين في مخيم النصيرات. من هذه الأزمة الحقيقيّة في خدمات الكهرباء، برزت ظاهرة المولّدات التجاريّة. 

مصائبُ قومٍ عند قومٍ مولّدات

ظهرت المولدّات الكهربائيّة التجاريّة في القطاع أواخر عام 2009. وكانت تقتصر في تزويد الكهرباء على الأسواق التجاريّة عبر اشتراكات شهريّة، قبل أن تنتشر وتُزود أحياء سكنيّة بالكهرباء لساعاتٍ طويلة ومنتظمة بحلول عام 2012.

شيئاً فشيئاً، أصبح شراء المولّدات الجديدة أو المستعملة وتشغيلها عنواناً بارزاً للاستثمار لدى عديد من المقتدرين ماليّاً. في عام 2014 مثلاً، دخل القطاع 4160 مولّداً كهربائياً. تشبّع سوق القطاع نتيجةً لهذا الإقبال الشديد على الاستثمار في المولّدات، فانخفض عدد المولدات التي استوردت عام  2018 ليصل إلى 200 مولّد.

كان استيراد الشموع وكشّافات الإنارة دافعاً لبعض أصحاب الخبرة من التُجّار أو العاملين في مجال الكهرباء للهيمنة على السوق المحلّي، والاستفادة من أزمة الكهرباء مادّياً. لكنّ المولّدات التجاريّة جاءت لتُقدّم أفضليّة استثماريّة على ما سبق، بحكم أنّها لا تحتاج إلى خبرة، ولا تتصل بسلاسل التوريد، ولا تستلزم شراء بضائع بكمّيات كبيرة وترويجها وتكديسها، كما تبتعد عن الصدام المُباشر مع السيف الضريبي للحكومة، بالإضافة إلى مردودها المُجدي ماليّاً، إذْ لا يبدو أنّ أزمة الكهرباء ستختفي عمّا قريب.

اقرأ/ي أيضاً: غزّة.. حصارٌ على الافتراضي أيضاً

وتبدو هذه الشبكة من المولّدات كما لو أنّها شبكة كهرباء موازية للشبكة الرسميّة، فتعمل ساعاتٍ طويلة خلال القطع الكهربائيّ، وتظهر بمظهرٍ مُنظّم ومُمأسس، فلديها رابطة تُنظّم عملها وناطق يُصرّح باسمها، وتعتمد عليها الكثيرُ من البيوت والمنشآت التجاريّة. لم تسلمْ إذاً حاجة النّاس الأساسية والمُلحة للكهرباء من تحوّلها إلى استثمارات أفراد ورجال أعمال، بعضهم محسوب على فصائل فلسطينيّة، هدفهم الأساسي الربح، وبيع خدماتهم بأسعار مُرتفعة.

تكلفة عالية

ورغم أنها تُقدّم حلّاً مؤقتاً- أو تأجيلاً- لأزمة الكهرباء، إلا أنّها ليست متاحة للسواد الأعظم من الناس، إذ يُقدّر عدد المستفيدين منها حتى الآن بحوالي 60 ألف مشترك فقط. أما غيرهم، فيلجأون للشموع ومصابيح الكاز وشبكات الإنارة الداخليّة للبيوت عبر البطاريات، وأحياناً وحدات تخزين الطاقة (UPS).  كما أنّ المولدات حلّ باهظ الثمن، إذ يُكلّف الكيلو واط الواحد عبر الموّلدات 4 شواكل (قبل التسعيرة المعدلة)، بينما يُكلّف الكيلو واط الواحد من خلال شركة الكهرباء حوالي نصف شيكل، أي بزيادة تصل إلى ثمانية أضعاف.

وقد دفعت التكلفةُ الباهظة للاشتراك في المولّدات التجاريّة المُشتركين إلى الترشيد في استهلاكهم للكهرباء. إذ يكتفي الكثيرون من كهرباء المولّدات بالإنارة ومشاهدة التلفاز وشحن الهواتف المحمولة وتشغيل أجهزة الاتصال بالإنترنت، فيما تبقى الأجهزة الكهربائيّة التي تستهلك مصروفاً مُرتفعاً من الكهرباء خارج نطاق الاستفادة من المولّدات. 

وحول الأسعار المُرتفعة للاشتراك في المولّدات، صرّح الناطق باسم رابطة أصحاب المولّدات التجاريّة في قطاع غزّة، حسام الموسة، أنّ تكلفة إنتاج الكيلوواط من الكهرباء تصل إلى ثلاثة شواكل ونصف الشيكل، وتشمل تكلفة الوقود والصيانة ورواتب العُمّال. وأما النصف شيكل المُتبقية (من أصل التسعيرة الأصلية= 4 شواكل)، فإنّها هامش الربح لصاحب المولّد. لم يمضِ على تصريح الموسة هذا سوى بضعة أيّام، حتى خرج بتصريحٍ مُناقض للأوّل، مُعلناً عن تخفيض أسعار الكيلوواط إلى ثلاثة شواكل ونصف، وذلك لمدة شهر واحد فقط، بسبب ظروف التصعيد الإسرائيلي الأخير. وهو ما يطرح الأسئلة حول حقيقة التكلفة ودرجة الربح.

وبحسب مهندسين كهربائيين، فإنّ تكلفة إنتاج الكيلوواط الواحد عبر المولدات هي 1.48 شيكل، على اعتبار أن الكيلو واط يحتاج إلى 0.2 لتر من السّولار، وهو ما يُكلف 0.98 شيكل، تُضاف إليها بعض المصاريف التشغيليّة، ليصبح المبلغ ما يقارب الشيكل والنصف، أي أنّ بيع الكيلو واط الواحد بسعر 2.5 شيكل يعني تحقيق نسبة أرباح تصل إلى 70%. 

الحكومة وأصحاب المولّدات: صدام مؤجل؟

تستجيب الحكومةُ لبعض شكاوى شركة الكهرباء وشركة الاتصالات، والتي تعتدي المولّدات التجاريّة على خطوطهما من أعمدة الكهرباء. فضبطت 4 حالات سرقة من الشبكة العامة، ونُفّذت قرارات بإزالة بعض المولّدات. وفي ظل ذلك، تحقق المولّدات للحكومة وجهيْ استفادة: أنّها تُشكّل حلّاً جزئيّاً لأزمة الكهرباء التي تخنقها، كما أنّها تُشكّل لها مصدراً ماليّاً من خلال الضرائب التي تجنيها على الوقود اللازم لتشغيل المولدات، والذي وصل استهلاكه الشهري إلى حدود 2 مليون لتر من السولار.

وقد أثير ملف المولدات مسبقاً مطلع العام الجاري، حينما صدر قرارٌ حكوميٌّ في غزّة لوضع ضوابط ومعايير للتحكّم في آلية عمل المولّدات التجاريّة وانتشارها. يفرض القرار على أصحاب المولّدات فتح سجل تجاريّ وملف ضريبيّ وأخذ موافقات خطية من شركة توزيع الكهرباء والدفاع المدني وسلطة البيئة. إضافة الى الحصول على رخصة حرفة من البلديات، التي وضعت رسوماً ضريبية تتدرّج من 1050 شيكلاً حتى 2050 شيكلاً، حسب حجم المولد المطلوب ترخيصه. إضافة إلى تركيب عدّادات كهرباء على المولدات، ودفع ضريبة قدرها ديناران لكلّ كيلو فولت/ أمبير لسلطة الطاقة. 

يضم القرار أيضاً بنوداً تتعلّق بالأمن والسلامة وابتعاد المولّدات عن الأماكن السكنيّة ومنع الضجيج والتلوّث الصادر منها، ومُلكيّة الأراضي التي توضع فيها، إضافة إلى حزمة ضرائب ورسوم جديدة. في مقابل هذا القرار، هدّد الناطق باسم رابطة أصحاب المولّدات الكهربائيّة بأنّهم عازمون على فصل الخدمة في حال مضيّ الجهات الحكوميّة في غزّة بقراراتها الأخيرة.

لم تنفذ الجهات الحكوميّة قراراتها، وبالمثل لم ينفذ أصحاب المولّدات تهديداتهم. ومع الانشغال المحلّيّ بأزمة انتشار وباء "كورونا"، أصبح الصدام المؤجل طي النسيان، إلى أنْ عاد من جديد في الأيّام الأخيرة.  

خطوة واحدة إلى الأمام..

لم تُشكّل المولّدات التجاريّة حلّاً فارقاً في أزمة الكهرباء. من جهة، إنّها تبيع الخدمة بأسعار لا يقدر على مُجاراتها مُعظم السُكّان، فهي بالنسبة لأصحابها استثمار يجنون منه أرباحاً، لا حلّاً اجتماعيّاً. من جهة أخرى، ليس بمقدور المولّدات تقديم الخدمة للمرافق الحيويّة في القطاع، من منشآت القطاع الصحّي والمنشآت الخدماتيّة كمحطات ضخّ المجاري، ومحطّات معالجة الصرف الصحّي، وآبار المياه وغيرها.  

من المُمكن أن تكون المولّدات الكهربائيّة نواة لحلّ شعبيّ لأزمة الكهرباء، ولو بشكلٍ جزئيّ. إلا أنّ ذلك يتطلّب تنازلاً من جميع الجهات التي يُشكل لها هذا الموضوع مشروعاً استثماريّاً، وتتطلّب دعماً حكوميّاً مُباشراً وتخفيضاً للضرائب على الوقود، وضغطاً شعبيّاً على أصحاب المولّدات لتخفيض الأسعار، وحملات شعبيّة لإيصال التيّار الكهربائي لبيوت الفقراء والعاجزين. يحتاج ذلك إلى قرار وإرادة، حتّى نخطو ولو خطوة واحدة إلى الأمام. 



30 أبريل 2019
مخيم جرش
لاجئ عن لاجئ بفرق

ما هي قصة أبناء قطاع غزة في الأردن؟ ولماذا يختلف وضعهم عن أوضاع بقية اللاجئين الفلسطينيين؟ ما الذي يعنيه إقرار…