12 أكتوبر 2019

شب جديد

لا تمت قبل أن تكون "دوداً"

لا تمت قبل أن تكون "دوداً"

التقينا من دون طاقيّة "Nike" على رأسه. "بالغسيل"، أجابَ عندما سألتُه عن قبّعةِ "السبورت" هذه التي يظهر بها في حفلاته وأمام الجمهور الذي يتمنّى؛ أولاد الحارة الذين يُمكِنُهم الحديثُ عن عجل السيّارة لساعات، من يجلسون في الصّفوف الأخيرة في المدرسة، من يراهم المجتمعُ بأنّهم "دون" – هؤلاء هم "زباين" شب جديد الأصيلون، ولا يبدو أنّه يبحث عن غيرهم. إذن، فهي ليست مجرّد قبّعة: "هيَّ مش منظر، هادي الطاقيّة زي هويّة، يا إما بتعمل زي أصلك أو بطَل لك علاقة فيّا"، كما يقول في أغنية "وين ورد".

يمكّننا المظهرُ الخارجيّ لـ"شب جديد" (24 عاماً) من الاستدلال الأوّليّ على الهويّة التي يعمل على خلقها. في حفلاته كما في أغانيه المصوّرة، مثل "سندباد" و"نكد جلج"، يظهر بملابس رياضة وعلى رأسه تلك القبّعة، حاملاً سيجارة بيده. هذا ظهور يميّز جماعة "الدود" أو "الورد"، والتي يُطلق عليها من هم خارجها، ومن ينظر إليها باستعلاء، مسمّياتٍ مثل "زعران الحارة". تعلنُ هذه الجماعةُ عن نفسها بالمظهر الخارجيّ قبل الاستخدامات اللغويّة، من خلال اللباس وطريقة المشي، أو من خلال شكل السيّارة، إذ سترى حتماً "الجنطات"، وستسمعُ صوتَ "المعريخت"1"المعريخت": كلمة باللغة العبريّة تعني "النظام". في سياق الحديث عن السيارات تستخدم للإشارة إلى النظام الصوتيّ المتطور الذي يُركّب في بعض السيارات، ويوفر إمكانيات استماع عالية الجودة. و"السبوفر"2 "السب ڤوفر"، من الإنجليزيّة subwoofer: هي السمّاعات التي تنقل طبقات الصوت المنخفضة بقوّة عالية، والتي تُسبب اهتزازاً في السيارات عند تشغيلها على الدرجات العليا. و"اللاحاتس"3 "اللاحاتس": بالعبرية، ويُقصد بها في هذا السياق نوع من عوادم السيارات، يُصدر ضجيجاً عالياً. ، تماماً كما سيّارة الـ"بي أم الزعرة" التي يظهر بها شب جديد وأصدقائه الناظر والزغموري في فيديو أغنية "نكد جلج"، بينما يُعلّق على مرآتها الأماميّة مصحفاً.

يكرّس شب جديد هويّةَ "الورد" بشكلٍ جليٍّ في ألبومه الأخير "سندباد" (بلاتنم، 2019) والذي يرفع منسوبَ الفخر بهذه الجماعة. يضع قوانينَ "الدود" الاجتماعيّة في أغانيه، باعتبارها جماعةً مغلقةً على نفسها لها منطقُها والشّروط الخاصّة للانتماء لها، وتطغى عليها الهويّةُ المناطقيّة القريبة التي يُعوَّل عليها في أوقات "الجّد": "كون صاحب صاحبك صاحب المبدأ، اللي يوم يلزم ما بيتردد، اللي ما بتندم يوم يفزعلك، اللي لو توقع دايماً جمبك، بتتهبّل؟ ننساش العشرة وما بنخسرها". هي هويّة اجتماعيّة تتمحور حول ترقّب "يوم العازة" والهمّ الاجتماعيّ المشترك، والصّدق و"الجدعنة": "منستنى القطعة فمنحوش، منحسب حساب صحاب أصل منقصّرش"، و"اللي بحكي بوجهك بحكي بظهرك هيك احنا تربينا"، "بنحوّش عشان نتجوّز"، "خال شوفناكو وقت العازة"، وغيرها من الأمثلة الكثيرة.


أين ينبت "الورد"؟

يسكن شب جديد في كفر عقب، وقبلها تنقّل في عيشه بين وسط القدس والداخل والضفّة الغربيّة. كفر عقب من الأحياء التي وقعت، بعد بناء الجدار الفاصل أواخر الانتفاضة الثانيّة، "خلف الجدار"، أي على "الجهة الفلسطينية" منه إن صح التعبير. وهي بذلك تقع أقرب جغرافيّاً إلى المناطق التي تُديرها السّلطة الفلسطينيّة، غير أنّها بقيت تابعة لبلدية الاحتلال في القدس، ولا سلطةَ للسلطة عليها. وهي فعليّاً منطقة عشوائيّة لا يحكمها أحد، لا قوانين معماريّة وطبوغرافيّة وسكانيّة تضبطها، سوى أنّ "إسرائيل" قد دفعت بها بعيداً على هامش المركز؛ على هامش القدس، وعلى هامش رام الله والبيرة. مساحة جغرافيّة صغيرة يفيض منها السكّان، لعددهم الذي يصل إلى 100 ألف شخص، حسب بعض التقديرات، ولبنائها العشوائيّ والملتصق، فهي أشبه بالمخيّم. ولأنّ أماكن السّكن فيها تتجلّى على شكل عمارات سكّانيّة كثيرة الطوابق، فهي مدينة أكثر منها مخيّم. ولأن مجلساً قرويّاً وتنظيماً ينظّم علاقة السكّان فيها، فهي أقرب لأن تكون قرية.4 للاستزادة حول واقع كفر عقب، انظر: قراءة في بعض التغيّرات السوسيو حضرية في رام الله وكفر عقب. جميل هلال، وأباهر السقّا. مركز دراسات التنمية- جامعة بيرزيت، 2015.

قبل عامين تقريباً دخل إلى "شلّة" مُغنّي الراب في رام الله، وكان هو "الشب الجديد" من بينهم. لاحقاً، اجتمع بصديقيه الناظر وزغموري وأسّسا -مع آخرين- شركةً بدون مدير، شركة "بلاتنم"، وكما يسمّيها في أغانيه "عيلة فش أب"، وقد اتخذت الشركةُ من هذا المقطع شعاراً لها. قبل أن يصل إلى الراب، تعلّم في مدرسة البيرة الجديدة، والتي تحيطها مدينة البيرة ومخيّم قدّورة ومخيّم قلنديا ومخيّم شعفاط وكفر عقب – وهي منابع تجربته التي ستتمحور أغانيه لاحقاً حول الحياة اليوميّة فيها.

بعدها، حاول شب جديد أن يلتحق بالمسار الأكاديمي مرّتين؛ مرّةً عندما التحق بجامعة بيرزيت، ومرّةً عندما التحق بإحدى جامعات حيفا؛ تلك مدينة "القصّة المريرة" كما يسمّيها. لكنّه لم يفلح في شيءٍ سوى الراب، على حدِّ تعبيره. يقول في أغنية "متكتك": "لا أنا فالح جامعة ولا عمري كاتب سمينار، باب الدار في جدار". في هذا المقطع الذي يقفز به من موضوعٍ إلى آخر، وهو أسلوب يصبغ أغانيه جميعها، يبدو كأنّه يعرضُ حقيقتين متصلتين: أن حقيقة منطقة كفر عقب؛ "باب الدار في جدار"، تجعل سكّان هذه المنطقة أقل حظّاً من غيرهم في فرص "امتيازيّة" كالتعليم.

من هذا الواقع المركّب والمرتبك والمتناقض والمهمّش، وُلِد شب جديد ونشأ. كان لا بدّ، على ما يبدو، لمنطقة هامشيّة لا تحظى بتمثيلٍ سياسيٍّ، أنّ يخرج منها من يشعر أنّ بإمكانه التعبيرَ عنها. إنّه يحكي عن النّاس من خلال الحديث عن نفسه؛ "وبما إنّي من البلد، فأنا بعبّر عنهم" يقول. وهذا ما يقوله للناس في أغنية "عادِ": "فبأصبح داعية رغماً عن أنف الكل". يسرد الحياة اليوميّة، ويعيد تدوير ما يقوله النّاس في الشارع.


أنا مش فنّان، أنا طابعة...

لا يرى "الدود" نفسه إلا دوداً، لا تعريفَ ولا وصفَ آخر يهمّه؛ هذه هي الهويّة التي ينتمي إليها والتي تشكّل رأسماله الاجتماعي. ولذلك، فإنّ شب جديد قد يعرّف نفسه بالعديد من الأوصاف والاستعارات، غير أن وصف "الفنان" هو آخر ما يصف نفسَه به، ويهتمّ بأن ينفيه في عدة أماكن، بل ويتطرّف إلى أبعد من ذلك حين لا يعتبر نفسه "رابر" أصلاً. فيقول مثلاً في أغنية "طب هل": "** بالي بفتي بحكي إنه هذا راب، هذا علم مالو كتب، هذا قرف على قرف، هذا عندو شغل على الخمسة فاق". ويذهب في أحيانٍ أخرى إلى إنكار الراب وتصنيف ما يقدّمه في إطار الدحيّة البدويّة التي صارت من أبرز مكوّنات الغناء الشعبيّ الفلسطينيّ: "غيّر جلد زي سحليّة، خال هاد مش راب هاي دحيّة". 

كما يستهجن ألّا تعبّر الأغاني عن جماعته على مستوى الشّكل والمضمون، كاستهجانه استيراد شكليّات الأغاني من الثقافة الأميركيّة، فيقول في "طب هل": مش رابر هيب هوب، ولا رابر يو يو".  كأنّه يصرّح في هذا المقطع أنّ بالإمكان غناء الراب دون التعبيرات الغربية فيه، كـ"يو يو". كذلك في أغانٍ عدّة، آخرها كان "عرب ستايل" التي يسخر فيها من نفسه لغنائه بالإنجليزية، ففي بدايتها تظهر تمتمات شب جديد مُجهّزاً آذان المستمعين لما هو قادم: "خرا هالفوته، يمّا الخرينة، يمّا الخراء، يا حرام، وكل حده بحاول يدوّر عكلمات وشو منفكّر، شوف الخرا"، ثمّ يبدأ غناءه باللغة الإنجليزيّة.

إنّ أبرز تجليات شب جديد في خدمة هوية "الدود" التي يعمل من أجلها ومن أجل إسماع صوتها، والتأثير عليها أيضاً، تتضح في "دحيّة" أيضاً، حين يقول في ختامها مُعرّفاً وظيفته: "أنا مش فنّان أنا طابعة". هنا يُعلن شب جديد ماهيّته، والمنطق الذي يكتب فيه أغانيه، وكذلك الدور الاجتماعيّ الذي يقوم به. "أنا مش فنّان أنا طابعة"، هي تصريحٌ بأنّه ليس سوى طابعة، فالطابعة حين تُدخِل عليها معلومات ومدخلات معيّنة، ستُخرِج لك بالضرورة ما أدخلته عليها. وهكذا بالضبط شخص شب جديد؛ مُدخلات مهولة من مجتمعه، تخرج على شكل أغانٍ.

 
والكل بيشكي فيّا

يلقّب الدود اليهود غالباً "ولاد عمّنا"، ويُردد مصطلحات عبريّة بدءاً من لفظ "دود" نفسه، الذي يعني "عمّ" بالعبريّة، أو "المعريخت"، "بسيدر"، "عفريان"، "ستام"، وهي مصطلحات جاءت -غالباً- مع العمّال الذين "نزلوا" للعمل في "إسرائيل". يتبنّى "الورد" روايةَ وقاموسَ النَاس الغلبانة، لا التابعة لأيديولوجيا ما، ولا التي ينتجها الخطابُ السياسيُّ المترهّل. إنّه يقول "المعبر" بدلاً من الحاجز، على خلاف آخرين يفضلون "الحاجز" لأنّها أكثر تعبيراً عن وظيفته. يستخدم شب جديد المصطلح -المعبر- في أغانيه، وذلك، ببساطة، "لأنّ شوفير الفورد يستخدم هذه الكلمة" على حدّ تعبيره. هذا بالضبط المعنّى الأعمق لقوله: "أنا مش فنّان أنا طابعة".

يعرّض هذا التوجّه شب جديد لانتقادات من كلّ الاتجاهات، ولشكاوى توجّه للغة وللمظهر الخارجيّ وللحالة عموماً. تارةً من قبل المجتمع الساخط على جماعة "الدود"، وتارةً من قبل النشطاء السياسيّين، وتارةً من قبل السّلطة نفسها، أو رجال الدين. ففي "دحيّة" يقول: "بلبس نايك مش كوفيّة، وكلّ الرفاق بشكوا فيي" مشيراً لنشطاء اليسار الذين يطلبون التعبير عن الوطنيّة بالكوفيّة، وفي "نكد جلج" يحكي عن السّلطة الفلسطينيّة: "الكل بيشكي فيّا حتّى وزير الخارجيّة"، مشيراً إلى السلطة التي تطلب مجتمعاً مُهذّباً ببدلات تلائم توجّهاتها الدولانيّة. هذه شكاوى تتجاوز شبّ جديد، وهي في الحقيقة تطال شريحةً واسعةً من الجيل الجديد. 

أما بخصوص رجال الدين، فلا يعرض شب جديد بشكلٍ صريحٍ نقدَ رجال الدين له، ولا يتطرق لنقد المحافظين على شباب "الورد"، تحديداً النقد الموجّه لمسألة الشتائم واستخدامها. إلا أن شب جديد في "متكتك"، يقدّم تصريحاً كما لو أنّه رد على تلك الانتقادات دون أن يذكرها: "ربيت في الأقصى عمي حكى، لو بكفر أصلي تديّن". 


الورد جميل

لن ترى الدود غالب الظن في المسجد، أو في كوفي شوب، ولن تراه "يكسر الجليد" مع آخرين في نشاطات الـNGO. ستراه حتماً في المقاهي، وفي أزقة الشوارع وعلى أرصفتها، جالساً يتحدّث عن السيّارات والطُّوش، وعما إذا دخل الجيشُ البلد. شب جديد -الدود والورد والمتكتك والسندباد- قرفان من الحالة كما غيره كثر. مستاؤون من الأحزاب والقيادات السياسيّة، من الرجوع إلى الوراء، ومن الأدوات الأيديولوجيّة في البلد. 

شب جديد هو صوتٌ يُشبه هذه الحالة تماماً، وكما يصف أحدُ الأصدقاء هذا الشبه: "الشبه بيني وبين شب جديد مش بالأفكار، بطريقة التفكير، إنه خرا عالعالم يعني. الفكرة من شب جديد مش بس الموسيقى والكلمات والراس، الفكرة من النموذج نفسه، فكرة إنه خرا عالعالم وعلى معايير الراب أو معايير أي إشي".

أما من لم تتسنّى له الفرصة لسماع أغاني شب جديد بعد، فإنّ الإمكانيّة لفهم أغانيه هي في التعامل معها وكأنهّا قطعة كبيرة من "البازل"، فهي أغانٍ تُحيل إلى نفسها طوال الوقت، وكلّ أغنية هي مرجع لأخرى. يقرّ شب جديد بذلك، ففي أغنيّته "مَربَح" يقول: "كلشي بقلك إياه هل هاد هو صدق أم بس شو بحس بتحتاجوا؟ كلشي بقولوا بعيد على حاله". إنّه يتنقّل بين الموضوعات، في ذات الأغنيّة، كما يفخر بنفسه في "عادِ": بقلب طرزان بأدغالي". يتحدّث في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي المجتمع. يذكر حيفا، ويسرد "رحلة" النزول من كفر عقب إلى القدس كما في "كحل وعتمة"، ثمّ يتحدّث عن معاني الصداقة، ويفخر بنفسه، ويحكي عن مشاكل الناس اليوميّة، ويحدّثنا قصة شاب تلقّى "مطّاطه بظهروا زاحت فقرة"، ويصف الجيل الذي لم يشهد النكبة؛ "لا شفنا نكبة ولا تل الزعتر".

إنّ أغاني شب جديد عبارة عن خليط لما يمكن أن يطرأ عليك من موضوعات خلال اليوميّ لديك في فلسطين. تحتاج أغانيه إلى استماعٍ تلو الاستماع لتشرّبها. ليس لفهم الكلمات السّريعة ومعانيها فقط، فهذه ميزة معظم أغاني الراب، إنّما تُكرِر الاستماع لهدف آخر: حتّى تشعر بأنّك جزء من هذا الجمهور وهذه الجماعة الذي يمثّلها؛ جماعة "الورد".



2 يونيو 2019
حوار متراس
مع حسن أبو هنيّة

عن نشأته شاباً محسوباً على اليسار، ومن ثم على السلفية الجهادية، ثمّ تحوّله إلى عين المراقب والباحث في شؤون الحركات…