29 مايو 2020

جنود الاحتلال.. عن وجودهم على "سوشال ميديا" أيضاً

جنود الاحتلال.. عن وجودهم على "سوشال ميديا" أيضاً

اعتاد الفلسطينيون رؤيةَ جنودِ الاحتلال على الحواجز العسكريّة، وفي المواجهات والاقتحامات الليليّة، أو حتى في المواصلات العامّة في القدس والداخل المحتل. مؤخّراً، وصل تواجد هؤلاء الجنود إلى كفّات أيادينا، وتحديداً إلى شاشات هواتفنا عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ. يظهر الجنود عبر الصفحات الإسرائيليّة الرسميّة، أو حتى من خلال حساباتهم الشخصيّة على مختلف التطبيقات؛ من "انستغرام"، مروراً بـ"تيك توك"، وليس آخراً: تطبيق "تندر" للمواعدة.
في هذا المقال نجول بين عدد من صور جنود جيش الاحتلال على بعض تلك التطبيقات، في محاولة لرسم صورةٍ عن الخطاب الذي تبثّه وتُصدِّره لمختلف جماهيرها.

عسكرة الواقع الافتراضيّ

أثناء تصفحك تطبيقاً مثل "انستغرام" مثلاً، قد تظهر لك "قصص" (stories) لبعض الحسابات الإسرائيليّة المموّلة. وأحياناً تظهر لك حساباتٌ أخرى، بدون أيّ تمويل، فقط لأنك تعيش في مدينةٍ أو قريةٍ مُحاطةٍ بالجنود والمعسكرات والمستوطنات، فتفعيل خاصيّة "تحديد الموقع" في هاتفك الذكيّ تعني أن يظهر كلّ من هم في محيط جغرافيّ قريبٍ منك كأصدقاء أو مُتابَعين مقترحين. وبعيداً عن التكنولوجيا، يعني هذا بشكلٍ أو بآخر تصاعد النشاط الاستيطانيّ في الضّفة الغربيّة وخنقه لوجودنا.

صورة نشرها أحد جنود جيش الاحتلال على حسابه على "انستغرام"، عام 2013، وتظهر طفلاً فلسطينيّاً داخل إطار دائرة الاستهداف لبارودة القنص الإسرائيليّة.

في تلك الحسابات على "انستغرام"، تُعرض صورٌ لمجنداتٍ أشبه بصور عارضات الأزياء، يستعرضنَ "مفاتنهنّ" في الزيّ العسكريّ بينما يحملن سلاحهنّ على الخاصرة. تعبّر هذه الصور عن نمط "جماليّ" مشوّه يغيّب قُبح آلة الاستعمار، ووحشيّتها. كما أنها دعوة مفتوحة للتجنيد أمام "أصدقاء الجيش" الأجانب، وإيذاناً بالمغامرة القادمة التي ستحملها الخدمةُ العسكريّة.

تُضاف إلى ذلك مئات المنشورات التي يستعرضُ فيها الجنود عمليّاتهم العسكريَّة في المدن الفلسطينيَّة. فمثلاً، التقط أحدُ الجنود صورةً في مخيَّم الجلزون مع الوصف: "أنتم مدعوون معي إلى رام الله في عيد العرش!"، مصوّراً أنّ قتل الفلسطينيّين هو حفلة جماعيّة يُدعى إليها الحضور، بمعزلٍ عن الدم الذي سيسفك. وقد شهدنا في السنوات الأخيرة جنوداً ينشرون صوراً للشهداء مضرجين بدمائهم على الأرض بعد قتلهم مفتخرين بذلك، أو صوراً لشابٍ بعد اعتقاله.

وهناك على التطبيق ذاته، مستوى آخر للتواجد العسكريّ يغلب عليه الطابعُ الرسميّ، يظهر من خلال صفحات بالإنجليزيّة والعبريّة لجيش الاحتلال الإسرائيليّ وأذرعه المختلفة: سلاح الجوّ وسلاح البحر مثلاً. في تلك الحسابات، يُعرض التجنيد كمغامرةٍ شيّقة- خصوصاً على الصفحات الناطقة بالإنجليزيَّة- لمحاربة "الإرهاب" وسعياً "لتأمين العيش بسلام"، وخلال هذه المغامرة يصبح التجنيد بيئةً خصبةً لعلاقات الصداقة والحب والاستمتاع بالحياة. 

تسعى هذه الصفحات الرسميّة إلى "أنسنة" جيش الاحتلال، فنجد فيها مقطع فيديو قصير يروي قصّة دعم ضابطٍ في جيش الاحتلال لأطفال السرطان الإسرائيليّين على مدار أعوام. إنَّ دور الضابط، كما يُقال لنا هنا، ليس في القتال فقط، وإنّما في نسج العلاقات الإنسانيّة مع المرضى، وخصوصاً الأطفال. ولا تقتصر أنسنة جنود الاحتلال على ذلك، فتنشر صفحة الجيش الإسرائيليّ مقطع فيديو لأفضل عروض الزواج في ثكنات الجيش، وتنشر قصّةً أخرى حول مجنّديْن اختارا الثكنة كوجهة، بدلاً من السفر، لقضاء شهر العسل. يتجاوز هذا الخطاب محاولة أنسنة للجنود، ليصبح دعوةً مفتوحةً للانضمام لهذا الجيش الـ"صالح لكلّ المناسبات والمشاعر".

من ناحيةٍ أخرى، تؤدّي هذه الصفحات دورَ صفحةٍ للعلاقات العامّة لمؤسسة على المحكّ، تسعى جاهدةً لتبييض صورتها وتلميعها بحثاً عن الدعم والتمويل وتجنيد الموارد. وفي مقابل صورة الجندي المغوار تلك، يصبح الفلسطينيّ شبحاً غير موجود، بالرغم من أنّه المخاطب الأساسيّ بطريقة أو بأخرى، والسبب وراء تأسيس هذا الجيش كلّه. 

وعلى صفحة "أصدقاء جيش الدفاع الإسرائيليّ"، غالباً ما تنشر معايدات مختلفة، إمّا بحلول السبت، أو بحلول العام الجديد، أو لاستذكار أحداث مختلفة حول العالم، كمنشورٍ يتذكّر ضحايا الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، في محاولةٍ لموضعةِ الجيش الإسرائيليّ كشريكٍ للولايات المتحدة والعالم في "محاربة الإرهاب".

أحد المنشورات على حساب جيش الاحتلال الإسرائيلي - الناطق باللغة الإنجليزيّة - على "انستجرام"، عن "عروض الزواج الأجمل" للجنود.

أمّا على الصفحات الرسميّة الأخرى، والتي تتخذّ من العبرية لغةً لها، مثل صفحة الذراع البحريّ والجويّ، نرى أنّ نفس الصورة عن البطولة والتضحية تتشكل، بهدفِ الإبقاء على التفاف المجتمع الإسرائيليّ حول الجيش،  والتركيز على جهوزيّته وقوّته والتدريبات المستمرّة التي يتلقاها؛ هي جهوزية دائمة تليق بحالة الحرب الدائمة التي يعيشها الاستعمار.

واعد عدوّك

يتيحُ تطبيق "تِندِر" فرصة المواعدة والتعارف، عبر تصفّح حساباتٍ لأشخاصٍ انضمّوا للتطبيق، وعلى بُعد مسافةٍ تصلُ إلى 160 كم حولَ موقعِ المستخدِم. يجد المستخدم الفلسطينيّ نفسه محاصراً بالحسابات التي تعود لإسرائيليين وإسرائيليّات. بالزيّ العسكري وبالسلاح، يعرض التطبيق الإسرائيليين كأشخاصٍ عاديين قد تعجبنا اهتماماتهم بالحياة وقد يشاطروننا إيّاها. وكأنّ ثمّة صوت يتهكم من بعيد: هُنا تستطيع مواعدة العدو (Dating the Enemy).

لا يعرف هذا التطبيق الحدود السياسيّة، ولا يعرف أنّه يضيف طبقة جديدة إلى طبقات العنف الاستعماريّ على المستوى الرمزيّ، من خلال إجبارك على رؤية هذه الحسابات وكأنها جزء طبيعيّ من منظومتك القيميّة والعاطفيّة.

يساهم هذا الوجود الافتراضي في خلق حالة متناقضة. على أرض الواقع، هُناك احتلالٌ عسكريّ مدعّمٌ بحواجز عسكريّة وأسلحة ودبابات، ومنظومة اجتماعيّة تقوم بأكملها على المؤسسة العسكريّة. وهناك أيضاً على المستوى الآخر، حالة من الخوف والريبة تجاه الجنديّ الإسرائيليّ مهما كان الفارق العمريّ بينك كفلسطينيّ وبينه كمستعمِر. الغريب أنّ حالة الخوف هذه تتلاشى على الواقع الافتراضي ليحلّ محلّها شعور غريب من الاشمئزاز الممتزج بالفضول: ماذا يفعل العدو في وقت فراغه؟ وماذا يفعل العدو في الثكنة العسكريّة؟ فتجد نفسك تُبحر في الصور التي تُريك الحياة العادية هناك، فترى صوراً على الشاطئ، وصوراً أخرى في البار، والمطار، وفي الخدمة العسكريّة. 

تجلبُ هذه الحالة "إسرائيل" من المجرّد إلى الواقعي، ومن المجازي إلى الفعلي، فتصبح الصورة عنها أكثر وضوحاً وحقيقةً. وعلى الرغم من أنّ الجنديّ الإسرائيليّ موجود على بُعد حاجز أو برج مراقبة أو اقتحام، إلّا أنّه على الصعيد الحسّي والشعوري موجود في مكانٍ بعيد وغير مرئي بشكلٍ كامل. غير أنّ هذا التواجد الافتراضي يلغي هذه المسافة الحسيّة، ويساهم ربما في شدّنا للواقع أكثر، لندركَ أنّهم هنا أيضاً، وفي كلّ مكان.

إضافةً إلى ذلك، يدلّل هذا الوجود الكثيف على مواقع التواصل الاجتماعيّ وعلى التطبيقات المختلفة على الارتباط العميق والوثيق بين المجتمع الإسرائيليّ الاستعماري وبين منظومة الجيش وعلى التشديد على قيم "البطولة" الخاصّة في هذا المجتمع. حيث أنّ التركيز على دور الجندي وبطولته وتهميش كلّ ما سواه بشكلٍ رسميّ وغير رسميّ يساهم في إعادة انتاج مركزيّة الجيش في المجتمع الإسرائيلي، بحيث يستخدم هذا الزيّ وهذا السلاح في الاستعراض وفي طلب المكانة الاجتماعيّة والقبول المجتمعيّ أيضاً.1Levy, Gal and Sasson-Levy, “Militarized Socialization, Military Service and Class Reproduction: The Experiences of Israeli Soldiers”, Sociological Perspectives 51(2), June 2008. P.:356.

اللحاق بـ"الترند".. وخلقه كذلك

السؤال الذي يبرز بعد هذا هو السرّ في تصاعد صورة الجندي الإسرائيليّ رسميّاً وفرديّاً مؤخّراً. هناك عدّة إجابات محتملة؛ أولاها واضحة وبسيطة، أنَّ المؤسّسة العسكريَّة قررت اللّحاقَ بركبِ وسائل التواصل الاجتماعيّ كغيرها من المؤسسات، لتخلق لها وجوداً على المنصَّة الأكثر انتشاراً، وتمارس عليها جزءاً من خطابها الذي تبثُهُ على الأرض. لكنَّ حاجتها للانتشار هي ليست محاولة لتبييض صورتها عالميّاً وشعبيّاً فحسب، من خلال إظهار القناع الإنساني لجيش الاحتلال، بل هي أيضاً محاولة لردع الأعداء، وإعطاء لمحة عن قرب للتدريبات التي تجري عن كثب، وربما دعوة لآخرين للانضمام.

وهناك أسباب أخرى تتعلّق في محاولة "إسرائيل" فتح قنوات اتصال غير رسمية مع فلسطينيين ومسلمين ومناصرين محتملين للقضية الفلسطينية، مثل صفحة "إسرائيل بالفارسي"، التي تهدف للتقرّب من المجتمع الإيرانيّ بصورة عامّة، و"إسرائيل باللهجة العراقيّة". وبشكلٍ عام، فإن هذا الوجود على "انستغرام" وغيره، بصورته الرسميّة والفرديّة، يعكس جهداً متواصلاً في محاولة اختراق المجتمع الفلسطينيّ خاصةً والعربيّ عامةً، وكذلك جهداً مستمراً في الترويج للدعاية الصهيونيّة إقليميّاً وعالميّاً.

في الصورة التي تعرض أعلاه، نرى استغلال التصميم الرائج، والذي يعرض صورة لشخصٍ ما في أحوال مختلفة. في الصورة المركبّة التي تحكي "قصّة الجندي الإسرائيلي" على تطبيقات مختلفة، نرى الجندي ووراءه حشود من الجنود على موقع "فيسبوك"، وكأنّ الصورة مأخوذة من فيلمٍ ما، وصورة أخرى لمجنّدة تعمل، كما يبدو، بالبرمجة، وهذه الصورة تشير لموقع Linkedin، الذي يعرض السير المهنية والشهادات العلمية، وصورة أخرى لجنود أصدقاء، وجوههم ملوّنة بالأخضر على "انستغرام". أمّا على "تِندر"، يظهر جنديٌّ من السلاح البحريّ يخفي وراء ظهره خاتماً للزواج. تبدو هذه الصورة كاملة لسيرورة حياة الجندي في الخدمة. لكن ينقصها صورة خامسة، الخيارات لملئها غير محدودة، منها صورة بجانب جسد شهيدٍ فلسطينيّ على الحاجز، أو صورة بجانب ركام منزل فلسطينيّ، والقائمة تطول.  

ثمّة إذاً متسع من الوقت أثناء الخدمة العسكريّة، سواء في الثكنة أو في المدن والقرى الفلسطينيّة، لأخذ الصور ونشرها وتوثيق اللحظات التي تسبق الاقتحامات والاعتقالات. ماذا يفعل العدوّ في وقت فراغه؟ الإجابة لا تهمّ، ففعل الاستعمار واحد ومستمرّ. هل يشعر العدوّ بالخجل؟ بالطبع لا، يأخذ صورة ويتغنّى بها أمام العالم، ويستغلّها ليصبح جزءاً من الـtrend العالميّ، خصوصاً في الصور المركّبة التي تنتشر وبكلّ اللغات على صفحات مواقع التواصل.



31 مايو 2018
غاز "حفظ النظام"
دموعٌ من ذهب

نُشر هذا النصّ، في عدد شهر مايو/ أيّار الحالي، في الدوريّة الشهريّة الفرنسية Le Monde diplomatique، تحت عنوان “غاز لاكريموجين،…