26 نوفمبر 2018

الشّهيد خليل الشريف

حكاية توديع اللغة

حكاية توديع اللغة

أحد أيّام الخميس من عام 1997، تماماً في الرابع سبتمبر/أيلول، في مدينة القدس، وتحديداً في سوق “محنيه يهودا” الإسرائيلي، فجّر ثلاثةُ شبّانٍ فلسطينيين أنفسَهم وسط جمعٍ من الإسرائيليين. تفجيرٌ حصيلته النهائيّة مقتل 5 إسرائيليين وإصابة 190 آخرين، واستشهاد الشبّان الثلاثة. إنّها خاتمةٌ بسطرين ونصف، أو ثانيتين ونصف؛ المدةُ التي يستغرِقُها تفجير العبوة وما تتركه من آثار.

مُقدِمة أولى.. “فلتكن إذن ثلاثيّة”

أحد الاستشهاديين الثلاثة، وهو قائد المجموعة، وسنشير له هنا بـ”الشاب”، قال ذاتَ مرّة: “فلتَكُنْ إذن ثُلاثيّة”، عند سماعه على الراديو شيخاً يقول: “انظروا كيف اهتزّ الكيانُ من عمليةٍ مُزدوجةٍ، فما بالكم غداً بالثلاثية…”. يُشيرُ الشيخ إلى عمليّة مزدوجة نفذّها الشهيدان معاوية جرارعة وتوفيق ياسين، في سوق “محنيه يهودا”، في الثلاثين من يوليو/ تموز، قُتل فيها 16 إسرائيلياً، قبل شهرين تقريباً من تلك التي نفّذها الشبان الثلاثة.

وبالرجوع إلى الوراء قليلاً، في إحدى أيام عام 1995، كان الشاب مدعوّاً لتناول الغداء في بيت أخته أماني. أعدّت أماني الغداء، ورتّبت الطاولة بما يليق باشتياقها وحضوره، منتظرةً صوت الباب أن يُطرَق. لكنّ أخاها كان مَدعواً على غداء من نوعٍ آخر، كان ذلك قرب مستوطنة “بيت إيل” في رام الله. قام هو وصديقٌ له، اسمه أمجد الحنّاوي، بعمليّة أَرْدَوا فيها مستوطناً وأصابوا آخر بجروحٍ خطيرةٍ.

أثناء الانسحاب من مكان العمليّة، تعرّضت سيارتهما لحادثٍ، مما اضطرّهما إلى العودة مشيّاً على الأقدام. كانت تلك إحدى الدلائل المهمّة للتعرّف على هويّة المنفذين، إذ كانت السيارة تحتوي على كتبهم الجامعيّة، تلك التي تشير أنّهما طالبان في جامعة بيرزيت (وفي رواية أخرى تقول إن الحنّاوي كان من طلبة جامعة النجاح).

منذ ذلك اليوم ودّع الشّابان جامعة بيرزيت، بعد أن أصبحا مطارديْن من جيش الاحتلال، وقد تعرضت عائلاتهما لمُضَايقاتٍ متكرّرة من قبل أجهزة السّلطة الفلسطينيّة، كما توضح ذلك خلود، الأخت الثانية للشاب.

بقي الشاب مطارداً بعد تلك العمليّة لمدة عامين، دون إطارٍ تنظيميّ، قبل أن ينضمّ إلى الجناح العسكري لحركة حماس “كتائب الشهيد عز الدين القسام”. حينها تأسست علاقة بينه وبين الشيخ يوسف السركجي، قائد عسكري في كتائب القسام، وأطلق الأخير عليه لقب “الجنديّ المجهول”، لشدّة ما شعر به السركجي من حسٍّ أمنيّ وكتمان لدى الشاب.

لاحقاً لتنظيمه، وفي العام 1997، زرع الشّاب برفقة المهندس مهنّد الطّاهر عُبوةً ناسِفَةً على طريق جيبّات عسكريّة إسرائيلية قرب عصيرة الشماليّة، شمال نابلس. كانت تلك النّواةُ الأولى التي انبثقت منها خليّةُ “شهداء من أجل الأسرى” التابعة لكتائب عز الدين القسام-الجناح العسكري لحركة حماس، والتي شكّلها كلٌّ من محمود أبو هنود وأيمن حلاوة، وسلّموا الشّاب قيادتَها، والتي كان هدفها العمل على تحرير الأسرى.

إخلاء المصابين بعد العملية الثلاثية في"محانيه يهودا"، المصدر: الأرشيف الحكومي الإسرائيلي.
إخلاء مصابي عملية “محانيه يهودا” الثانية، سبتمبر 1997 (الأرشيف الحكومي الإسرائيلي).

مقدمّة أخرى.. نقدٌ ماديٌ لـ “أوسلو”

عام 1993، بالضبط بعد إعلان “أوسلو”، خرج الشاب وقت فعاليّات الدعاية الانتخابيّة في جامعة بيرزيت، وقد كان منسّقاً لحركة الشبيبة الطلابيّة التابعة لحركة فتح في الجامعة، ولكن هذه المرة من على منصّة الكتلة الإسلاميّة، وافتتح من خلال مكبّرات صوتيّة ما يشبه بياناً من ست دقائق يؤسس فيه للمرحلة القادمة.

قال الشّاب: “… إخوتي، أقف أمامكم اليوم، ولكن ليس على منصتكم، وإنما على منصةٍ أخرى، أتحدث إليكم بعد أن كنتُ أتحدث باسمكم للآخرين…لا أقول لكم إنني أرى ما لا ترون، أو أن هذه محاولة لإرضاء أحد، ولكن هذه محاولة للفت أنظاركم للحقيقة التي ترونها وتسمعونها، ولكنكم تصرون على تجاهلها… فهذا هو صوتكم، وليس صوت أوسلو ولا مدريد…  إخوتي، الطريق واضحة، والشمس لا يمكن أن يحجبها الغربال، فإما أن تتكلموا اليوم أو تصمتوا إلى الأبد”.

ألقى الشاب خطابَه الأخير، وكأنه يودّع الحديث والكلام، يودّع اللغة. لم ينتقل بعدها من منسق كتلةٍ طلابيّةٍ إلى كتلة طلابيّةٍ أخرى، إنما بعد سنتين من ذلك، أي وقت عمليّة “بيت إيل”، أخذت حياته مجرى آخر، كان السلاح عنوانها الأبرز بعد أن أفقدت “أوسلو” انتماءه لفتح من معناه، وجردته من أية إمكانيّة للعمل السياسي والطلابي.

كان ذلك الانتقال الجذريّ، الذي استقرّ لاحقاً في كتائب القسّام وحتّى الشهادة، ردَّةَ فعلٍ على اتفاقية “أوسلو” عام 1993، حيث دفعته لإعادة التفكير في نقطة وقوفه وارتكازه في هذا الوجود المحاط بالاستعمار. في ذات العام أيضاً خسرت حركة الشبيبّة انتخابات مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت.

عنه

خليل إبراهيم الشريف (أبو أحمد)، المولود في ثلاثةِ أمكنةٍ مُجتَمعةٍ: في مدينة نابلس حيث مسقط رأسه بتاريخ 25/4/1973. في يافا أصله التي هُجّر أهله منها بعد نكبة الـ 48. في القدس مكان استشهاده، هو ومجموعته: الشهيدان يوسف شولي وبشّار صوالحة، بتاريخ 4/9/1997.

تأسس نظرُ خليل، عندما كان طالباً في المدرسة، خلال مراقبته من على شرفته المطلّة على مركز مدينة نابلس، التي كانت تستعد للانتفاضة الأولى، والتي كان شباب حركة فتح وقودها. من هنا جاء انتماء الشهيد لحركة فتح، الذي لاحقاً أصبح إلى حركة حماس بفعل “أوسلو”. حصل ذلك أيضاً مع رفيقه الشهيد محمود أبو هنود، بعد أن كان مُنتمياً للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين.

خليل الشريف في جامعة بيرزيت، مجموعة الباحث بلال شلش.
خليل الشريف في “جامعة بيرزيت”، (المجموعة الخاصة بالباحث بلال شلش).

يستقرّ اسم خليل الشريف على ضريحٍ منصوبٍ في جامعة بيرزيت، ضمن 29 شهيداً ممن كانوا طلاّباً، لكنّ فتنة التّحرّرِ شَدّتهم إلى علمٍ غير الذي يُدَرَّسُ في الجامعات. وهكذا “بقي لغزاً محيّراً عجزت أمن السلطة والاحتلال عن معرفته…”، كما يصف الأسير معاذ بلال، الذي كان جزءاً من خلية “شهداء من أجل الأسرى”.

“شخصية خليل غامضة وكتومة”، هذا ما قالته خلود، أخت خليل، وأضافت: “خليل شخصٌ ذكيٌ جداً، وهو لمّاح بشكلٍ مخيفٍ، إذ أنّ بإمكانه أن يعرف مضمون الحديث حتّى لو سمعَ منه كلمةً واحدةً. وتُكمل: “كان قليل الكلام، هادئاً، ومعظم الوقت يفكّر، إضافة إلى حبّه الروايات التاريخيّة وأفلام الاكشن، وتدرّبه على “الكاراتيه” وحده في البيت”.

“الجندي المجهول”.. حوارات عائليّة

دوّى انفجار سبتمبر/أيلول في سوق “محنيه يهودا”، ولم يتعرّف الاحتلال الاسرائيلي في البداية إلا على اسمين: بشار صوالحة ويوسف شولي، فيما بقي خليل الشريف “جنديّاً مجهولاً” لمدّة 26 يوماً بعد تنفيذ العمليّة. ربّما كان هذا اللبس حصّة القائد أبو هنّود من العمليّة، حيث حصل وقت التجهيز للعمليّة نزاعٌ بينه وبين الشريف حول من منهما سيشغل مكان الشخص الثالث، والذي نعرف لمن حسم في النهاية.

الشهداء الثلاثة: من اليمين بشار صوالحة، خليل الشريف مُلثماً، ويوسف الشولي. المصدر: المجموعة الخاصة بالباحث بلال شلش.
من اليمين: بشار صوالحة، وخليل الشريف، ويوسف الشولي (المجموعة الخاصة بالباحث بلال شلش).

تعرّف الاحتلال على خليل بعد أخذ عيّناتٍ من الـDNA لوالدي الشهيد مرتيّن: مرةً أُخذت العينات في مستشفى بنابلس، من قبل السلطة الفلسطينية، ومرةً من أطباء كنديين نيابةً عن الاحتلال الإسرائيلي.  وقيل إن الاحتلال لم يتعرف عليه لأن إبراهيم بني عودة قد صبغ أصابع الشهداء فعطّل التعرف على البصمات. ومثلما كان موقفها في أوّل الأمر، لم تحتفي السلطة الفلسطينيّة، ممثّلة وقتها بياسر عرفات، بالعمليّة الثلاثيّة، حيث أدان الأخير العمليّة واعتبرها “إرهابيّة”، وعزّى أهالي القتلى الذين اعتبرهم “ضحايا”.

أما أهل الشهيد فلم يفتحوا بيت عزاء، إلا بعد 15 عاماً، عند استلامهم أشلاءه التي كانت محتجزة في مقابر الأرقام عند العدوّ. خلال تلك الأعوام داوم أهل الشهيد على مطالبة الاحتلال برؤيته ليتأكدوا من صحة خبر استشهاده الذي بدا –بالنسبة للأمّ على الأقل- مستحيلاً، لكن دون جدوى.

عند تشييعه، حاول محمد الأغبر، زوج خلود شقيقة الشهيد، وصديقه كذلك، مراراً فتح الكيس الذي يحتضن الجثمان، لكن والد الشهيد وأخوه كانا يلّحان “من شان الله تفتحش الكيس”. يقول الأغبر: “كانت الجثّة متفحمة وغير واضحة الملامح، وكانت رخوة لدرجة أنني لم أستطع أن أمسك بها، وحين جئت لدفنه بيدي حاولت أن أضع الجثة بشكل متسق، ولكن أيضاً دون جدوى، فالجثمان كان عبارة عن أشلاء ودم”.

“كنت عارفة، مش رح تقدروا تشوفوا الجثّة” قالت أماني لعائلتها، حيث أرسل لها خليل أثناء مطاردته رسالة مع أحد أصدقائه يوصي فيها: “إذا استشهدت ما حدا يشوف جثتي”. إنها “كرامة” خليل، تقول أختُه خلود، لكن رائحته غطّت على أشلائه التي لم يتمكّنوا من رؤيتها، فدمه ظلّ يفوح، وكأنه يذكّر بحجم استشهاده. “ريحتهم مش طبيعية. قعدت ريحتهم أسبوع حتى بعد الغسل”، تقول خلود، بعد أن غسلت ملابس زوجها التي امتلأت بدم الشهيد.

وبعد زمنٍ طويل تمكّنت والدة الشهيد من طبخ المقلوبة، بيديها وبدمعها، متذكرةً بأن المقلوبة هي أكلة خليل المفضلة.

*هذه المادّة نتاج بحث/ بروفايل أعدّه الكاتبان عن الشهيد، ضمن مساق “دفاتر الفداء: الحركة الفلسطينيّة الشهيدة” في “جامعة بيرزيت”.