13 يونيو 2019

السطح ضد الطائرة

عن اقتلاع المنازل من جذورها

عن اقتلاع المنازل من جذورها

حينما بدأ العدوّ تصعيده العسكريّ في قطاع غزّة مطلع مايو/ أيار الماضي بقصف المنازل والعمارات السكنيّة، حبس سكان القطاع أنفاسهم استعداداً لحرب قادمة، إذ أصبح قصف المنازل منذ حرب عام 2014 أحد أهمّ إجراءات الحرب بين قطاع غزّة والاحتلال. يتذكر سكان غزّة جيّداً كيف أنّ قصف الأبراج لعب دوراً أساسياً في إنهاء حرب 2014، وكيف غدت هذه الأداة مرتكزاً رئيسياً لدعاية الاحتلال في تهديد القطاع، عبر التلويح بالبدء مما انتهت إليه تلك الحرب. بموازاة ذلك، فإن الاحتلال يهدم بشكلٍ مستمرٍ منازل عائلات المقاومين في الضفة الغربيّة وفق استراتيجية “الهدم بهدف العقاب”.

“الهدم بهدف العقاب”.. مقدمة عامة

تعتبر سياسة هدم المنازل أحد أقدم وسائل العقاب ومنع التمرد في فلسطين، إذ جرى تنظيم هذه الأداة قانونياً في المادة 119 من أنظمة الطوارئ المقرّة عام 1945 على يد الاحتلال البريطاني، وجرى تطبيقها بعد عام 1948 بحجج مختلفة، وتوّسعت بشكلٍ واضحٍ بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزّة.1.

بعد الانتفاضة الثانية جرى التوّسع في تطبيق هذه السياسة بشكلٍ كبيرٍ، كما جرت عملية قوننتها والانطلاق منها كاستراتيجية عامّة، وأصبحت أكثر تركيباً وتحديداً في نفس الوقت. كانت أولى عمليات الهدم في أكتوبر/تشرين الأول 20012، وقد جرى الاعتراف بها رسميّاً من قبل الاحتلال في الأول من أغسطس/آب 2002 كتدبير عقابي ضدّ الفلسطينيين، وأطلق حينها حملة “الكشف والتعرية” لاستهداف منازل المقاومين والاستشهاديين. هكذا، خلال سنوات الانتفاضة الثانيّة الخمسة، هدمتْ دولةُ الاحتلال 664 منزلاً بهدف “العقاب”.3.


نظراً للانتقادات الواسعة التي لاقتها هذه السّياسة، بالإضافة لاقتراب الانتفاضة الثانيّة من نهايتها بالنسبة لدولة الاحتلال، تشكّلت في فبراير/شباط 2005 لجنةٌ خاصّةٌ بقيادة اللواء أودي شني لمناقشة هذه الأداة وجدواها. خلصت اللجنّة إلى عدم جدوى هذه السّياسة، وأنّها لا تحقق المطلوب منها على اعتبار أنها ستؤدي لمزيدِ من التوتر مع الفلسطينيين وليس العكس، مما جعل وزير حرب الاحتلال شاؤول موفاز يأخذ بتوصيات اللجنة التي أقرّت بوقفها. منذ ذلك العام، وحتى عام 2014 اقتصرت عمليات الهدم تحت “حجج قانونية” متعلقة بالترخيص وما شابه، في ظلّ تقلص عمليات المقاومة أساساً وتصفية معظم المقاومين، مع استثناءات قليلة. مع الانتباه أنّ السبب الرئيس للأخذ بتوصيات لجنة شني ربما يعود في المقام الأول لتراجع أعمال الانتفاضة أكثر من كونه “صحوة أخلاقيّة” متأخرة للجيش، وذلك على الرغم من الجدل الذي تثيره هذه السياسة داخل دولة الاحتلال.4.

إلا أنه وفي أعقاب عملية قتل الشرطي الإسرائيلي باروخ مزراحي، ومن ثم اختطاف المستوطنين الثلاثة في صيف 2014، عاد جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى سياسة هدم المنازل، وذلك في ظلّ الهبة الشعبية التي انطلقت في أغسطس/ آب 2015 بعد عمليتي مهند الحلبي وعملية خلية ايتمار في نابلس، فجرى منذ عام 2014 وحتى عام 2019 هدم 61 منزلاً بهدف “العقاب” في الضفة الغربية.

غزّة.. الطرق على السطح

بمجرد ورود الاتصال الهاتفيّ من ضابط الـ”شاباك” إلى أصحاب المنزل المراد قصفه، يهرع هؤلاء إلى إخلائه بسرعة، دون أن يُسمح لهم بأخذ أي شيء معهم سوى ما خفّ وزنه وزادت قيمته. لا يتوقف الإخلاء على المنزل المستهدف، بل يتعداه لجميع المنازل المحيطة، فلا أحد يخاطر بالبقاء في منزل مجاور لمنزل سيقصف بالطائرات الحربية بعد قليل. ونظراً لكون الاتصال غالباً لا يكفي، تقوم طائرة استطلاع بقصف المنزل بصاروخ تحذيريّ ذي قوّة تفجيرية منخفضة، كتأكيد لا رجعة عنه عن قرار القصف.

أطلق العدو على هذه العملية اسم استراتيجية “الطرق/النقر على السطح”، وروّج لها قانونياً على اعتبار أنها دليل حرصه على تجنب استهداف المدنيين، ووضعه قواعد إنسانيّة للحرب “منخفضة الكثافة”. بطبيعة الحال، يُجرّم الموقف القانونيّ هذه الأداة ويرفضها، ففي النهاية صواريخ الاستطلاع ليست ألعاباً ناريّة، بل هي صواريخ حربيّة قاتلة، وكان لها دور في تمزيق أشلاء المئات من المقاومين والمدنيين على السّواء منذ ابتكار هذا النوع من الطائرات، ودخولها لمواجهة الانتفاضة الثانية في أغسطس/ آب 2003. في حالات عديدة، لم يقم الصاروخ بدوره المطلوب مثلما حصل مع عائلة النيرب في حرب 2014، إذ لم يستيقظوا بعد إطلاق الصاروخ التحذيريّ (مرجع4)، وجرى قصفهم في منزلهم واستشهدوا جميعاً.5. كما أنّ الصواريخ التحذيريّة أدّت إلى استشهاد طفلين في 14 يوليو/تموز قبل قصف مبنى الكتيبة في وسط مدينة غزّة.

لماذا تقصف الأبراج؟

تعتبر استراتيجية قصف الأبراج أحد أوجه ـ”عقيدة الضاحية” التي صمّمها الجنرال الإسرائيلي غادي ايزنكوت أثناء حرب لبنان 2006. تكمن خطورتها في قلّة تكلفتها مقارنة بحجم الضرر الذي توقعه، فقصف برج واحد معناه تشريد حيّ بأكمله، فمثلاً في التصعيد الأخير، فإن العمارات المقصوفة-لا تتخطى العشرة-، كانت تحوي 130 وحدة سكنيّة، والأمر نفسه في برجي الظافر والباشا في حرب 2014.

يدلل قصف الأبراج بشكل واضح على البعد “النفسي” و”المعنوي” في سياسة قصف المنازل، أي أن القصف لا يجيء في سياق عملياتي لخدمة أغراض حربيّة مرتبطة بالمعركة كما يروج جيش الاحتلال، بل يجيء ضمن سياق إخضاع المجتمع وكي وعيه أثناء الحرب، وخلق ذاكرة أليمة بعيدة المدى بخصوص تكاليف مواجهته، وهو أحد أهداف الردع الذي يعتبر الضلع الأول في أضلاع العقيدة الأمنيّة القوميّة للاحتلال.6.

السلاسل البشرية.. الكف يواجه الصاروخ

منذ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، فقدت “إسرائيل” قدرتها البريّة على هدم المنازل، وخصوصاً المنازل داخل مدن القطاع. بات بعدها لا بدّ من اعتماد استراتيجية جديدة من خلال القصف الجويّ، وقد بدأت فعلياً في قصف منازل المقاومين، إلا أن حدثاً جوهرياً سيوقف هذه الأداة لسنتين تقريباً.

في تاريخ 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2006 طلب الـ”شاباك” من المتواجدين في منزل الفلسطينيّ محمد بارود شمال قطاع غزة إخلاءه تمهيداً لقصفه.7. حينها بادر الشّيخ نزار ريان إلى تجميع الأهالي وتشكيل سلاسل بشريّة صعدت إلى سطح المنزل لتحدي القصف الإسرائيلي وحماية المنزل من القصف. نجحت استراتيجية “السّلاسل البشريّة” في منع عملية القصف تلك، لتتوالى بعدها مرّات تطبيق هذه الفكرة في مواجهة أيّ تهديد من هذا النوع. حسب المعطيات التي نشرها معهد الاستخبارات والمعلومات الإسرائيلية، نجح الفلسطينيون في وقف قصف قرابة 9 منازل في الفترة ما بين 2006 وحتى عام 2008 بواسطة السلاسل البشريّة.

دم الشّيخ نزار

في 1 يناير/كانون الثاني 2009 وأثناء حرب الفرقان، جاء اتصال من جيش الاحتلال لمنزل الشّيخ نزار ريان، أحد قادة حركة “حماس”، يطلب منه إخلاء المنزل تمهيداً لقصفه. رفض الشيخ، حسب بعض المقربين منه، إخلاء المنزل على اعتبار أنّه من رسّخ فكرةَ السّلاسل البشريّة، فتحصّن في منزله هو وزوجاته وجميع أفراد عائلته، رافضين الإخلاء. ورغم وجود ما لا يقل عن 15 فلسطينيّاً مدنيّاً في المنزل، قصفت الطائرات الإسرائيليّة المنزل في واحدة من  أكبر جرائم حرب 2008.

تصميم “إسرائيل” على قصف المنزل رغم وجود الشيخ وعائلته في المنزل، فهمه الفلسطينيون على أنه سياسة جديدة غير مبالية من قبل الاحتلال بخصوص الاحتجاج البشريّ لمواجهة التهديد بالقصف. وبالفعل، ومنذ تلك الحادثة توقفت عملية الاحتجاج البشري لحماية المنازل المهددة بالقصف.

لاحقاً، تعززت قناعة مجتمع القطاع بجديّة الاحتلال في فرض هذه السياسة في جريمة قصف منزل عودة كوارع في خانيونس في حرب 2014، فعلى إثر التهديد بقصف المنزل، توافد العشرات من جيران المنزل للاعتصام داخله، لكن قامت طائرات الاستطلاع بقصف المعتصمين بصاروخي استطلاع استشهد على إثرهما سبعة فلسطينيين.

هل من خيار؟

يعمل مجتمع المقاومة على خلق الأدوات الفعّالة لمواجهة استراتيجيات منع التمرد التي ينتهجها العدوّ، ومحاولة إبطال مفاعيل أدوات ردعه قدر الإمكان. في هذا السياق، تشير التجربة الفلسطينية تحديداً على أن المجتمع في أحيان كثيرة استطاع اختراق ثغرات واضحة في استراتيجيات الاحتلال، ففرض صفقات التبادل لحلّ مشكلة الأسرى، ولجأ إلى الأنفاق لمواجهة التفوق الجويّ، وها هو يحاول كسر الحصار عبر أدوات شعبيّة وعسكريّة، كما أنه نجح لفترة زمنية في وقف عمليات قصف المنازل. بالتالي، فإنّ ما يمكن التفكير به هو الإبداع في كيفية وقف هذه الظاهرة، سواء في غزة أو الضفة، ليس اعتماداً على تنظير طوباوي، بقدر ما هو استناد لإرث واقعيّ في المواجهات السابقة، إرث يمكن البناء عليه وتطويره وتحسينه.

 

  1. كان أريئيل شارون عام 1970 قائداً للجبهة الجنوبية في جيش الاحتلال، وأسس خلال تلك الفترة وحدة “ريمون” العسكرية، والتي نفذت عمليات واسعة ضدّ قطاع غزة، واعتمدت على هدم المنازل وعزل المخيمات بشكل أساسي في تكتيكاتها العسكريّة لمواجهة العمل المسلّح.
  2. “هدم المنازل بهدف الردع ومعاقبة الأهل، تقرير حول هدم قوات الاحتلال لمنازل ذوي الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ أو تخطيط أو المساعدة في عمليات ضد أهداف إسرائيلية، خلال الفترة بين 29/9/2000-31/12/2002″، تقرير للمركز الفلسطيني لحقوق الانسان، غزّة https://pchrgaza.org/ar/?p=6906

  3. “سياسة إسرائيل في هدم المنازل”، ماهر ادريس البنا، من كتاب “إسرائيل والقانون الدوليّ”، اصدار مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
  4. حالة المد والجزر الداخلية بخصوص الموقف من سياسة هدم البيوت داخل دولة الاحتلال ضابطها هو مدى حالة الانتفاض الفلسطيني، ومدى الثقة بجدوى هذه الأداة، فقد ازدادت معارضة هذه الأداة بعد تراجع الانتفاضة الثانية، وكذلك الحال بعد تراجع هبة القدس الأخيرة، إذ قال قاضي محكمة العدل العليا السابق أهارون باراك في لقاء مع صحيفة هآرتس بأنه يرى هذه السياسة غير جيدة ولا يوجد منها أي فائدة.
  5. المرجع الرابع/ تقرير المرصد الأورو متوسطي لحقوق الانسان حول حرب 2014، ص35.
  6. في حرب 2014 لم يكن هناك أي سبب عملياتي أو عسكري لقصف برجي الظافر والباشا، بل حتى لم يحتوي البرجان حينها على شقق سكنيّة تعود لمقاتلين أو قادة عسكريين. وحسب بعض جنرالات العدو، فإن أحد أهداف القصف كان توريط “النخبة الاجتماعية الغنية” في غزة في خسائر الحرب لتؤثر على صانع القرار الفلسطيني كما ورد في مقال اوريت فرلوب في كتاب “الجرف الصامد، تداعيات وعبر” ص114.
  7. على إثر التضامن الشعبي مع محمود بارود، أصدرت هيومن رايتس ووتش بياناً يدين الحدث، لكن قامت حركة التضامن الدولية بانتقاد البيان، مما جعل المنظمة تصدر بياناً توضيحياً وتتراجع فيه عن بيانها الأول.