2 سبتمبر 2020

الاستيطان الصناعيّ.. هكذا تخنقنا أرباح "إسرائيل"

الاستيطان الصناعيّ.. هكذا تخنقنا أرباح "إسرائيل"

لم تترك صدمة الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت مطلع أغسطس/آب الماضي آثارها على اللبنانيين فقط، بل ترددت أصداؤها كذلك في مناطق أخرى تخشى من تكرار المصير. في دولة الاحتلال مثلاً جدّدت مؤسسات إسرائيليّة وجماعات ضاغطة لحماية البيئة مطالبها بإخلاء خليج حيفا من كافة المواد الكيماويّة الخطرة. 

أما في الضفة الغربيّة، حيث سلطة فلسطينيّة شكلية لا تملك شيئاً من زمام الأمور، ودولة احتلال تحكم فعليّاً، فقد تُرِكَ الفلسطينيون وجهاً لوجه وحيدين أمام خطرٍ سَميّ كبير يحيط بهم منذ سنوات؛ خطر المناطق الصناعيّة الاستيطانيّة. إنّه خطر يرقبونه يزداد عاماً بعد عام، ويلمسون أضراره على صحتهم وأراضيهم ومواشيهم. 

تشجيع الاستثمار في قتلنا

منذ احتلال الضّفة الغربيّة عام 1967 وحتى اليوم، تأسست على أراضي الفلسطينيين المُصادَرَة نحو 25 منطقة صناعيّة استيطانيّة. تضمّ المناطق الصناعيّة الاستيطانية في الضفة الغربيّة أكثر من 300 منشأة صناعيّة إنتاجيّة، تتفاوت من الصناعات الخفيفة حتى البلاستيك والمبيدات وصولاً إلى الصناعات العسكريّة. 

وهناك ما يقارب 29 منشأة خاصّة بإنتاج المواد الكيماوية، تدر أرباحاً سنوية تقارب ملياري دولار، ويتركز معظمها في "مجمع بركان" الصناعيّ الاستيطانيّ بالقرب من سلفيت، و"نيتساني شالوم" التي تضم "مصانع جيشوري" غرب طولكرم. تترك هذه المصانع أضراراً بيئية خطيرة على المحيط الفلسطينيّ، دون أي رقابة، أو حساب.

تدفع سلطات الاحتلال جزءاً من إنتاجها الصناعيّ وخاصة الملوّث منه بدرجاتٍ كبيرةٍ نحو الضفّة الغربيّة، وتتعمد إبعاده عن مراكز المدن في أراضي الـ48. مثلاً، تحصل المصانع المختصّة بمعالجة النفايات والتي تُنشأ في أراضي الضفة الغربيّة على امتيازاتٍ ضريبيّة ودعم حكوميّ إسرائيليّ أكثر من نظيراتها التي تُنشأ في أراضي الـ48. 

وأهمّ ما قدمته سلطات الاحتلال لهذه المنشآت هو غضّ الطرف عن معايير الأمان والحفاظ على البيئة، وعدم فرض شروط قاسية كتلك التي تفرضها على المصانع داخل الخطّ الأخضر. بالتالي، فقد تركت "إسرائيل" لهذه المصانع الحبل على الغارب في إنتاج السموم وعدم مراعاة سبل التخلص منها. وإن كان هذا التساهل في المعايير البيئية قائماً في واحدة من أخطر الصناعات "معالجة النفايات"، فكم من الحريّ أنّه غائب في الصناعات الأقل خطورة..

نستعرض هنا بعضاً من هذه المصانع.

10 مرّات أكثر!

تحيط بالقدس المحتلة منطقتان صناعيتان استيطانيتان كبيرتان، هما "ميشور أدوميم" في منطقة الخان الأحمر ضمن تجمع "معاليه أدوميم" الاستيطاني شرق القدس، والمنطقة الصناعيّة في مستوطنة "عطروت" شمال القدس. وعلى بعد بضعة مئات الأمتار من "ميشور أدوميم"، يوجد عدد من التجمعات الفلسطينية البدوية، أما "عطروت" فيشمل ضررها عشرات آلاف السكان في الأحياء المجاورة، مثل بيت حنينا وكفر عقب ومخيم قلنديا.

 تتسبب عوادم منطقة "عطروت"، على سبيل المثال، بارتفاع مستوى التلوث في الهواء المحيط بنسب تزيد 10 مرات عن المعيار الذي أقرته منظمة الصحة العالمية (المعيار المثالي 20 ميكروغرام لكل متر مكعب وفي عطروت يزيد عن 197 ميكروغرام)، ما ينتج عنه بالطبع ارتفاع نسب الأمراض والوفيات الناجمة عن تلوث الهواء. وتقع هذه المصانع على بعد أمتار قليلة من بيوت حيّ بيت حنينا، وأبرزها مصنع لمعالجة النفايات تنتشر رائحته في حارات بيت حنينا الشمالية.

مصنع لمعالجة النفايات في المنطقة الصناعية "عطروت" على بعد أمتار قليلة من بيوت الفلسطينيين في بيت حنينا. تصوير: محمود عليان.

وعام 2019، طرحت حكومة الاحتلال مناقصة لإقامة منشأة هي الأولى من نوعها لاستخراج الطاقة من النفايات تقدّر تكلفتها بنحو مليار شيكل، تمتد على خمسين دونما قرب "ميشور أدوميم"، يعالج فيها ما بين 1000-1500 طن نفايات يوميّاً تشمل نفايات إلكترونية، تدفن وتترسب آثارها في الأراضي القريبة من التجمعات البدوية. 

يحتجّ الإسرائيليون.. فيُسمّم الفلسطينيون

تقع المنطقة الصناعيّة "نيتساني شالوم" غرب مدينة طولكرم، وعلى الطرف الشرقيّ للخطّ الأخضر، أي داخل أراضي الضفة الغربيّة. تُجسِّدُ قصةُ هذه المصانع أنماط الاستغلال الاستيطانيّ الإسرائيليّ، فقد أنشئت عام 1985 بفعل نقل مصانع شركة "كيشت بيرماه" الإسرائيليّة (المعروفة فلسطينيّاً باسم "بمصنع جيشوري" نسبة لاسم المالك الإسرائيليّ) من منطقة نتانيا في أراضي الـ48 إليها، بعد احتجاج إسرائيليّ على التلوّث الذي تسببه. أي نُقل مصدر التلوث من وسط السكان الإسرائيليين ووضع على بعد أمتار قليلة من أحياء مدينة طولكرم، وعلى بعد 500 متر فقط من عدة مدارس  يرتادها اليوم أكثر من 11 ألف طفل فلسطيني!  

بعد نقل "مصنع جيشوري"، توالى تأسيس مصانع أخرى في المنطقة، حتى وصلت اليوم ما يقارب 13 مصنعاً إسرائيليّاً، تمتدّ على مساحة تقارب 50 دونماً، نصفها تقريباً مُصنّفة كأراضٍ فلسطينيّة خاصّة (لا يملك أي من هذه المصانع رخصة بناء). يتخصص مصنع "جيشوري" في صناعة الأسمدة والمبيدات الحشريّة، وفي المنطقة مصانع أخرى، مثل مصنع "شاحف اسخوخيت"، ومصنع "ديكسون للغاز"، مصنع "لينوي زخوخيت" لصناعة ومعالجة الزجاج، ومصنع "سولور غاز" المختصّ بتصنيع المعادن الثقيلة وخزانات الغاز والبترول والغاز المضغوط. 

عمال فلسطينيون يخرجون من المنطقة الصناعية "نيتساني شالوم" بعد انتهاء يوم عملهم. المصدر: ذي ماركر.

إذا مررت بجوار تلك المصانع فلن يزعجك الصوت المرتفع الذي لا يكاد يتوقف فقط، بل ستُزعجك أيضاً رائحةٌ كريهة جداً، وأدخنة سامّة تركت آثارها الصحيّة والبيئيّة على الفلسطينيين. فعوادم هذه المصانع تنفثّ دخانها باتجاه مدينة طولكرم مُسببةً تلوثاً جويّاً كبيراً. وقد أشارت دراسة مشتركة لوزارة الصحّة الفلسطينيّة وجامعة بيرزيت عام 2015 إلى أن الهواء في طولكرم يشتمل على كمياتٍ كبيرةٍ من أول أكسيد الكربون وموادَ كيميائية سامّة أخرى، مثل أكاسيد الكبريت، وأكاسيد النيتروجين. وفي الأيام التي تكون فيها الرياح شرقيّة الاتجاه، تتوقف تلك المصانع عن العمل، لأن الرياح الشرقيّة تسحب الدخان نحو المستوطنات الإسرائيلية في الداخل.

تتسبب هذه المواد الخطيرة بأمراض متعددة في أوساط الفلسطينيّين، منها السّرطان وأمراض في الجهازين التنفسيّ والتناسليّ وأمراض الكبد والجلد. كما تسبب ضعفاً في المناعة وارتفاعاً في الضغط الدم. ولها تأثير مباشر على الصحة الإنجابيّة للنساء الفلسطينيّات، بشكل قد يقود إلى الإجهاض والولادة المبكرة وانخفاض وزن المواليد الجدد. كما توّثق بعض الدراسات ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان بشكل واضح في المناطق المجاورة للمصانع في منطقة "نيتساني شالوم"، بينها حالات إصابة بسرطان الدمّ لدى الأطفال. 

وفي العام 2013، وقع حريقٌ في المنطقة الصناعيّة، نتج عنه سحابة ضخمة من الدخان السّام. وقد دفع ذلك وزارة الصحّة الفلسطينيّة إلى دعوة الفلسطينيين المقيمين بالقرب منها إلى التزام بيوتهم وإغلاق نوافذهم لتقليل تعرضهم للانبعاثات السّامة. وكما تُجبرهم على إغلاق نوافذهم، فإنّ تلك المصانع أجبرت المزارعين على هجر أراضيهم الزراعيّة في المنطقة، لما لحق بها من ترسبات وأدخنة ومياه عادمة جعلتها غير صالحة للزراعة.

أكوام النفايات داخل المنطقة الصناعية "نيتساني شالوم" غرب طولكرم. وسط هذا التلوث يعمل العمال الفلسطينيون. تصوير: أوري بينر

وفوق ذلك، كشفت حكومة الاحتلال في 2019 عن خطة لإقامة منطقة صناعية استيطانية جديدة في طولكرم، جنوب المدينة هذه المرة، ستشمل مناطق تجارية وقرابة 130 مصنعاً تمتد على ألف دونم تقريباً من الأراضي المصادرة من قريتي شوفة وجبارة (حتى الآن صادر الاحتلال أكثر من 80% من مساحة قرية جبارة)، وكغيرها من المناطق الصناعية الاستيطانية، يتوقع أن يعمد الاحتلال إلى التخلص من نفاياتها وعوادمها عبر دفنها وتسريبها إلى الأراضي الفلسطينية المحيطة. 

مستوطنة بحجم مدينة صناعيّة كبيرة

ليس بعيداً عن طولكرم، أربعُ مناطق صناعيّة كبرى تحيط بسلفيت وقراها، وتُمعِنُ في تسميم ترابها وهوائها؛ "أريئيل"، "إيلي زهاف- بدوئيل"، "عمانوئيل" و"بركان"، والأخيرة تُعدُّ الأكبر والأكثر ضرراً. تقع "منطقة بركان الصناعيّة" داخل مستوطنة "بركان" التي أقيمت عام 1981.1أقيمت هذه المستوطنة ومنطقتها الصناعية على أراضي قرى بروقين، وكفر الديك، وحارس، وكفل حارس، وقراوة بني حسان، ودير استيا وسرطة. وعلى مدى أربعة عقود، تضاعفت مساحتها لتصبح الآن مدينةً صناعيّةً كبيرة، فيها أكثر من 160 منشأة صناعيّة تنتج الألمنيوم والفايبرجلاس والإلكترونيات والصناعات العسكرية، وتقدر الاستثمارات فيها بمليارات الدولارات.

مثل معظم نقاطه الاستيطانيّة، يتعمد الاحتلال إقامة منشآته على تلال مرتفعة، تنساب منها المياه العادمة والمخلفات السّامة دون أدنى جهد نحو الأراضي الفلسطينيّة المحيطة. وبالطبع فإنّ خطورة نفايات هذه المصانع لا تقلّ عمّا تطلقه من عوادم وأبخرة أثناء التصنيع. تشمل هذه المخلفات معادن ثقيلة سامّة مثل الكروم والرصاص، ما يعني أنّ الأمراض التنفسيّة ليست الخطر الوحيد الذي يهدد سُكّان المناطق المجاورة، بل كذلك أمراض عدة منها السالمونيلا، وأمراض جلدية، وأخرى تصيب العيون

كما فقد الفلسطينيّون في سلفيت الكثير من الآبار وعيون المياه نتيجة تغلغل المعادن السامة في طبقات التربة ووصولها إلى منابع المياه، وتلقت الثروة الحيوانية وتجارة المواشي ضربة كبيرة بعد تلوث مراعيها وتخوف الناس من شراء منتجاتها لما قد يعلق بها من سموم. وفق الصحافيّ عبد القادر عقل، من قرية دير استيا، 10 كم من منطقة "بركان"، فإنّ وادي المطوي والينابيع المجاورة له هي الأكثر تضرراً بالمياه العادمة الناتجة عن المصانع الإسرائيليّة. 

كما أن تلك المياه العادمة تختلط بالمياه الجوفيّة، وتجري وسط مجرى مفتوح يمتدّ عدة كيلومترات. وفضلاً عن الرائحة الكريهة، تنتشر في المنطقة حشرات تنقل أمراضاً خطيرةً مثل حشرة اللشمانيا. أشار عقل كذلك إلى تقليص مساحة الرعي بسبب التلوث الذي لحق بالتربة والأعشاب، ما يعرض هذه المهنة المتدهورة أصلاً إلى مزيد من التحديات.

الضفة كمكبّ لنفايات الاحتلال

لم توظف "إسرائيل" سلطتها كدولة محتلة لتعزيز قطاع الكيماويات بأقلّ تكلفة فقط، بل جعلت كذلك من الأراضي القليلة المتبقية للفلسطينيين مكباً لنفاياتها. تقع في أراضي الضفة الغربية  15 منشأة استيطانيّة لمعالجة النفايات، ست منها مخصصة لمعالجة النفايات الخطرة، وفي هذه المنشآت بالطبع لا رقيب ولا حسيب. ولا يُطالب المسؤولون عنها بالإبلاغ عن كميّات النفايات التي تتمّ معالجتها فيها، ولا عن الأخطار الناجمة عنها. 

لا تقل خطورة هذه المنشآت عن المصانع الكيماوية، بل ربما تفوقها! ففي أراضي قرى يطا وبني نعيم قضاء الخليل وأراضي النقب، سجلت دائرة الإحصاء الفلسطينية أعلى نسبة للإصابة بالسرطان في الأراضي المحتلة، نتيجة دفن "إسرائيل" نفايات مفاعل ديمونا هناك. وفي قرية صوريف لوثت المخلفات النووية لمركز البحث النووي "سوريك" المياه الجوفية، وقد اختار الاحتلال دفنها بالقرب من القرية بعد مظاهرات وقضايا رفعها مستوطنو "بيت شيمش" و "عومر" رفضاً لدفن هذه النفايات بالقرب منهم.

يشكّلُ تورط دولة الاحتلال بالتصنيع والاتجار غير المشروع بالمبيدات السامة شديدة الخطورة تهديداً إضافيّاً يحيق بالأراضي المجاورة لأماكن تصنيعها. من تلك المبيدات، مبيدات الأندوسلفان والدوكاتالون التي تحظرها السّلطة الفلسطينيّة والاتحاد الأوروبيّ وعدة دول حول العالم، لما تلحقه بالبشر من أخطارٍ سامّة. فحتى لو لم تُستخدم هذه المبيدات مباشرةً على المزروعات الفلسطينيّة (الاحتلال يعمد لتغريق الأسواق الفلسطينيّة بهذه المبيدات رغم حظرها من قبل السلطة)، فإن مخلفاتها من المصانع التي تنتجها كفيلة بإحداث ضرر يتغلغل في التربة ويصل المياه والمحاصيل.

وبالنظر إلى طبيعة منتجات المنشآت الكيماوية الاستيطانية، يمكن إدراك التهديد الصحيّ الكبير الذي يحيق بحوالي 11 ألف عاملٍ فلسطينيّ يعملون في المناطق الصناعيّة في الضفة، والذين يكونون في تماس مباشر مع الأبخرة والمنتجات عالية السمية (والذين بالمناسبة يحصلون على رواتب متدنية جداً). منهم على سبيل المثال، حوالي 100 عامل في مصنع للزجاج والدباغة في مستوطنة "معاليه افرايم"، عانوا من أمراضٍ تنفسيّة وجلديّة، وفق تحقيق صحفي استقصائي لمؤسسة أريج في 2011. وقد ذكر بحثٌ لمؤسسة "من الرابح" أن 3 عمّال في المنطقة الصناعيّة "نيتسني شالوم" توّفوا نتيجة العمل في هذه المصانع الخطيرة بمعايير أمان منخفضة جداً.

يبدع الاحتلال في أشكال إلحاق الأذية بالفلسطينيين، وتحويل هذه الأذية إلى دعامة أساسية لأحد أكبر قطاعاته الاقتصادية وبوابة إضافية لأرباح بمليارات الدولارات سنويّاً، منتهكاً بيئة الفلسطينيين وصحتهم وما تبقى من أراضيهم وأرزاقهم. ومن وقاحة المستعمرين أنّهم لا يألون جهداً في محاربة الطوابين الفلسطينية، لأنّ قليلاً من دخانها قد يصلهم، بينما تتغلغل سمومهم ومياه مصانعهم العادمة حتى أعمق نقطة في تراب الفلسطينيين. وهم يتسلحون بجنود الاحتلال لإغلاق منشآت فلسطينية قليلة قد يصدر منها بعض الملوثات التي لا تقارن سمّيتها بسميّة مخلفات المستوطنين، كحال "مشاحر الفحم" في قرية يعبد قضاء جنين، التي تتعرض لهجمات إسرائيلية مستمرة، تُصادر فيها أطنان من الحطب النباتيّ، بينما دخان مصانع "شاحاك" القريبة يخنق أفق الفلسطينين ليلاً نهاراً.