23 مارس 2020

اغتيالات وأسلحة كيماويّة.. هُنا تطوّر "إسرائيل" علاج الـ"كورونا"

اغتيالات وأسلحة كيماويّة.. هُنا تطوّر "إسرائيل" علاج الـ"كورونا"

أيّام قليلة بعد بدء تفشّي وباء "كورونا" داخل الأراضي المحتلّة عام 1948، أعلن بنيامين نتنياهو عن إصداره أوامر لـ"معهد الأبحاث البيولوجيّة" في "نس تسيونا"، للبدء بتطوير مضادّات للـفيروس. بعد أيّام قليلة، نشرت الصحافة الإسرائيليّة خبراً مفاده أن علماء المعهد أحرزوا تقدّماً في تطوير لقاحٍ لمكافحة الوباء، وهو ما نفاه المعهد لاحقاً بالقول إنّ العمل على لقاح سيستمر طويلاً.

رغم ذلك، أكّد صحافيّون إسرائيليّون على "عدم جديّة" حديث نتنياهو، وذلك لأنّ معهد "نِس تسيونا"، ليس مُعداً أصلاً لتطوير الأدوية أو اللقاحات، إنّما هو في الحقيقة منشأة تطوير عسكريّ أولاً وأخيراً، يتركّز عملها في تطوير الأسلحة البيولوجيّة والكيماويّة المحرّمة دوليّاً، ومن ضمنها أسلحة الدمار الشامل.

يعمل في المعهد ما يقارب 300 باحث، بميزانيّات وصفتها الصّحافة بالمحدودة، ويخضع المعهد لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيليّ بشكلٍ مباشرٍ، وبتنسيقٍ تام مع الجيش وزارة الأمن، ومن دون أي علاقةٍ تُذكر بوزارة الصحّة. في هذا المقال لمحة عامّة عن "معهد الأبحاث البيولوجيّة" في "نِس تسيونا"، والمقام على أراضي قرية وادي حنين المهجرة، وأهم الأحداث السياسيّة التي تورّط بها هذا المعهد.

الفشل الأكبر في تاريخ المخابرات الإسرائيليّة

تأسس المعهد عام 1952، لكنّ نشاطه بدأ فعليّاً قبل النكبة، إذ حاول أحدُ قادة المنظّمة الصهيونيّة في الأربعينيات، إيهود افريل، تجنيد علماء من أوروبا الشرقيّة للعمل في المشاريع البحثيّة البيولوجيّة. في العام 1957، انضمّ عالمٌ بولنديٌّ يُدعى ماركوس كلينبرغ إلى المعهد، وشغل منصب نائب مدير المعهد حتّى نهاية السبعينيّات.

في العام 1983، اعتقلت المخابرات الإسرائيليّة كلينبرغ بتهمة التجسّس لصالح الاتحاد السوفييتي. أُدين كلينبرغ بنقل معلومات حسّاسة جدّاً عن القدرات العسكريّة البيولوجيّة والكيماويّة الإسرائيليّة مدى سنوات عمله، كما أُدين بنقل خلايا جرثوميّة خطيرة جداً للمخابرات الروسيّة. وقد اعتبر خبراء إسرائيليّون عمليّة التجسس هذه "الفشل الأكبر، والذي لا مثيل له، لجهاز المخابرات العامّة في دولة إسرائيل".

اختطفت المخابرات الإسرائيليّة كلينبرغ، حقّقت معه وحاكمته بسريّةٍ تامّة، وبقيت هويّته مجهولةً حتّى لإدارة السجن الذي قبع فيه 16 عاماً، حتّى حاولت "إسرائيل" مقايضته مع الاتحاد السوفييتيّ مقابل استعادة الطيّار الإسرائيليّ المختطف في لبنان رون آراد.

رحلة رقم 1862

في العام 1992 تحطّمت طائرة تابعة لشركة الطيران الإسرائيليّة "إل عال"، بعد أن اصطدمت بمبنيين سكنيّين في حيّ بايلمور (Bijlmerramp)، جنوب شرق العاصمة الهولنديّة أمستردام. قُتل في تحطّم الطائرة 43 شخصاً، من بينهم ثلاثة من طاقم الطائرة ومسافرة واحدة على متنها.

الحيّ السكنيّ في أمستردام والذي وقعت فوقه الطائرة الإسرائيليّة .

في العام 1998، نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن صحف ألمانيّة أن الطائرة حملت على متنها 189 لتراً من مادّة "DDMB" المستخدمة لتصنيع غاز الأعصاب "سارين". وأفادت الصحف في حينه أنّ الحمولة أُرسلت من الولايات المتّحدة إلى معهد الأبحاث البيولوجيّة في "نِس تسيونا"، وأنّها كميّة كافية لتصنيع 270 كيلوغراماً من غاز "سارين" المستخدم في القتال الكيماويّ.

وأتت هذه التحقيقات الصحافيّة بعد ظهور علامات واضحة على السكّان في منطقة تحطّم الطائرة، من أمراض عصبيّة متعدّدة، وارتفاع في حالات السرطان، وارتفاع نسب التشوّهات عند حديثي الولادة.

استهداف قيادات "حماس"

في العام 1997 حاول عميلا "موساد" اغتيال خالد مشعل، من قيادة حركة "حماس"، في العاصمة الأردنيّة عمّان، من خلال رش مادّة سامّة في أذنه. وكانت المادّة السامّة المستخدمة في محاولة الاغتيال قد صُنِّعت في معهد "نِس تسيونا".

فشلت عمليّة الاغتيال بعد أن ألقى مرافقو مشعل القبض على عملاء الـ"موساد". إثر اعتقالهم، ضغطت الأردن على "إسرائيل" للحصول على المصل مضادّ السُم من "معهد الأبحاث"، وبهذا خضع مشعل للعلاج فوراً. لاحقاً، أطلقت "إسرائيل" سراح الشيخ أحمد ياسين ومجموعة من المقاومين مقابل استعادة عملاء الموساد المعتقلين لدى الأردن.

خالد مشعل بعد محاولة اغتياله بالسم المُصنع في "معهد الأبحاث البيولوجيّة". صورة أرشيفية.

في العام 2010، ذكرت مصادر صحافيّة إسرائيليّة أنّ اغتيال محمود المبحوح في فندق في دُبيّ قد تمّ باستخدام سُمٍ جرى تطويره كذلك في معهد "نس تسيونا".

شوكلاطة أم معجون أسنان؟  

في العام 2012، نشر الكاتب أهارون كلاين كتاباً ادّعى فيه أن وفاة وديع حداد، القياديّ في الجبهة الشعبيّة، لم تكن وفاةً طبيعيّة. بحسب الكتاب "حساب مفتوح"، سمّم الموساد حدّاد بواسطة مادةٍ سامّةٍ من تصنيع "معهد الأبحاث"، أُدخلت إلى لوح شوكلاطة فاخرة قُدِّم هدية لحدّاد من عميلٍ عراقيٍّ للموساد في بغداد. بحسب الكتاب، أدّى هذا السم إلى انهيارٍ في جهاز المناعة لدى حدّاد، مما أدّى لاحقاً إلى وفاته في ألمانيا الشرقيّة عام 1978، ولا يزال سبب وفاته مجهولاً.

من جهةٍ أخرى، ادّعى الكاتب رونين برغمان في كتابه "انهض واقتل أولاً" الصادر عام 2018 أنّ وسيلة اغتيال حدّاد كانت من خلال معجون الأسنان. بحسب الكتاب، طوّر "معهد الأبحاث" في "نِس تسيونا" معجونَ أسنانٍ يحتوي سُمّاً، ووضعه عملاء الـ"موساد" بدل معجون الأسنان الذي استخدمه وديع حدّاد. في كلا الحالتين، فقد كان "معهد الأبحاث" متورّطًا بالدرجة الأولى في هذا الاغتيال. بحسب الصحافيين الإسرائيليين المتخصصين في النشاط الاستخباراتيّ، فقد كان اغتيال حدّاد أوّل "اغتيال بيولوجيّ" تُقدم عليه "إسرائيل".

 

طالب الدبس

يبدو حتّى اللحظة أن مزاعم التقدّم الإسرائيليّ نحو اكتشاف مضادّ لفيروس "كورونا" ليست إلا إعلانات سياسيّة لا أساس لها. كما يُفيد الخبراء أن تطوير العلاجات والتطعيمات ليس مسألة تحدث بين ليلةٍ وضحاها، بل هي عمليّة بحثٍ ثم تطويرٍ طويلة تتلوها شهور طويلة من التجارب التدريجيّة.

إنما وبمعزلٍ عن صحّة هذه الادعاءات، تكشف لنا هذه الحالة طبيعة "الخير" الذي تدّعي "إسرائيل" تقديمه للعالم بفضل تقدّمها العلميّ. فهي حتّى لو توصّلت إلى مضادّات للفيروس الذي يفتك بالعالم، فإنّها لا تفعل ذلك إلا من قلب منظومة القتل والتدمير، ومن داخل إحدى أخطر المنشآت التي تحترف منذ النكبة تصنيع أسلحة الإبادة الجماعيّة المحرّمة دوليّاً.



* تنشر هذه المادّة ضمن برنامج الزمالة لتدريب الكتاب والصحافيين، والذي بدأته متراس منذ ديسمبر/ كانون الأول 2019.