لم تحكم الصدامات العسكرية المباشرة وغير المباشرة علاقة واشنطن وطهران طوال العقود الماضية إلا في نطاقات ضيقة، إذ أرست الثورة الإسلامية في إيران أواخر سبعينيات القرن الماضي فصلاً جديداً في العلاقات الأميركية - الإيرانية يقوم على العداء، وتحكمه المؤامرات والمكائد، قبل أن يتحول إلى لعبٍ صريحٍ بالنار إبان فترتي حكم الرئيس دونالد ترامب.
اقرؤوا المزيد: رحلة العداء بين أميركا وإيران(1): من الشاه إلى الخميني
ما أهم المكائد الأميركية التي أشرفت عليها وكالة الاستخبارات المركزية؟ وكيف شكّلت هذه السياسات المغلّفة بالدبلوماسية الكاذبة ملامح العلاقة بين طهران وواشنطن؟ وأي علاقة جدلية ربطت بين تلك السياسات الخارجية الأميركية تجاه طهران والمشهد الداخلي الأميركي؟
الانتهاك المبكّر
تعقّدت العلاقات الأميركية الإيرانية بعد الثورة الإسلامية التي أزاحت الشاه عن عرش طهران عام 1979، وشهدت منعطفات تاريخية ألقت بظلالها على البلدين حتى اليوم، وكانت أزمة الرهائن عام 1979 أحد أهم هذه المنعطفات، حين احتجز طلاب إيرانيون مناصرون لخامنئي 53 دبلوماسياً وموظفاً أميركياً داخل السفارة الأميركية في طهران، واستمر ذلك 444 يوماً، ليبدأ مسلسلٌ طويلٌ من العقوبات الأميركية وعقودٌ من اللعب في الظل وسياسات الشد والجذب بين الجانبين.
انتهت الأزمة بتوقيع اتفاق الجزائر بين واشنطن وطهران بتاريخ 19 كانون الثاني/ يناير 1981، أي قبل يوم واحد من تنصيب رونالد ريغان وانتهاء ولاية جيمي كارتر. أشرف على عقد الاتفاق نائب وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر، ووُقع في العاصمة الجزائر بوساطةٍ من الحكومة الجزائرية.
تضمن الاتفاق عدداً من البنود المفصلية التي تعهدت بموجبها واشنطن بعدم التدخل في الشؤون السياسية والعسكرية الداخلية لطهران، والإفراج عن الأصول المجمدة البالغة 8 مليارات دولار، ورفع العقوبات التجارية التي فرضتها إدارة كارتر عقب اندلاع الأزمة، إضافة إلى تسليم أصول الشاه وثرواته لدى واشنطن مقابل الإفراج عن الرهائن المحتجزين.
تضمن الاتفاق أيضاً بنوداً متعلقة بسداد الديون الإيرانية لواشنطن، وإنشاء محكمة المطالبات الأميركية - الإيرانية القائمة على التحكيم الدولي بديلاً عن الدعاوى القضائية المقامة بين البلدين، سواء تلك المنظورة أمام القضاء الوطني أو تلك التي رفعتها واشنطن على طهران أمام محكمة العدل الدولية، واتخذت المحكمة الوليدة مقراً لها في لاهاي، هولندا.
اقرؤوا المزيد: من الأخلاق إلى السياسة.. هل عداوة إيران كعداوة "إسرائيل"؟
لكن سرعان ما نقضت واشنطن عهودها وانتهكت بنود الاتفاق، بعد أن استوفت كامل مطالباتها من طهران وسوّت شكاواها البالغ عددها 4700 مطالبة أمام المحكمة، وحصّلت بموجبها تعويضات بقيمة 2.5 مليار دولار لأفرادٍ وشركاتٍ أميركية تضررت من أزمة الرهائن، وامتنعت واشنطن عن رفع التجميد عن كامل أصول طهران وماطلت في سداد المستحقات الناجمة عن المبيعات العسكرية الخارجية التي عمل الشاه على تسوية أمورها قبل عزله، ما دفع طهران للإعلان عن نيتها رفع دعاوى قضائية على واشنطن لإخلالها ببنود الاتفاق.
أما الإخلال الأكبر ببنود الاتفاقية فقد كان بمكائد دأبت وكالة الاستخبارات الأميركية على نسجها لإسقاط النظام الإيراني، فمنذ عام 1982، أي بعد عام واحد من توقيع الاتفاق الملزم قانونياً، بدأت الاستخبارات الأميركية صرف مبلغ 100 ألف دولار شهرياً لمجموعةٍ معارضةٍ تدعى "جبهة تحرير إيران" تتخذ من باريس مقراً لها، ويرأسها علي أميني، الشخصية الإيرانية التي أشرفت على إعادة النفوذ الأجنبي إلى صناعة النفط بعد انقلاب عام 1953 الذي أطاح بمحمد مصدّق.
قدمت الاستخبارات الأميركية دعماً لمجموعتين شبه عسكريتين إيرانيتين اتخذتا من تركيا مقراً لهما، ونشطتا بهدف الانقلاب على نظام المرشد، وترأس إحداهما قائد جيش الشاه بهرام أريانا، بهدف إعادة الحكم الملكي والانقلاب على الجمهورية الوليدة.
خلال ثمانينيات القرن الماضي، ساهمت وكالة الاستخبارات المركزية أيضاً في تمويل ابن الشاه رضا بهلوي، إذ سيطرت على تردد شبكة التلفزيون الوطني الإيراني وبثت خطاباً لبهلوي يقول فيه "سأعود"، بهدف بث القلاقل والفوضى في الشارع الإيراني وتشجيعه على الثورة ضد حكم المرشد.
وحتى بعد اضطرارها لإيقاف الدعم المالي المعلن لنجل الشاه عقب فضيحة إيران - كونترا، سهّلت الوكالة لبهلوي الاتصال بحكومات عربية موالية لها مثل المغرب والسعودية والكويت والبحرين، التي شاركت في تمويل الرجل طمعاً في عودته لتولي زمام الأمور في طهران.
اقرؤوا المزيد: "تأديب الجغرافيا": لماذا تستهدفنا الحرب الجديدة جميعاً؟
استمرت الاتصالات الأميركية الرسمية مع رضا بهلوي خلال الألفية الحالية، ففي مطلعها وتحديداً مع غزو العراق وانطلاق قطار الحرب الأميركية المفتوحة على الإرهاب، شكّل عدد من مسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية السابقين ومسؤولي إدارات أميركية سابقة مجموعة عمل داخلية تحت مسمى "التحالف من أجل الديمقراطية في إيران"، عملت على تشكيل لوبي أميركي - إيراني للضغط باتجاه إعادة بهلوي إلى عرش طهران، وترددت أنباء عن اتصالات نشطة بين الأخير والبنتاغون.
واصلت الوكالة تمويل المتمردين والمنشقين والمعارضين الإيرانيين في الداخل والخارج سواء كانوا بطابع مدني يتخذ من مؤسسات المجتمع المدني غطاء لأعماله، أو جماعات ذات طابع عسكري مثل "مجاهدي خلق" وجماعات كردية مختلفة، وكان ذلك عبر واجهات تمويل داخلية منها المؤسسة الوطنية للديمقراطية التي حصلت على ميزانيات ضخمة من الكونغرس طوال تسعينيات القرن الماضي وامتد عملها حتى وقت قريب، وغيرها من المجموعات التي حصلت على دعم وتمويل من الوكالة بصورة رسمية أو سرية ومنها مؤسسة الديمقراطية في إيران، والمجلس الوطني الإيراني الأميركي.
إضافة إلى هذه التدخلات لإسقاط نظام الحكم في إيران، دأبت واشنطن - خلافاً لتعهدها في اتفاق الجزائر - على فرض عقوبات متنوعة على طهران، ورافقت هذه العقوبات جميع الإدارات الأميركية المتعاقبة كقاعدة عامة، إذ أصبحت طهران نموذج العدو الخارجي الذي يثبت البيت الأبيض شرعيته وكفاءته في التشديد عليه وملاحقته.
طالت العقوبات الأميركية المتتالية كل مناحي الحياة في طهران، ولم تقتصر على الحرس الثوري أو شخصيات النظام، بل امتدت للشارع الإيراني، حرمته من المواد الغذائية والدوائية والسلع الأساسية والمواد الصناعية، فضلاً عن القطاع المالي وقطاع الطاقة، ملقيةً بظلالها الثقيلة على الحياة اليومية لعموم الشعب الإيراني.
اللعب على الحبلين
لعبت واشنطن دوراً مزدوجاً في حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران (1980 - 1990) التي راح ضحيتها نحو مليوني قتيل من الجانبين، وبينما حرص جيمي كارتر على إعلان حياد واشنطن في الصراع بين الجارتين مع التأكيد على استقرار إمدادات النفط فيها، اتخذ دونالد ريغان بمجرد توليه للرئاسة عام 1981 موقفاً متشدداً من طهران واصفاً إياها براعية الإرهاب، ومعلناً دعماً صريحاً لصدام في هذه الحرب.
جاء موقف ريغان وإدارته استناداً إلى تقديرات وكالة الاستخبارات الأميركية بأن التفوق الإيراني في هذه الحرب سيهدد المصالح الأميركية في دول الخليج، خاصةً السعودية والكويت، بما في ذلك تعطيل صادرات النفط الحيوية الموجهة للاقتصادات الغربية وعلى رأسها واشنطن.
مالت إدارة ريغان في العلن إلى نظام البعث في العراق بوصفه نظاماً علمانياً رغم شموليته، وقادراً على مناوأة النفوذ السوفييتي، رغم أن موسكو كانت حينها تمدّ الطرفين بالسلاح، بل أقرب إلى بغداد منها إلى طهران في تلك الحرب.
رغم هذا الانحياز المعلن لصدام، فإن الوثائق الاستخبارية الأميركية التي رُفعت عنها السرية تكشف أن ريغان تبنى سياسة احتواءٍ لا دعم لصدام حسين، وأن الدعم الأميركي المتمثل في رفع بغداد عن قوائم الدول الراعية للإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخبارية معها، وتقديم القروض الاقتصادية التي وصلت قيمتها إلى مليار دولار، وإمدادها بالتكنولوجيا ذات الاستعمال المزدوج، كانت تهدف لمنع طهران من تحقيق انتصار حاسم دون السماح لبغداد بالتفوق في المنطقة، وبالتالي الحفاظ على حالة الجمود وإطالة أمد النزاع وإنهاك الطرفين معاً، وفي الوقت نفسه تحقيق استقرار نسبي لمناطق النفط هناك.
اقرؤوا المزيد: من هرمز إلى الشام.. ارتدادات الحرب الكبرى
وبينما دعمت واشنطن إلى جانب السعودية والكويت صدام في العلن، كانت تمدّ طهران بالأسلحة في السر، فضلاً عن إمداد العراق بأسلحة كيميائية محرّمة دولياً استُخدمت في مذابح متعددة بين الطرفين، في محاولة وُصفت لاحقاً بإذكاء نار الحرب بين الجارتين، وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في حرب تريد منها واشنطن أن يخرج الطرفان منهكين وخاسرين.
على هذا الأساس، يمكن الجزم بأن واشنطن شاركت في جرائم الحرب التي ارتُكبت من الطرفين بالأسلحة والمعدات والخطط العسكرية، فهناك أدلة تشير إلى ضلوع جهات أميركية في تصنيع الأسلحة الكيميائية التي وجّهها صدام حسين بغاز الخردل وغيره من الغازات السامة المحرمة دولياً ضدّ الإيرانيين والعراقيين الموالين لإيران، وتزويد نظام البعث بموادّها.
أظهرت مذكرة داخلية تلقاها وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز (1982 - 1989) أن الجهات الاستخبارية الأميركية أكدت استخدام صدام للأسلحة الكيميائية بشكل شبه يومي، وهي أسلحة تصنعها جهات غربية ومنها أميركية، وتكشف لاحقاً قيام شركة أميركية بشحن 22 ألف رطل من فلوريد الفسفور المستخدم في تلك الأسلحة إلى العراق.
اقرؤوا المزيد: مضيق هرمز.. عنق زجاجة العالم
وبدلاً من أن تدين واشنطن ولو عرضاً ما يعد جريمة حرب، تجاهلت إدارة ريغان الحدث برمّته، وأغمضت عينيها عن انتهاكات الجانبين في تلك الحرب، بتوصية من مجلس الأمن القومي الأميركي.
على خلاف الموقف المعلن الذي حمله دونالد رامسفيلد مبعوث ريغان إلى صدام من أن الولايات المتحدة تتفهم حق العراق في خلق توازنٍ للقوى في المنطقة والحفاظ على مصالحه، فقد كان مستشار الأمن القومي لريغان روبرت ماكفرلين يرى في إيران جائزة واشنطن الاستراتيجية في المنطقة، وصرح لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز" أنه يرى في طهران "أهون الشرين" بين دولتين غير مستقرتين ومعاديتين لأميركا في المنطقة، وعليه فإن واشنطن تسعى لضمان عدم انتصار أي من الطرفين ودفعهما إلى مسار تسوية تفاوضية تحصد واشنطن منه استقراراً لمصالحها على حساب طرفي الصراع.
عملية "ستانش" وسياسة الخديعة
في ذروة الحرب العراقية الإيرانية، وبينما كانت ساحات القتال بين الطرفين على أشدّها، خرجت واشنطن بثياب الواعظين مطلقة عملية ستانش، وهي سلسلة جهود دبلوماسية دولية امتدت بين عامي 1983-1986 هدفت إلى قطع الإمدادات الإيرانية من الأسلحة، لإجبار الأطراف المتنازعة على وضع حدٍّ للحرب قبل أن تحرز طهران تقدّماً في العمليات العسكرية، والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
سعى كلٌ من وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز والدبلوماسي الأميركي ريتشارد فيربانك للضغط على دول العالم، وبالتحديد الصين وإيطاليا وحلفاء الاتحاد السوفييتي، لوقف صادراتها من الأسلحة إلى طهران، بوصفها تشكّل تهديداً للمصالح القومية الأميركية في الخارج، خاصةً أمن الطاقة الذي رأت في انتصار طهران تهديداً مباشراً له وتعزيزاً لنفوذها في المنطقة.
تضمنت العملية جهوداً استخبارية انخرطت فيها كل من وكالة الاستخبارات الأميركية ومجلس الأمن القومي الأميركي، لتتبع قنوات التسليح الإيرانية والتنسيق بين القنوات الدبلوماسية والاستخبارية، بهدف رسم خريطة للموردين وطرق الشحن وتعطيل أنظمة الأسلحة الثقيلة من طيران ومنظومات صواريخ في المرحلة التأسيسية، ثم تبنّي صيغة دولية تتضمن معسكراً أممياً لفرض حصار على تصدير السلاح لطهران. علماً أن إدارة ريغان التي أقرت هذه العملية سبق أن رفضت عملياً قرار مجلس الأمن رقم 598 الذي طالب كلا الطرفين بالانسحاب وإيقاف الأعمال العدائية.
رافق الجهود الاستخبارية معسكر دبلوماسي مكثف قام بتوجيه برقيات إلى 60 دولة، ومارس ضغوطاً شتى في القنوات الخلفية لحثها على الالتزام بحظر الأسلحة المفروض على طهران.
اقرؤوا المزيد: دعارة إبستين تُعيد تشكيل العالم
استجابت بعض الدول مثل البرازيل للضغط الأميركي وأوقفت صادراتها مؤقتاً إلى طهران، فانخفضت قيم مؤشر الاتجاهات الصادر عن معهد "SIPRI" من 541 مليوناً في عام 1982 إلى 474 مليوناً في عام 1984، إلا أن نجاح العملية ظل جزئياً، في حين استمر التدفق المعقد للأسلحة إلى طهران عبر قنوات تهريب سرية يصعب التحكم فيها أو متابعتها.
رغم أن النجاح لم يكن إلا جزئياً، فإن انخفاض واردات طهران من المعدات الثقيلة مثل محركات الطائرات والرادارات ومكونات الصواريخ ألجأ طهران إلى الصين وكوريا الشمالية، اللتين وفرتا بحلول منتصف 1986 ما نسبته 70% من واردات طهران العسكرية، بمعدات غير متكاملة مع المعدات الغربية القديمة لدى طهران، ما زاد من أعباء الصيانة والتشغيل اللوجستية، الأمر الذي أخّر الجهود الحربية الإيرانية، وعزز من موقف العراق الدفاعي بحسب تقارير استخبارية أميركية.
وفضلاً عن تأثيرها على إيران، ما زالت عملية "ستانش" تلقي بظلالها على العلاقات الأميركية الخليجية حتى يومنا هذا، إذ جسّدت نهجاً واقعياً لأثر احتواء التسليح الإيراني على أمن واستقرار المنطقة، فالاستراتيجية مبنية على حماية ممرات الشحن الحيوية من خلال قطع إمدادات الخصم من السلاح دون قتال مباشر، وانتشار بحري أميركي في خليج العرب وتعزيز التواجد العسكري لواشنطن في المنطقة برمّتها.
فضيحة إيران - كونترا
تُعد فضيحة إيران - كونترا التي امتدت بين عامي 1984 - 1987 أحد أبرز أوجه المكيدة الأميركية التي دُبِغت بها إدارة ريغان، وهي عملية سرية مزدوجة وقعت في دولتين من دول العالم الثالث لمواجهة نظامي حكم شكّلا وفقاً للعقيدة الأمنية الأميركية تهديداً للمصالح والأمن القومي الأميركي في الخارج.
التقت في قضية إيران كونترا ترتيبات سياسة خارجية سرية للإدارة الأميركية تجاه كل من نيكاراجوا وإيران، في وقت كان فيه الكونغرس منع التدخل الأميركي المباشر في أي من البلدين. ففي نيكاراجوا سعت إدارة ريغان لمواصلة دعم متمردي الكونترا الديمقراطيين لمواجهة حركة "الساندينيستا" الشيوعية، في التفاف على تعديل بولاند الذي أمر فيه الكونغرس برفع يديه عن نيكاراجوا ووقف تمويل حركة "كونترا" اليمينية.
أما الشق الإيراني من الفضيحة فيتعلق بتواصل إدارة ريغان مع طهران لتزويدها بصفقات سلاح سرية مقابل الإفراج عن رعايا أميركيين محتجزين من قبل "حزب الله" والجهاد الإسلامي الموالية لإيران في لبنان، وهي أزمة متواصلة استمرت بين عامي 1982- 1992، وفي الوقت نفسه استخدام عوائد تلك الصفقات لتمويل حركة "كونترا" عبر طرف ثالث وصناديق خاصة. كل هذا في ظل قرار الكونغرس بمنع تسليح إيران.
اقرؤوا المزيد: أزمة النخبة الأميركية: من وحل إبستين إلى غزو العالم
عمل كل من مجلس الأمن القومي الأميركي ووكالة الاستخبارات المركزية على الالتفاف على قرارات الكونغرس وتوظيف السلطة الرئاسية، وطرف ثالث لتنفيذ سياسة خارجية غير مشروعة بدعوى المصلحة العليا للأمن القومي الأميركي.
تورط في الفضيحة إلى جانب الإدارة الأميركية كل من منوشهر قرباني فر، وهو رجل أعمال إيراني عميل للولايات المتحدة، وعدنان خاشقجي، وهو رجل أعمال سعودي ومتعاون مع الموساد، ويُعد الرجلان، إضافة إلى المسؤول الإسرائيلي ديفيد كمحي، المهندسين الأوائل لما عُرِف لاحقاً بـ "صفقة الأسلحة الإيرانية مقابل الرهائن".
تضمنت الصفقة بيع 235 صاروخ هوك المضاد للطائرات، و1500 صاروخ تاو الأميركي المضاد للدبابات، وأجزاء من طائرات حربية من طراز "أف 4" و"أف 14" و"سي 130"، ومعدات تنقيب عن النفط، في دفعات لإيران عبر "إسرائيل"، إضافة إلى فتح قنوات اتصال سرية مع النظام الإيراني تمهيداً لقلب صفحة العداء واستئناف العلاقات الدبلوماسية الأميركية - الإيرانية. ادعت الإدارة الأميركية لاحقاً أن الأسلحة سُلّمت لأتباع هاشمي رفسنجاني ورفاقه الذين تنظر إليهم واشنطن كعناصر معتدلة في النظام الإيراني يمكن فتح قنوات دبلوماسية مستقبلية معهم.
اقرؤوا المزيد: مخلّص آخر الزمان!
ورغم توقيع ريغان لقرار بيع الأسلحة إلى طهران، فإن عملية نقل الأسلحة مرت بأكثر من مرحلة تضمنت عدة احتيالات وواجهت تحديات دولية اتخذت فيها وكالة الاستخبارات الأميركية شركات خاصة مملوكة لها كغطاء للعملية يحول دون توريط الولايات المتحدة رسمياً، بينما دفعت طهران مقابل هذه الأسلحة ما بين 30 و48 مليون دولار ذهب منها ما بين 3.8 و18 مليون دولار لدعم قوات "كونترا"، أما بقية الأرباح فتوزعت على وكالة الاستخبارات وشخصيات إيرانية وإسرائيلية وأميركية مساهمة في الصفقة. وبعد هذا كله لم يتم إطلاق سراح جميع الرهائن الأميركيين في لبنان.
ومع نشر صحيفة "الشراع" اللبنانية في تشرين الثاني/ نوفمبر 1986 تفاصيل الصفقات السرية، كُشف عن واحدة من أكبر عمليات الاحتيال الأميركية، ضلع فيها البيت الأبيض خلال ثمانينيات القرن الماضي، وفُتح معها فصلٌ من التحقيقات والمحاسبة الأميركية الداخلية، من ضمنها لجنة تاور للتحقيق التي تمخّضت عنها إدانات متعددة لمسؤولين أميركيين ضالعين في الصفقة، إلا أن رونالد ريغان لم يكن من ضمنهم.
لم تتوقف واشنطن بأجهزتها الدبلوماسية والاستخبارية على إثر هذه الفضيحة عن نسج المكائد والتآمر السري والعلني على طهران طوال العقود الماضية، بل لجأت إلى طرق ملتوية وأطراف ثالثة وحجج واهية للحفر ضد طهران من قريب ومن بعيد، حتى وصلت إلى نقطة الذروة مع إدارة ترامب الثانية.