14 أبريل 2026

غزة تتنفس السموم

غزة تتنفس السموم

على مساحةٍ لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً، كان يعيش في قطاع غزة ما يقارب 2.23 مليون نسمة، ما يجعله واحداً من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، هذا الواقع الديموغرافي شكّل ضغطاً بيئياً استثنائياً، إذ كان القطاع يُنتج قبل الحرب نحو ألفي طنٍ من النفايات الصلبة يومياً، وأكثر من 700 ألف طن سنوياً، ناتجة عن الأنشطة المنزلية والتجارية والزراعية والصناعية، إضافة إلى مخلفات البناء والركام والحمأة الناتجة عن معالجة مياه الصرف الصحي. 

تُظهر تحليلات تركيب النفايات الصلبة في غزة أن أكوام النفايات في المكبات تحتوي على نفايات عضوية بنسبة 58%، وبلاستيك بنسبة 15%، وورق وكرتون بنسبة 14%، في حين تشكل المعادن نحو 1.5% ، والزجاج 0.5%، أما النسبة المتبقية فتحتوي على مكونات أخرى مثل الرمال ومخلفات البناء والنفايات الزراعية. 

تتركز هذه الكميات الضخمة من النفايات في مواقع طمر رئيسة موزعة على شمال القطاع ووسطه وجنوبه، حيث كانت النفايات تتكدس يومياً بكميات هائلة حتى قبل اندلاع الحرب.

يشرح هذا المقال كيف جعل الاحتلال الإسرائيلي النفايات أزمة كبرى في قطاع غزة، حتى وصل الأمر إلى "إبادة بيئية" وفق وصف وكالة "الأونروا"، تندرج في إطار الإبادة الجماعية وتشكيل البيئة الطاردة في القطاع، الهادفة إلى تحقيق التهجير القسري، كما يقترح الحلول الممكنة لهذه الأزمة.

مقابر مؤقتة 

قبل حرب الإبادة، كانت إدارة النفايات الصلبة في قطاع غزة تعتمد على 10 مكبات نفايات مركزية ومؤقتة وعشوائية، أبرزها مكب جحر الديك في شرق القطاع ومكب الفخاري في جنوبه، وهما الأكبر من حيث المساحة ومعدل الطمر اليومي، وتشير بياناتٌ محليةٌ إلى أن مكب جحر الديك وحده يحتوي على ما يقارب أربعة ملايين طنٍ من النفايات الصلبة المتراكمة منذ عام 1986، ما يعكس العبء التراكمي طويل الأمد لهذا الملف.

وفي شمال غزة، تتجمع النفايات الصلبة في ثلاثة مكبات عشوائية رئيسية: مكب جباليا شرق محطة معالجة مياه الصرف الصحي، ومكب بيت لاهيا غرب أبراج الندى، ومكب آخر بمحاذاة السياج الفاصل في بيت حانون، وتحتوي هذه المواقع مجتمعة على أكثر من 100 ألف طن من النفايات المتراكمة. 

في هذا السياق، لم تكن إدارة النفايات في غزة يوماً قضية تقنية معزولة، بل مسألة مركبة تتقاطع فيها محدودية المساحة، والحصار، ونقص الموارد، والضغط المستمر على البنية التحتية، ومع اندلاع الحرب الأخيرة وما رافقها من تدميرٍ واسعِ النطاق وانهيار كامل لمنظومة الخدمات البلدية، تحولت أزمة النفايات من تحدٍ مزمن إلى خطر بيئي وصحي مباشر، تجلّى في ظهور مقابر مؤقتة للنفايات حول مناطق النزوح واكتظاظ المواطنين.

اقرؤوا المزيد: الإبادة البلاستيكية

وبعد عامين ونصف من الإبادة البيئية المتواصلة، والقصف الواسع، وتدمير كل نواحي البنية التحتية، ونقص الوقود الحاد، وتعطل حركة الشاحنات والآليات الثقيلة وتدمير كثير منها، بات جمع النفايات، إن حدث أصلاً، ينتهي غالباً في مواقع تجميع وطمر مؤقتة قريبة من أماكن نزوح السكان، بدلاً من المكبات المخصصة والمصممة لهذا الغرض.

مكب نفايات في مخيم النصيرات جنوب غرب مدينة غزة. (عبد الكريم حنا / أسوشيتد برس)
مكب نفايات في مخيم النصيرات جنوب غرب مدينة غزة. (عبد الكريم حنا / أسوشيتد برس)

وتشير تقديراتٌ حديثةٌ إلى أن نحو 900 ألف طن من النفايات تتراكم اليوم في شمال القطاع وجنوبه، فإضافة إلى مشكلة جمع النفايات، تتفاقم الأزمة بمنع الوصول إلى المكبات المركزية الواقعة ضمن المناطق الحدودية التي يسيطر عليها جيش الاحتلال شرق ما يُعرف بـ "الخط الأصفر"، حتى بعد إعلان وقف الحرب. 

ونتيجة لذلك، تراكمت الكميات الهائلة من النفايات في مكباتٍ عشوائيةٍ، ما حوّلها إلى مقابر نفاياتٍ متعددةٍ ومتناثرة في وسط القطاع وحول مخيمات النازحين، قُدِّر عددها بما يزيد على 225 مكباً عشوائياً خلال العام 2025، ما يؤدي إلى انتشارٍ واسعٍ للبعوض والقوارض، ورفع مخاطر تلوث المياه الجوفية في بيئة تعاني أصلاً من شح المياه الصالحة للاستخدام. 

وفي هذا السياق، تُوصف أزمة الوقود لدى البلديات بأنها الأخطر والأكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة، إذ تضطر البلديات إلى استدانة الوقود لتسيير الحد الأدنى من خدماتها، وعندما يتعذر ذلك، تُجبر على تقليص عملياتها اليومية بسبب عجزها عن تشغيل آليات الجمع ومرافق الخدمة الأساسية، ما يكرس حلقة مفرغة من التراكم والتلوث والمخاطر الصحية المتصاعدة.

سموم تحاصر الخيام 

اتّبع جيش الاحتلال سياسة ممنهجة لإغراق قطاع غزة بالنفايات منذ بدء الإبادة، من خلال الاستهدافات المباشرة والممنهجة للبنية التحتية المدنية، بما في ذلك مقار البلديات، وشبكات الصرف الصحي، وآليات جمع النفايات، وهي مرافق أساسية لاستمرار حياة السكان.

 تفاقمت أزمة النفايات على نحو حاد بعد 2 آذار/ مارس 2025، مع إعادة فرض حصار شامل تضمّن وقف دخول الوقود اللازم لتشغيل ما تبقى من معدات إدارة النفايات، ما أدى إلى توقفٍ شبه كامل لخدمات جمع القمامة. 

أكوام من القمامة تصطف على جانبي الشوارع بالقرب من ملعب اليرموك في مدينة غزة في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2025. (مصدر الصور: عبد القادر صباح/ drop site news)

وفي ظل هذا الانهيار، اختلطت تيارات نفايات كان يُفترض فصلها: نفايات منزلية عضوية وبلاستيكية، ومخلفات هدم وردم من الإسمنت والحديد والخشب والزجاج، ونفايات رماد وحرق، وأحياناً نفاياتٌ خطرة مرتبطة بالمواقع المتضررة، وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى ضرورة التمييز بين ركام الحرب ومخلفات البناء الاعتيادية، لأن الأول قد يحمل ملوثات خطرة مثل الأسبستوس والمعادن الثقيلة، ما يجعل الفصل المبكر خطوة حاسمة صحياً وبيئياً. 

اقرؤوا المزيد: أين تخفي "إسرائيل" ركام غزة؟

ويُعد تعطل منظومة النفايات الطبية أحد أخطر التحولات، إذ اندمجت النفايات الطبية بالنفايات البلدية العادية قرب التجمعات السكنية ومناطق النزوح، رغم أن الأعوام 2020–2023 شهدت استثمارات وتقدماً ملحوظاً في مرافق معالجة وتعقيم النفايات الطبية، غير أن هذه المكاسب تراجعت بقوة تحت الحرب، رافعةً مخاطر انتقال العدوى والإصابات المهنية، خاصةً تلك المرتبطة بالأدوات الحادة والملوثات، في بيئةٍ مكتظةٍ ومحرومةٍ من الحد الأدنى من مقومات الحماية الصحية.

غزة تتنفس الأسبستوس

تفاقمت أزمة النفايات لتصبح مصدراً لانتشار الأوبئة والأمراض وعودة كثير من الأمراض المعدية والخطيرة مثل مرض شلل الأطفال، ومع التدمير الواسع للمباني والبنية التحتية، تنتشر الجسيمات الدقيقة الناتجة عن القصف والانهيارات لمسافات بعيدة، ملوثة الهواء والمياه والتربة، مع آثار صحية طويلة الأمد لا تقتصر على غزة وحدها.

وتشير دراسة علمية نُشرت خلال عام 2025 إلى أن نحو 800 ألف طن من ركام المباني المدمرة ملوثة بألياف الأسبستوس، وهي مادة مسرطنة تُصنّف نفاياتٍ خطرةٍ يفترض التعامل معها وفق بروتوكولات خاصة، إلا أنها تختلط اليوم بالنفايات العادية وتُحرق أو تُدفن من دون أي إجراءات وقائية. 

ومع كون نحو 90% من سكان غزة نازحين داخلياً، وأن بعضهم نزح أكثر من عشر مرات خلال عام واحد، بات إحراق النفايات والمواد المختلفة في الهواء الطلق ممارسةً شائعة لتوفير الوقود للطبخ أو التدفئة، ما يفاقم تلوث الهواء ويرفع مخاطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، والآثار السلبية على الحمل والولادة، واضطرابات النمو العصبي، وغيرها من الأمراض المزمنة. 

رجل فلسطيني يجلس قرب النار وسط أنقاض منزله في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، 11 شباط/ فبراير 2025. (مصدر الصورة: رويترز/محمود عيسى)
رجل فلسطيني يجلس قرب النار وسط أنقاض منزله في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، 11 شباط/ فبراير 2025. (مصدر الصورة: رويترز/محمود عيسى)

وتزداد خطورة هذا المشهد حين ندرك أن ركام الحرب لا يقتصر على المواد الملوثة والذخائر غير المنفجرة، بل قد يحتوي أيضاً على رفاتٍ بشري، ما يجعل التعامل معه قضية سلامةٍ عامةٍ وكرامةٍ إنسانيةٍ بقدر ما هو ملف بيئي، فخلط هذا الركام عشوائياً مع النفايات البلدية، ثم إحراقه أو طمره بلا فرز، يضاعف المخاطر الصحية والبيئية، ويحول الأرض نفسها إلى مصدر تلوثٍ دائمٍ وحاملٍ لصدماتٍ مؤجلة.

اقرؤوا المزيد: جيش الإبادة يحافظ على البيئة بتقليل استخدام البلاستيك!

ويزيد ظهور مئات المكبات العشوائية بلا عزلٍ أرضيٍ ولا إدارةٍ للعصارة والغازات خطر تلوث التربة والمياه الجوفية، خاصةً مع هشاشة منظومة الصرف الصحي وتضرر محطات المعالجة، وتزداد المخاطر مع الشتاء والفيضانات حول الخيام ومناطق تجمع المياه الراكدة، حيث تتسارع دورة الحشرات والقوارض والأمراض الجلدية والتنفسية والمعوية في بيئةٍ مكتظة.

ليست غزة جديدة على أزمات الردميات والنفايات بعد الحروب، إذ إن تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة بعد حرب 2008–2009 تحدثت عن تحديات التخلص الآمن من كميات كبيرة من الركام، ومشكلات الصرف والتلوث الساحلي، كما أظهرت تقارير "أوتشا" قبل الحرب الأخيرة أن الوصول إلى المكبات القريبة من السياج كان بالأساس موضوعاً حساساً مرتبطاً بالقيود الأمنية والتنسيق، ما يعني أن "عنق الزجاجة" كان موجوداً حتى قبل 2023 لكنه انفجر الآن على نطاق غير مسبوق.

سلم نحو النجاة 

منذ بدء سريان إعلان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، لم تتحول الأزمة تلقائياً إلى مسار حل، لأن جزءاً كبيراً من القدرة على التعافي مرتبطٌ بإتاحة الوصول إلى المكبات الصحية ومواقع الخدمات في الشرق، وهي مناطق تتقاطع اليوم مع ما بات يوصف ميدانياً بـ "الخطوط الصفراء" ومناطق سيطرة/ تحصينات مثل مكبات جحر الديك والفخاري، ما يحدُّ من حركةِ البلديات والفرق الفنية.

وتشير تقارير حديثة إلى أن عدد مواقع الطمر المؤقتة تراجع في 2024–2025، لكن المكبَّين الصحيَّين الرئيسَين ما زالا غير متاحين على نحو فعّال، وحتى المواقع المؤقتة المتبقية لا يُمكن الوصول إلا إلى جزء صغير منها، وهو ما يُبقي الأزمة في حالة "تدوير للخطر" بدل إنهائه.

ويتطلب الخروج من الأزمة سُلَّماً من خطواتٍ مترابطةٍ ومكثفةٍ، منها تحديد خرائط دقيقة لمواقع الطمر المؤقت وكمياتها، والبدء بفصل الحد الأدنى من التيارات الأخطر فوراً، مثل النفايات الطبية، والركام عالي الخطورة، كما يحتاج الأمر إلى فتح ممرات وصولٍ آمنةٍ إلى المكبات الصحية، والسماح بإدخال آليات ووقود وقطع غيار.

اقرؤوا المزيد: على أكتاف الرجال: هكذا واصلت بلديّة غزّة عملها

ومن الضروري أيضاً الضغط على سلطات الاحتلال لإدخال المعدات والآليات الثقيلة اللازمة لإخراج جثث الشهداء من تحت ركام المباني المدمرة، ليجري بعد ذلك التعامل مع هذا الركام الذي يضاعف أزمة ملف إدارة النفايات في غزة ما بعد الإبادة. 

هذا النوع من إدارة ما بعد الحرب تطرحه أطرٌ أمميةٌ وتقارير متخصصةٌ تناولت ملف النفايات والركام في قطاع غزة، غير أن قابلية تطبيقه تظل مشروطة، في جوهرها، بمدى قدرة المجتمع الدولي على ممارسة ضغطٍ فعليٍ لوقف عرقلةِ سلطات الاحتلال الإسرائيلي لبرامج الترميم والتعافي البيئي. 

وتُظهر التجربة الفلسطينية مع الحروب المتعاقبة أن الدمار لا ينتهي بوقف القصف، بل يتواصل عبر سياساتٍ ممنهجةٍ من التضييق ومنع إدخال المواد والمعدات، وحرمان المجتمع المنهك من الحد الأدنى اللازم لإعادة البناء، وفي هذا السياق، لا يمكن فصل أزمة النفايات والركام عن تاريخ طويل من إعادة إنتاج الخراب، إذ يحارب الاحتلال كل سبل التعافي ليصبح الدمار حالة مستدامة، لا مجرد مرحلة عابرة.



13 نوفمبر 2021
لماذا تُزعِجهم البسطاتُ؟

على شاطئ بحر غزّة، حيث فرش بائعو الذرة والشاي بسطاتهم لكسبِ أرزاقهم، صارت "الواجهة البحريّة" معلّبةً إذ صمّمت بلديّةُ غزّة…

9 نوفمبر 2018
عامٌ على MeToo#
إلى الرجال...

"أي شناعةٍ هذه التي تطلب منّا، لمجرّد أنّنا وُلدنا ذكوراً، أن نسكت، ها؟ أيّ انعدامٍ للعدالة والمساواة هذا الذي يمنعنا…