وسط التقارير عن محادثات أميركية إيرانية عبر وسطاء إقليميين، خرج دونالد ترامب مهدداً بأنه "في حال عدم التوصل إلى اتفاق وفتح مضيق هرمز فوراً، سنفجر جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج".
جاء تهديد ترامب في حين أظهرت بيانات جمعتها صحيفة "بلومبرغ" أن طهران اعتمدت مساراً جديداً لعبور المضيق الحيوي، وقد عبرت منه سفن بالفعل، وبالتزامن مع مشروع قانون في البرلمان الإيراني لفرض رسوم على عبور مضيق هرمز، فضلاً عن مواصلة الحرس الثوري استهداف سفن خلال محاولتها العبور من المضيق، بينما تواصل دول العالم الدعوة إلى احتواء الموقف والتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب.
يسعى هذا المقال لفهم آليات السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي، ودور المضيق بصفته سلاحاً بيد إيران خلال الحرب.
ليس مجرد ممر مائي
يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عُمان، ويصل بين خليج عُمان وبحر العرب من جهة والخليج العربي من جهة أخرى، يبلغ عرض المضيق في أضيق نقطة له 29 ميلاً بحرياً (54 كم)، ويتكون من ممرين ملاحيين، عرض كل منهما نحو ميلين بحريين، تفصل بينهما منطقة عازلة.
اقرؤوا المزيد: "تأديب الجغرافيا": لماذا تستهدفنا الحرب الجديدة جميعاً؟
يُعدّ المضيق شرياناً بحرياً أساسياً لعدد من دول الخليج، فعلى عكس السعودية والإمارات اللتين تملكان منفذاً بحرياً إضافياً، فإن دول العراق والكويت وقطر والبحرين تعتمد على المضيق بشكل شبه كلي لتوصيل غالبية صادراتها النفطية.
ويعتبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، ومورداً رئيسياً للنفط والغاز الطبيعي، ومعبراً لطرق شحن البضائع وحلقة وصل مركزية في سلاسل الإمداد العالمية. فخلال عام 2025 مرّ عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط الخام يومياً، ما يعادل 25% من تجارة النفط البحرية العالمية، في حين بلغ إجمالي حجم الغاز الطبيعي المسال العابر للمضيق أكثر من مليون ونصف مليون برميل يومياً ما يعادل 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.

أما على صعيد واردات الغذاء الحيوية، فإن معظم السفن التي تحمل الحبوب والمواد الغذائية الرئيسية لإطعام الخليج تمر عبر مضيق هرمز، فقد عبر منه خلال العام الماضي نحو 30 مليون طن من الحبوب، توجّهت 14 مليونا منها إلى إيران، والبقية إلى دول الخليج، إذ تستورد السعودية قرابة 40% من حبوبها وبذورها عبر موانيها في شرق الخليج، أما الإمارات فتستورد نحو 90% من ميناء جبل علي.
مغلق حتى إشعار آخر
ما إن أطلقت الولايات المتحدة و"إسرائيل" عدوانهما على إيران، حتى أبلغ الحرس الثوري الإيراني السفن أن مرورها من مضيق هرمز غير مسموح به، وبعد يومين هدد الحرس الثوري بـ "إحراق أي سفينة" تحاول العبور من المضيق، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت حركة الملاحة في المضيق شبه متوقفة تقريباً.
اقرؤوا المزيد: القوة الأميركية العائمة
تسعى إيران من خلال إغلاق مضيق هرمز إلى رفع كلفة الحرب على "الولايات المتحدة"، ويظهر هذا في آخر تهديد أطلقه المتحدث باسم مقرّ خاتم الأنبياء الإيراني: "استعدّوا.. سعر برميل النفط سيبلغ 200 دولار أميركي"، إذ تسعى إيران لتحويل العدوان عليها إلى أزمة إقليمية لا تمسّ أطراف العدوان فقط بل تتوسع إلى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وتدويل ساحة المعركة.

لم يكن إغلاق مضيق هرمز خطوة مفاجئة للأميركيين أو دول المنطقة، فقد هدّدت إيران أكثر من مرة على مدار السنوات الأربعين الماضية بإغلاق المضيق في وجه الملاحة الدولية، إحداها عام 2019 بعد إنهاء الولايات المتحدة الإعفاءات عن شراء النفط الإيراني وفرض عقوبات عليه.
ففي 18 نيسان/ أبريل 1988، خاضت إيران والولايات المتحدة اشتباكاً بحرياً كبيراً قرب مضيق هرمز، حينها شنت البحريّة الأميركية هجوماً واسعاً على القوات البحريّة الإيرانية، تمكن خلالها الأميركيون من تدمير 40% من القدرات العسكرية البحرية الإيرانية. جاء هذا الهجوم رداً على تضرر الفرقاطة الأميركية "يو إس إس صامويل روبرتس" بعد اصطدامها بلغم بحري إيراني في أثناء عملها بالخليج العربي.
مفخخ بالمسيّرات والزوارق الانتحارية
تعتمد إيران في استراتيجيتها على الحرب البحرية غير المتكافئة بدلاً من المواجهة المباشرة مع السفن والمدمرات الأميركية، عن طريق استخدام القوارب السريعة والألغام البحرية والغواصات الصغيرة، فضلاً عن إقامتها قواعد بحريّة على سواحل الخليج.
يقدّر جهاز الاستخبارات المركزيّة الأميركية أن إيران تمتلك مخزوناً كبيراً من الألغام البحريّة، يصل إلى خمسة أو ستة آلاف لغم بحري، وأن إيران تستطيع نشر كمية كبيرة منها لإغلاق المضيق.
بحسب التقديرات الأميركية، فإن لدى إيران أسطولاً من الغواصات يتكوّن من ثلاث غواصات روسية من طراز "كيلو"، ونحو ثلاثٍ وعشرين غواصة صغيرة محليّة الصنع من طراز "غدير" قادرة على تنفيذ مهمات عسكريّة مختلفة منها نشر الألغام ومهاجمة السفن.
كما تمتلك إيران منظومة دفاع ساحلي قادرة على تغطية مضيق هرمز واستهداف السفن العابرة فيه، تشمل هذه الأنظمة صواريخ "خليج فارس" الباليستية التي يصل مداها إلى 300 كم، وصواريخ "هرمز 1" و"هرمز 2" المزوّدة بباحثات رادارية نشطة، إضافة إلى صواريخ كروز نور "C-802" التي يصل مداها إلى 120 كم.
اقرؤوا المزيد: "أسراب البعوض".. كيف تسيطر إيران على مضيق هرمز؟
إلى جانب ذلك، تملك إيران أسراباً من الطائرات المسيّرة سواء الاستطلاعية أو الهجومية أو الانتحارية التي تمكنها من مراقبة مضيق هرمز وشن هجمات على مختلف أنواع السفن التي تحاول المرور منه.

بتاريخ 11 آذار/ مارس 2026 استخدمت البحريّة الإيرانية زورقاً انتحارياً للهجوم على ناقلة نفط أميركية وناقلة أخرى قرب السواحل العراقية، في توسيع للأهداف التي تهاجمها إيران في الخليج العربي.
لا تحتاج إيران إلى تعطيل عمليّة المرور من مضيق هرمز بالكامل، حتى إن ذلك ليس من مصلحتها خاصةً أن المضيق يُعد ممراً بحرياً مهماً للاستيراد والتصدير بالنسبة إليها، وفي الوقت نفسه تستطيع الحفاظ على ممر لحلفائها كالصين مثلاً التي تقول تقارير إن سفنها تعبر المضيق بالفعل.
مع إتمام العدوان على إيران شهره الأول، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن مضيق هرمز مغلقٌ بالكامل أمام السفن القادمة من مواني الدول الحليفة للولايات المتحدة أو المتجهة إليها، وبحسب وكالة "فارس" فإنه حتى 28 آذار/ مارس كانت أكثر من 350 ناقلة نفط وغاز تنتظر إذناً من طهران للعبور من مضيق هرمز، وقد طلبت إيران من هذه السفن إغلاق أنظمتها ومواصلة الانتظار.
بدائل مكلفة
يبرز مضيق هرمز بوصفه الممر الوحيد تقريباً أمام دول مثل قطر والبحرين والعراق والكويت لتصدير مواردها، إذ تفتقر هذه الدول إلى بدائل حقيقية، بينما تمتلك السعودية والإمارات منافذ بحرية بديلة تخفف من اعتمادهما عليه.
يمكن للإمارات أن تحوّل عمليات نقل النفط الخام من ميناء جبل علي داخل الخليج العربي إلى ميناء الفجيرة المطل على خليج عُمان خارج مضيق هرمز، وذلك عبر خط أنابيب أبو ظبي - الفجيرة الذي تصل طاقته الاستيعابية إلى 1.5 مليون برميل يومياً، وهو البديل الإماراتي المباشر لتجاوز مضيق هرمز، ورغم أن هذا الخط لا يحل المشكلة الأساسيّة فإنه قد يغطي جزءاً من حركة نقل النفط الخام في المنطقة.
أما السعودية، فقد عاد مؤخراً خط أنابيب شرق - غرب إلى الواجهة فيها، بوصفه ضمانة اقتصادية مهمة للمملكة، إذ قالت شركة "أرامكو" السعودية إنها عدّلت عمليات شحن النفط الخام لإعطاء الأولوية للسلامة واستمرارية الخدمة التي تقدمها، من خلال توجيه بعض الشحنات البحرية إلى ميناء ينبع في البحر الأحمر للعملاء غير القادرين على الوصول إلى الخليج العربي.
اقرؤوا المزيد: أزمة النخبة الأميركية: من وحل إبستين إلى غزو العالم
يعدّ خط أنابيب "بيترولاين" - الذي ينقل النفط الخام بين شرق المملكة وغربها ويمتد لمسافة 1200 كم عبر أراضيها - بنية تحتية سيادية أُنشئت بهدف حماية تصدير النفط الخام في حال حدوث تصعيد كالذي حدث في مضيق هرمز. وخلال ثمانينيات القرن الماضي بدأت السعودية تشغيل هذا الخط، بهدف توفير منفذ تصدير خارج الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمداد.
في حين لا توجد مسارات بديلة قادرة على إيصال حجم الغاز المسال الذي يمر عبر مضيق هرمز إلى العالم، مثل صادرات قطر وصادرات الإمارات، ويظهر ذلك جلياً من خلال إعلان القوة القاهرة للشركات الرئيسية للبترول والغاز الطبيعي في الخليج، فمثلاً، أعلنت مؤسسة البترول الكويتية في 7 آذار/ مارس 2026 حالة القوة القاهرة وبدأت تخفيض إنتاج النفط للاستخدام المحلي.
اقرؤوا المزيد: وطنٌ من القواعد.. عن الوجود الأميركي بيننا
كما أعلنت شركة "قطر إنرجي" القوة القاهرة على شحنات الغاز المسال، وقالت إن العودة إلى الوضع الطبيعي قد تستغرق أسابيع إلى أشهر، أما في البحرين، فأعلنت شركة "بابكو إنرجيز" النفطية حالة القوة القاهرة بعد الهجوم الإيراني الذي استهدف مجمع مصفاة سترة التي تبلغ طاقتها نحو 380 ألف برميل يومياً.
ختاماً، ليس الحديث عن مسارات بديلة لمضيق هرمز سوى إدارة للخسائر المالية التي تعصف بدول الخليج العربي، في حين يمتد تأثير ما يحدث في مضيق هرمز ليشكّل تهديداً مباشراً على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد ومنظومة التجارة، عبر رفع كلفة الشحن البحري وتعطيل تدفقات السلع، بما يوسّع نطاق الأزمة ويدفع نحو تدويلها، غير أن فاعلية هذه الورقة تظل مرهونة بمدى قدرتها على الصمود مع تسارع وتيرة التصعيد واتساع رقعة المواجهة.