تعود جذور العداء الأميركي - الإيراني لعقود بدأت فيها واشنطن تبلور تفوقها وعقيدتها الأمنية المتكئة على السيطرة غير المباشرة على مقدرات وأنظمة حكم الشعوب خاصةً في جنوب العالم، حيث المنافسة على أشدّها بين دول الشمال لإحكام استعمارها.
مرّت العلاقة بين واشنطن وطهران بمراحل متعددة ومتباينة حاولت خلالها واشنطن أن تبقي طهران تحت جناحها، بما تملكه الأخيرة من مفاتيح استراتيجية متعلقة بأمن الطاقة والتجارة العالميتين، كما تنوعت أدوات واشنطن وسياساتها تجاه طهران بحسب المناخ العالمي وديناميكية الشارع الإيراني على حد سواء.
ومع إطلاق العدوان على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، يبدو فهم جذور ومنطلقات العداء بين طرفي المعادلة مهماً لفهم مخرجاتها الحالية، فما أهم مراحل العلاقة بين البلدين؟ وكيف حاولت واشنطن إحكام سيطرتها على طهران إبان حكم الشاه؟ وكيف تباينت أدوات التدخل الأميركي في الشارع الإيراني؟ وكيف تلقّت واشنطن صعود آية الله خميني؟ وأي أثر للمناخ العام للنظام العالمي في سياسات واشنطن تجاه طهران حينها؟
هندسة الانقلاب
دخلت واشنطن إلى طهران في بدايات القرن الماضي ببعثاتها الطبية والتعليمية مناديةً بحق المرأة في التعليم، وكمنت داخل المجتمع الإيراني برفق وهدوء طوال عقود من حكم الأسرة القاجارية والشاه رضا بهلوي.
اقرؤوا المزيد: "تأديب الجغرافيا": لماذا تستهدفنا الحرب الجديدة جميعاً؟
غير أن أول تدخلٍ أميركي مباشر وسافر في الشؤون الإيرانية جاء بُعيد صعود القومي الإيراني محمد مصدّق في انتخابات عام 1951 لتولي منصب رئاسة الوزراء في طهران، في تحدٍّ صريح لحكم الشاه الذي رزحت البلاد معه تحت مخالب النفوذ والافتراس الاستعماري الأجنبي الناعم.
عمد حينها مصدّق المتأثر بالفكر الاشتراكي والقومية الإيرانية حتى قبل توليه منصب رئيس الوزراء، وحين كان وزيراً للمالية، إلى دعم خطوة مجلس الشورى الإيراني تأميم شركة النفط الأنجلو - إيرانية التي كانت حتى ذلك الوقت تحت سيطرة المملكة المتحدة، مهدداً بذلك مصالح الأخيرة السياسية والاقتصادية في إيران.

بعد تعنّت الرئيس الأميركي ترومان الذي رفض جرّ واشنطن إلى حرب في "الشرق الأوسط"، لاقت مخاوف لندن أخيراً آذاناً صاغية لدى الرئيس الرابع والثلاثين للولايات المتحدة دوايت أيزنهاور الذي خشي الميول الشيوعية المحتملة لمصدّق، واحتمالية انضمامه إلى معسكر السوفييت قاطعاً الطريق أمام محاولات واشنطن لمدّ نفوذها شرقاً وباتجاه جنوب الشرق.
كان أيزنهاور في ذلك الوقت قد فتح جبهات متعددة ضد الشيوعيين في كوريا، وأخافه صعود ماوتسي تونغ في الصين، ما مهد لتضافر جهود كل من وكالة الاستخبارات الأميركية والخدمات الاستخباراتية السرية البريطانية في "عملية أجاكس" لهندسة الانقلاب الشهير عام 1953 على حكومة مصدّق، الذي حمل رمزية عالية لفشل السياسة الخارجية لواشنطن تجاه دول المنطقة، بما أورثه من زعزعة لاستقرار المنطقة ما زالت تبعاتها تظهر حتى يومنا هذا.
اقرؤوا المزيد: ويحكم هُبُّوا!
وما أشبه اليوم بالأمس، إذ لعبت العقوبات التي فرضتها لندن على صناعة النفط الإيرانية لسنوات قبل الانقلاب دوراً مفصلياً في إنهاك اقتصاد البلاد ودفع الإيرانيين إلى الشوارع للمطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية، وهي البوابة التي تُحسن واشنطن الدخول منها رافعةً شعار مصلحة الشعب.
كان الانقلاب الأميركي في طهران أول مشجع لواشنطن لاعتماد سياسة هندسة الانقلابات الداخلية، كلما رفضت حكومة من جنوب العالم الانصياع لأجندة واشنطن في المنطقة. وأدى الانقلاب إلى شحذ عداء الإيرانيين للولايات المتحدة طوال العقود الماضية وتصويرها بـ "الشيطان الأكبر" المحمّل برفض الانصياع ورغبة الانتقام.

تركّزت "عملية أجاكس" الأميركية - البريطانية على عدة أدوات تقليدية لواشنطن، إذ قام ألين دالاس، مدير وكالة الاستخبارات الأميركية حينها، بتأجيج الاحتجاجات الشعبية من خلال دفع أموال لسياسيين ورجال دين وصحفيين وحقوقيين لمهاجمة مصدّق ووصفه بالتسلط والديكتاتورية، كما حرّك خلايا نائمة في الشارع الإيراني لمهاجمة شخصيات عامة لخلق تصوّرٍ لدى الإيرانيين بأن مصدّق يعمد إلى تصفية معارضيه.
في الوقت نفسه تحركت مجموعات مأجورة باتجاه مجلس الشورى للمطالبة بإقالة مصدّق وتعيين فضل الله زاهدي مكانه، وقد أشرف كيرميت روزفلت، حفيد الرئيس الأميركي روزفلت، على سير الانقلاب على الأرض.
وبعد تردد الشاه في إقالة مصدّق مخافة الانقلاب الشعبي على حكمه، رضخ أخيراً وعين مكانه فضل الله زاهدي، ورغم أن مصدّق رفض في البداية الانصياع لذلك الانقلاب وحاول استعادة زمام الأمور، فإنّ ظروفاً شعبية وعسكرية متداخلة دفعت به للتنحي مفسحاً المجال أمام تغوّل الشاه واستفراده بحكم البلاد وانغماسها في مرحلة مظلمة من التبعية المطلقة لواشنطن والغرب.
في عام 2023 الذي وافق الذكرى الستين لـ "عملية أجاكس"، رفع مركز الأمن القومي في جامعة جورج واشنطن السرية عن وثائق تثبت تورط وكالة الاستخبارات الأميركية في العملية. الوثائق خرجت للعلن في وقت كانت فيه العلاقات الإيرانية الأميركية في أسوأ أحوالها، إذ ستشهد الأشهر التالية لعملية النشر ضربات عسكرية أميركية - إسرائيلية على طهران.
الشاه.. إيران التي تحب واشنطن
أحكم محمد رضا بهلوي، شاه إيران، قبضته على الحكم في إيران ما إن تخلّص من محمد مصدّق ومعه طموحاته القومية، وعلى مدار 26 عاماً تالية، جمعت بين الشاه وستة رؤساء للولايات المتحدة علاقة استراتيجية قوية رفعت طهران إلى مصاف أقرب الحلفاء لكل من واشنطن وتل أبيب، قبل أن تتخلص البلاد من حكم الشاه بالثورة الإسلامية عام 1979.
قاد الشاه طوال فترة حكمه بعد التخلص من مصدّق مشروعاً أميركياً تحت مسمى "الثورة البيضاء" لتحديث إيران ومقارعة المدّ السوفييتي والحفاظ على الاستقرار في صناعة النفط مقابل الاستعانة بواشنطن في الحفاظ على عرشه، فعمد إلى عقد صفقات لشراء سلاح أميركي بلغت قيمتها بين عامي 1972 و1977 نحو 16 مليار دولار، إضافة إلى تبادل تجاري مع واشنطن بلغت قيمته ثلاثة مليارات دولار سنوياً، ليحظى بدعم الإدارات الأميركية المتعاقبة الديمقراطية منها والجمهورية على حد سواء.
اقرؤوا المزيد: "أسراب البعوض".. كيف تسيطر إيران على مضيق هرمز؟
وقد ألغى الشاه خطوة مصدّق تأميم شركة النفط الإيرانية قانعاً بتقاسم الأرباح مناصفة بين طهران من جهة وكل من واشنطن ولندن وباريس من جهة أخرى، بعد أن أجبرته واشنطن عام 1954 على توقيع اتفاقية اتحادية يمنح بموجبها الدول الثلاث ما نسبته 40% من ملكية الشركة لمدة 25 عاماً.
مع انضمام إيران عام 1960 لمنظمة أوبك إلى جانب كل من العراق والسعودية والكويت وفنزويلا لمناوئة السيطرة الغربية على حقل الطاقة، تحولت طهران إلى أهم حليف لواشنطن في "الشرق الأوسط"، بل إنّ الشاه تفوّق على نفسه إبان ثورة دول الجنوب التي كانت تسعى جاهدة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي للتخلص من الإرث الإستعماري الثقيل للغرب، بدعم التحركات الأميركية في فيتنام وجمهورية الدومينيكان، منصّباً نفسه دمية البيت الأبيض وحاصداً مزيداً من الكراهية في الشارع الإيراني ودول الجوار.
شهد عام 1957 تعميقاً وسيطرة إضافية للولايات المتحدة على تحركات طهران، إذ وقّع كل من الرئيس أيزنهاور والشاه اتفاق الطاقة الذرية للأغراض المدنية، الذي جاء ضمن خطة أيزنهاور المعلنة لبناء تحالف للطاقة الذرية "السلمية"، الذي تحول بعد سنوات إلى بذرة البرنامج النووي الإيراني.

وفرت واشنطن بموجب اتفاق الطاقة الذرية التعليم والتكنولوجيا النووية، قبل أن تعود لتزويد طهران بمفاعل ووقود اليورانيوم المخصب المعدّ للاستخدام المسلح، فيما يظهر أنه محاولة من واشنطن لتجنيد إيران في حلف نووي مهدد لمصالح وأمن الاتحاد السوفييتي.
كما طوّرت طهران من ترسانة أسلحتها بُعيد زيارة نيكسون عام 1972 لطلب مساعدة الشاه في حماية مصالح واشنطن بالمنطقة، مع ظهور بوادر تحالف عراقي - سوفييتي، واعداً الشاه بتزويده بأي صفقات سلاح يرغب فيها، الوعد الذي أثمر سريعاً بعد حرب 1973 التي فرضت بموجبها الدول العربية حصاراً نفطياً على واشنطن أتاح للشاه اقتناص الفرصة وتحصيل ترسانة أسلحة تكنولوجيا عالية الجودة من واشنطن مقابل امتيازات موسعة في حقل الطاقة، قبل أن ينقلب السحر على الساحر وتنهي واشنطن تعاونها النووي مع طهران بعد اندلاع الثورة الإسلامية 1979.
تعمقت العلاقات بين البلدين بمشاركة النخب الأكاديمية والثقافية والمهنية التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً إبان سبعينيات القرن الماضي، إذ كانت قرابة 50 ألف يد أميركية عاملة في طهران خلال تلك الفترة مقابل 60 ألف إيراني في الولايات المتحدة، كما امتلكت نحو 50 جامعة أميركية فروعاً لها في أهم المدن الإيرانية.
اقرؤوا المزيد: القوة الأميركية العائمة
في المقابل، نظر جموع العوام الإيرانيين إلى هذه العلاقة بعين الريبة، وزاد الطين بلة تمرير مجلس الشورى الإيراني قانونا يمنح الجنود الأميركيين الموجودين على الأراضي الإيرانية حصانة دبلوماسية عام 1964، وهو الثمن الذي اشترطته الولايات المتحدة مقابل الموافقة على قرض بقيمة 200 مليون دولار أميركي من البنوك الأميركية لتمويل صفقات سلاح جديدة لنظام الشاه.
ساهم القانون في تعميق الهوة بين الشعب الإيراني وقيادته من ناحية وبين الشعب والولايات المتحدة من ناحية أخرى، فوقعت عدة هجمات من جماعات إيرانية على أميركيين في البلاد، وحاصر المتظاهرون الإيرانيون الغاضبون أسرة بهلوي في طهران وفي البيت الأبيض خلال إحدى زياراتهم.
اندلعت الاحتجاجات الأقوى ضد الشاه والمطبوعة بطابع العداء للولايات المتحدة في تشرين الأول/ أكتوبر 1964، وهي الاحتجاجات التي يُنظر إليها بوصفها الشرارة الأولى للثورة الإسلامية التي أطاحت بالشاه عام 1979 وأنهت معه الحكم الملكي الذي أطبق على عنق إيران على مدى 37 عاماً.

وقد نادى آية الله خميني، المعارض الإسلامي المعروف حينها، في خضمّ احتجاجات 1964 بالانقلاب على الحكومة، ما أدى إلى اعتقاله ونفيه إلى تركيا، ليتحول الرجل إلى أيقونة في الشارع الإيراني، ويعود محمولاً على الأكتاف مع اندلاع الثورة الإسلامية.
لم تغفل واشنطن خطر خميني حتى وهو في منفاه، ففي كانون الثاني/ يناير من عام 1965، أشار محللو وزارة الخارجية الأميركية إلى الأثر الذي تركته دعوة خميني على الشارع الإيراني، عندما دعا إلى ثورة شعبية عارمة تنهي النفوذ الأميركي في إيران.
ورغم التطمينات التي حملها الشاه لواشنطن بخصوص الالتفاف الشعبي حول "ثورته البيضاء" وسيطرته على رجال الدين وإقصائهم من الحياة العامة، حملت محاولة اغتياله في نيسان/ أبريل من عام 1965 رسالة واضحة لواشنطن مفادها أن طهران تغلي على مرجل ضخم، وأن وجودها فيها متوقف على حياة رجل واحد.
التنبؤ الذي تطلّب وقتاً لكنه وقع أخيراً، فقد دفعت ثورة عام 1979 بالشاه إلى الهرب وعبور عدة دول عربية قبل أن يحصل أخيراً على اللجوء في الولايات المتحدة بحجة العلاج من مرض السرطان، ما أجج الشعور لدى الإيرانيين حينها بخيانة الشاه وولائه المطلق لواشنطن. لم تنته الأمور عند هذا الحد، فالأحداث التي تولّدت من لجوء الشاه إلى واشنطن فجّرت أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين امتد أثرها لعقود دخلت فيها واشنطن وطهران نفق حرب باردة بل ومواجهات مباشرة أحياناً.
بداية فصل العداء
صعود آية الله الخميني إبان ثورة عام 1979 وإحكامه السيطرة على مفاصل الدولة الإيرانية، أثار قلقاً بالغاً في واشنطن، فالدولة الثيوقراطية المبنية على ولاية الفقيه تحمل طموحاً توسعياً في دول الجوار، وهي دول مفصلية لسوق الطاقة العالمية، ما يعني تهديداً مباشراً لمصالح واشنطن ونفوذها في المنطقة، خاصةً أن المرشد الأعلى اتكأ مباشرة في خطابه لأنصاره على العداء المطلق لواشنطن بوصفها التهديد الأول لمستقبل المشروع الإسلامي في المنطقة، وأن اهتمامها بمنطقة "الخليج الفارسي" يعزز نفوذها الإمبريالي في المنطقة.
رغم هذا التخوّف، وعلى عادتها، لم تسارع واشنطن إلى إعلان العداء لنظام المرشد، بل حاولت بدايةً التواصل مع العناصر التي وصفتها بـ "المعتدلة" في النظام لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المصالح الأميركية المتشعبة في إيران.
ادعت واشنطن أن الخميني وجّه، بتاريخ 27 كانون الثاني/ يناير 1979، أي قبل أشهر من الإطاحة بحكم الشاه، رسالة سرية من منفاه في باريس، يخبر فيها الرئيس الأميركي جيمي كارتر أنه "قد يكون مسيطراً على العسكر، لكنّ الأمة الإيرانية تتبع أمر خميني"، عارِضاً عليه تسوية بتحييد العسكر والسماح لجموع المحتجين الغاضبين بالإطاحة بالشاه مقابل الحفاظ على المصالح والمواطنين الأميركيين في طهران.
اقرؤوا المزيد: أزمة النخبة الأميركية: من وحل إبستين إلى غزو العالم
تدّعي الوثائق السرية التي رفعت عنها واشنطن الغطاء أن الخميني خدع البيت الأبيض بلقاءات سرية متواصلة بين رئيس موظفيه إبراهيم يازدي ومبعوث الإدارة الأميركية وارن زيمرمان في فرنسا مدّ خلالها خميني يد الصداقة لواشنطن، ما مهّد لعودته سالماً إلى طهران وصعوده سريعاً لقمة النظام ليعلن عداءً ممتداً لواشنطن.
ورغم أنّ إدارة كارتر ساندت الشاه حتى الرمق الأخير، فإنها وبمجرد مغادرته طهران تواصلت مباشرة مع الخميني وأكدت نيّتها دعم تغيير دستوري ينهي الملكية في إيران، كما قدّمت معلومات حساسة عن المؤسسة العسكرية التابعة للشاه.
لم تكن هذه المرة الوحيدة التي حاول فيها الخميني التواصل مع الإدارة الأميركية بحسب ادعاء واشنطن؛ ففي وثيقة سرية كشفت وكالة المخابرات الأميركية عنها عام 2016، ظهر أن الخميني حاول في تشرين الثاني/ نوفمبر 1963 التواصل مع إدارة كينيدي قبل أسبوعين من اغتيال الأخير في تكساس، مستغلاً التخوف الأميركي الذي رافق زيارة تاريخية لليونيد بريجنيف، الذي كان آنذاك رئيساً لهيئة رئاسة مجلس السوفييت الأعلى، إلى طهران في تشرين الثاني/ نوفمبر 1963. الوثيقة المزعومة تشير إلى أن الخميني أكد لكينيدي رغبته في إقامة علاقة إنسانية متبادلة تحمي مصالح واشنطن إذا ما وافقت الأخيرة على التخلي عن الشاه.
غير أن الحدث الأبرز الذي تلا الثورة مباشرة وعقّد العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران كان أزمة الرهائن الأميركيين أواخر 1979، التي أمدت واشنطن بالمشروعية لصبغ طهران بصبغة الإرهاب وفرض مسلسل طويل من العقوبات التي أنهكت الاقتصاد الإيراني، بل واتخاذ طهران شمّاعة "للعدو الخارجي" التي بنت عليها واشنطن نظريات سياساتها الخارجية لعقودٍ لاحقة، واستمدت منها أدوات بسط نفوذها وتدخلاتها العسكرية والسياسية في المنطقة برمّتها.

شهد نهار الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر لعام 1979 حدثاً تاريخياً أطاح بالرئيس الأميركي كارتر وعزّز من قبضة المرشد في الداخل الإيراني، إذ توجه طلبة إيرانيون غاضبون إلى السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا 53 دبلوماسياً وموظفاً أميركياً مطالبين بتسليم الشاه لمحاكمته في إيران.
الأزمة التي استنفرت لها واشنطن بترساناتها الإعلامية والدبلوماسية والسياسية وبنت في سبيل حلّها حلفاً غربياً امتد تعاونه إلى ما بعد انتهاء الأزمة التي استمرت 444 يوماً عبّدت الطريق أمام شيطنة طهران لعقودٍ لاحقة في الشوارع وفي الأروقة الأميركية كذلك.
شهدت فترة احتجاز الرهائن انقسامات بارزة بين أعضاء إدارة كارتر التي واجهت تحديات عدة في الخارج ألهمتها الثورة الإسلامية في إيران والضعف العام الذي اتسمت به إدارة كارتر في مواجهة الأزمة، إذ حقق الاتحاد السوفييتي انتصارات عدة في أفغانستان وإثيوبيا وموزمبيق وأنغولا، بينما حققت فيتنام تقدماً على الصين في كمبوديا.
اقرؤوا المزيد: وطنٌ من القواعد.. عن الوجود الأميركي بيننا
الأزمات المتتالية التي عصفت بالمشهد العالمي ووضعت إدارة كارتر تحت المجهر أثارت نزاعاً حاداً داخل الإدارة الأميركية بين معسكري "الدبلوماسية" التي تؤمن بالتفاوض مع نظام المرشد ويقودها وزير الخارجية سايرس روبرتس فانس، وبين التدخل العسكري في عملية إنقاذ مباشرة للرهائن يقودها مستشار الأمن القومي زبيغنيو بريجينسكي، الأكثر ولاءً للشاه والذي أيد فيما مضى انقلاباً عسكرياً على نظام الخميني الوليد.
اضطر كارتر تحت ضغط المعارضين والشارع الأميركي لتبني وجهة نظر بريجينسكي، غير أن عملية "مخلب النسر" التي نفّذتها قوات الدلتا لإنقاذ الرهائن من مبنى السفارة الأميركية في طهران مُنيت بفشل ذريع أشعر نظام المرشد بنشوة السيطرة والانتصار، بينما ضاعف الضغط على الإدارة الأميركية، وتمخّض عنه استقالة وزير الخارجية فانس احتجاجاً على السياسة الأميركية في التعامل مع الأزمة.
هذا الصراع بين وزارتي الأمن القومي والخارجية الأميركيتين لطالما امتدت أصداؤه لاحقاً في العلاقة الجدلية بين نظام المرشد والبيت الأبيض على اختلاف رئيسه فيما بعد، وأنتجت حالة الشد والجذب هذه فترات من الصدام التي تخلّلتها اغتيالات لشخصيات إيرانية وحرب بالوكالة مع حلفاء إيران في منطقة "الشرق الأوسط"، وفترات أخرى من التقارب الدبلوماسي الحذر وغير المباشر في محاولة لجم طموحها التوسعي والنووي فيما بعد.