حددت إيران في 11 آذار/ مارس 2026 قائمة أهداف تكنولوجية في "الشرق الأوسط"، وصفتها بـ "البنية التحتية التقنية للعدو" شملت 30 موقعاً مرتبطاً بشركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، أبرزها: "أمازون" و"مايكروسوفت" و"جوجل" و"أوراكل" و"آي بي أم" و"بالانتير" في مدن رئيسية مثل: القدس و"تل أبيب" ودبي وأبو ظبي، لكونها توفر بنية تحتية لـ "كيانات عسكرية" من خلال تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي أو إدارتها لخدمات الحوسبة السحابية في المنطقة، فضلاً عن صلة بعضها بمشاريع تقنية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
لم يمر وقت طويل حتى نفذت إيران تهديداتها، ففي الشهر ذاته تعرضت مراكز بيانات تابعة لخدمة الحوسبة السحابية لشركة "أمازون" في الإمارات والبحرين لضربات بطائرات مسيّرة.
لماذا أصبحت مراكز البيانات أهدافاً مهمة في الحرب؟ وما أثر ذلك؟ وما حجم مراكز البيانات الموجودة في منطقتنا؟
الحوسبة السحابية
لم تكن الضربات التي طالت مراكز البيانات مجرد حادثة عابرة، بل من أولى الحالات التي استُهدفت فيها البنية السحابية في سياق عسكري مباشر، ما يعكس تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف العسكري في الصراعات المعاصرة. فمع انتقال جزء متزايد من الاقتصاد والخدمات والعمليات الرقمية إلى البنية السحابية، أصبحت مراكز البيانات جزءاً من البنية التحتية الاستراتيجية التي تدير تدفق البيانات والحوسبة والاتصالات، ولم تعد مجالاً تقنياً مدنياً فحسب، بل بدأت تدخل تدريجياً ضمن نطاق الحسابات العسكرية في النزاعات الحديثة.
اقرؤوا المزيد: ملف: أسياد الكيبل
تقوم الحوسبة السحابية على منشآت ضخمة تُعرف بمراكز البيانات، وهي مبانٍ تحتوي على آلاف الخوادم وأجهزة التخزين ومعدات الشبكات وأنظمة الطاقة والتبريد، وتعمل على مدار الساعة لمعالجة البيانات وتشغيل التطبيقات الرقمية. تُدار من هذه المنشآت معظم الخدمات الرقمية التي يعتمد عليها العالم اليوم، بدءاً من البريد الإلكتروني والتخزين السحابي، وصولاً إلى أنظمة البنوك والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
خلال العقدين الأخيرين، أصبحت مراكز البيانات العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي، إذ لم تعد الشركات الكبرى تحتفظ ببياناتها داخل مكاتبها أو خوادمها الخاصة، بل تنقلها إلى منصات الحوسبة السحابية التي توفر قدرة حوسبة هائلة يمكن توسيعها أو تقليصها حسب الحاجة.
اقرؤوا المزيد: عندما انفجرت الفطرة في وجه الآلة
أدى هذا التحول إلى نشوء شبكة عالمية من مراكز البيانات تديرها شركات مثل "أمازون" و"جوجل" و"مايكروسوفت" موزعة على عشرات المناطق السحابية في العالم. وتبرز أهمها "إيه دبليو إس" شركة الحوسبة السحابية التابعة لـ "أمازون"، والتي تدير وحدها بنية سحابية تمتد عبر عشرات المناطق العالمية، من بينها ثلاثة مواقع رئيسية في "الشرق الأوسط" تشمل الإمارات والبحرين و"إسرائيل".
التوسع السريع لمراكز البيانات جعلها جزءاً أساسياً من البنية التحتية للدول الحديثة، فالمصارف تعتمد عليها لتشغيل أنظمة الدفع والتحويلات المالية، وشركات الطيران تستخدمها لإدارة الحجوزات والملاحة الجوية، والدوائر الحكومية تعتمد عليها لتخزين الوثائق والبيانات العامة، وتستخدمها شركات التكنولوجيا لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة.
البيانات في خدمة الجيوش
مع تطور التكنولوجيا العسكرية، أصبحت البيانات والحوسبة عنصرين أساسيين في العمليات العسكرية الحديثة، فالجيوش تعتمد اليوم على تدفق مستمر من المعلومات القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار الإلكترونية، وهذه البيانات تحتاج إلى قدرة حوسبة هائلة لتحليلها بسرعة واستخلاص المعلومات الاستخبارية، ما وسع مشاركة الشركات بشكل متزايد في مشاريع حكومية وعسكرية في العديد من الدول، سواء عبر توفير البنية السحابية لتخزين البيانات وتحليلها، أو من خلال تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تحليل المعلومات الاستخبارية وإدارة العمليات الرقمية.
من هنا جاء التحذير الثاني الصادر عن الحرس الثوري الإيراني بتاريخ 14 آذار/ مارس 2026 الذي دعا فيه موظفي عددا من الشركات التكنولوجية الأميركية الكبرى العاملة في الخليج إلى إخلاء مقارها فوراً، كما حذّر المواطنين والسكان من الاقتراب من مواقعها، ولم يقتصر هذا التحذير على "أمازون" و"مايكروسوفت" و"جوجل" بل شمل أيضاً شركات تعمل في تصنيع الرقاقات الإلكترونية والبنية التحتية التقنية مثل "ديل" و"آبل" و"أدوبي" و"إنتل"، ومقراتها منتشرة في دبي والرياض والدوحة والمنامة والكويت ومسقط.
اقرؤوا المزيد: لماذا تموّل مايكروسوفت مراقبة الفلسطينيين في الضفة؟
لا يبدو اختيار هذه الشركات عشوائياً، إذ تشكّل مجتمعة جزءاً أساسياً من العمود الفقري للنظام التكنولوجي العالمي، بدءاً من تشغيل مراكز البيانات والحوسبة السحابية وقواعد البيانات، مروراً بتطوير المعالجات الإلكترونية، وصولاً إلى بناء شبكات الإنترنت وأنظمة الأمن السيبراني.
يعكس التحذير الإيراني إدراكاً متزايداً لدى بعض الدول بأن الشركات التي تدير البنية الرقمية العالمية لم تعد مجرد فاعلٍ اقتصادي في سوق التكنولوجيا، بل أصبحت عقداً مركزيةً في البنية المعلوماتية التي تعتمد عليها الحكومات والاقتصادات الحديثة، مما يجعلها تدخل تدريجياً ضمن حسابات الصراع في الحروب المعاصرة.
من أبرز الأمثلة على ذلك "مشروع نيمبوس" الذي أطلقته الحكومة الإسرائيلية عام 2021، وهو عقد بقيمة نحو 1.2 مليار دولار مع شركتي "أمازون" و"جوجل" لتوفير خدمات الحوسبة السحابية للحكومة الإسرائيلية ومؤسساتها المختلفة، بما فيها جهات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية. ويهدف المشروع إلى نقل جزء كبير من البنية الرقمية الحكومية إلى السحابة، وتوفير أدوات متقدمة لتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.
اقرؤوا المزيد: أسياد في الأرض: تكنولوجيا المقاومة التوحيدية
وبينما تؤكد الشركات المعنية أن هذه الخدمات مخصصة أساساً للاستخدامات الحكومية والمدنية، فإن ارتباطها بالمؤسسات الأمنية والعسكرية يثير جدلاً واسعاً بشأن دور شركات التكنولوجيا في النزاعات المعاصرة. فبعض الوثائق المسربة من داخل شركات التكنولوجيا أظهرت مخاوف لدى الموظفين من أن التقنيات السحابية والذكاء الاصطناعي قد تُستخدم في أنظمة المراقبة أو العمليات العسكرية.
مزدوجة الاستخدام
ما يجعل مراكز البيانات أهدافاً مغرية في الحروب الحديثة هو طبيعتها باعتبارها بنية تحتية مزدوجة الاستخدام، في القطاعات المدنية والتجارية، وفي التطبيقات الحكومية والأمنية والعسكرية، ما يعني أن استهدافها قد يحقق أهدافاً عديدة في وقت واحد: تعطيل الخدمات الرقمية، والضغط على الاقتصاد، وإرباك الاتصالات، وإرسال رسالة سياسية بأن الحرب يمكن أن تمتد إلى قلب البنية التحتية الرقمية للخصم.
من جهة ثانية، فإن طبيعة الحوسبة السحابية تجعل تأثير أي ضربة يتجاوز الموقع الجغرافي للمركز نفسه، إذ إن المناطق السحابية عادة ما تخدم عدة دول في وقت واحد، وتعتمد على شبكة من مراكز البيانات المترابطة، وإذا تعطّل مركزٌ داخل هذه الشبكة، فقد تتأثر خدماتٌ في دول أخرى تعتمد على المنطقة السحابية نفسها.
اقرؤوا المزيد: "السايبر".. عنوان الحرب القادمة؟
لهذا بدأت بعض الدول تنظر إلى مراكز البيانات باعتبارها أصولاً سيادية لا تقل أهمية عن الموانئ أو خطوط الطاقة، ومع توسع الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، أصبحت هذه المراكز تمثل استثمارات بمليارات الدولارات، وتشكل جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الاقتصادية للدول التي تستضيفها.
وتشير تقارير شركات أبحاث السوق العالمية إلى أن منطقة "الشرق الأوسط" أصبحت واحدة من أسرع المناطق نمواً في سوق مراكز البيانات، إذ تستثمر الشركات التكنولوجية الكبرى مليارات الدولارات لتطوير بنية تحتية رقمية متقدمة تخدم أسواق المنطقة، مدفوعة بالطلب المتزايد على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.
لماذا توسع"إسرائيل" بنيتها الرقمية؟
في عام 2022 أعلنت الحكومة الألبانية عن مشروع لبناء مركز بيانات ضخم في العاصمة تيرانا بالتعاون مع شركات إسرائيلية، ضمن خطة لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للخدمات الرقمية في منطقة البلقان، وجاء الإعلان بعد سلسلة هجمات سيبرانية استهدفت المؤسسات الحكومية الألبانية، نسبتها الحكومة في تيرانا إلى مجموعات مرتبطة بإيران، ما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين ألبانيا وطهران، في خطوة غير مسبوقة داخل أوروبا، وضمن الانحياز الألباني لـ "إسرائيل".
اقرؤوا المزيد: "إسرائيل" على الجبهة الإلكترونيّة
استغلالاً للتوتر الإيراني الألباني، تحركت "إسرائيل" بسرعة لتقديم نفسها شريكاً تكنولوجياً وأمنياً، وأعلنت شركاتها المتخصصة استعدادها للمشاركة في بناء أنظمة دفاع سيبراني ومراكز بيانات حديثة للحكومة الألبانية، وفي العام التالي، توجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة رسمية إلى ألبانيا، حملت طابعاً أمنياً وتقنياً واضحاً، بما فيه تقديم تعهد بمشاركة "إسرائيل" خبراتها التقنية في حماية الشبكات الحكومية وتعزيز قدرات الدفاع السيبراني لدى ألبانيا.
هكذا تحولت البنية الرقمية إلى أداة نفوذ سياسي، تخدم استثماراً طويل الأمد في بنية الدولة الرقمية. واللافت أيضاً أن هذا التقارب الرقمي بين "إسرائيل " وألبانيا جاء في لحظة سياسية حساسة على المستوى الإقليمي، إذ أعلنت حينها الثانية استعدادها للمشاركة في مبادرات دولية مرتبطة بالاستقرار الإقليمي وعمليات حفظ السلام، وسعياً لتعزيز العلاقات الألبانية مع أميركا وحلف شمال الأطلسي.
الجغرافيا السياسية الجديدة
تصل تكلفة بناء مراكز البيانات الحديثة إلى مئات الملايين من الدولارات للمركز الواحد، خصوصاً إذا كان مصمماً لتشغيل خدمات سحابية أو استضافة بيانات حكومية حساسة، وتشمل هذه التكلفة إنشاء بنية كهربائية قوية وأنظمة تبريد متقدمة وشبكات اتصال عالية السرعة إضافةً إلى أنظمة أمنية معقدة. لهذا فإن الدول التي تستضيف هذه المشاريع غالباً ما تقدم حوافز اقتصادية وتشريعية كبيرة لجذب الشركات التكنولوجية.
اقرؤوا المزيد: غوغل والاستخبارات: معلوماتك التي لا تظهر في الإعلانات
لكن الأثر الحقيقي لمثل هذه المشاريع يتجاوز الاقتصاد، فمراكز البيانات التي تستضيف خدمات حكومية أو عسكرية تصبح جزءاً من البنية الاستراتيجية للدولة، وهو ما يكسب الدولة التي تساعد في بنائها نفوذاً طويل الأمد في البنية الرقمية للدولة المضيفة، ما يعد "استثماراً جيوسياسياً في البنية التحتية الرقمية".
من هذا المنظور، يمكن فهم مشاريع مراكز البيانات أحياناً باعتبارها "ثمناً سياسياً" في سياق التحالفات الدولية، فالدول التي تقدم هذه المشاريع لا تقدم مجرد استثمار اقتصادي، بل تقدم أيضاً شراكة استراتيجية طويلة الأمد في مجال حساس مثل البيانات والأمن الرقمي.
والبنية الرقمية لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت جزءاً من الجغرافيا السياسية العالمية، ومراكز البيانات أصبحت نقاط ارتكاز في شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والتحالفات الأمنية.