26 مارس 2026

"أسراب البعوض".. كيف تسيطر إيران على مضيق هرمز؟

"أسراب البعوض".. كيف تسيطر إيران على مضيق هرمز؟

وقف قادة الأسطول الأميركي مذهولين في 18 شباط/ فبراير 1991، وهم يشاهدون السفينة "يو إس إس برينستون" تترنح بعد ارتطامها بألغام بدائية زراعها العراقيون لمواجهة التقدم الأميركي، قبالة جزيرة فيلكا الكويتية بالخليج العربي، واليوم بعد 33 عاماً، يتكرر المشهد قرب السواحل الإيرانية، إذ تخرج زوارق قتالية مفخخة تتصدى للمدرعات الأميركية وتفشل مساعيها في السيطرة على مضيق هرمز، الواقع في قلب الحرب الدائرة منذ 28 شباط/ فبراير 2026.

فعلى امتداد 2400 كيلومتر من السواحل الإيرانية التي تمنحها إشرافاً على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، عززت إيران قوتها البحرية دفاعاً عن أراضيها ومصالحها، وطورت منذ عام 1979 عقيدة عسكرية بحرية تعتمد على حرب العصابات البحرية، لما تحتويه من أدوات معقدة ومتشعبة في مواجهة الأساطيل البحرية المتطورة. 

ما الذي يميز القوة البحرية الإيرانية؟ وكيف تواجه إحدى أعتى القوى البحرية في العالم؟ 

الرئة المزدوجة

تقوم القوة البحرية الإيرانية على ركيزتين تشكلان ما يمكن وصفه بـ "الرئة المزدوجة" التي يتنفس عبرها الأمن القومي الإيراني في المحيطات والمضائق: أولاهما البحرية التابعة للجيش الإيراني "نداجا"، وتمثل الوجه الدبلوماسي والعسكري التقليدي، وهي المسؤولة عن "بحرية المياه الزرقاء" التي تمد أشرعتها بعيداً عن ضجيج الخليج، ويمتد نطاق عملها من بحر عمان وبحر قزوين وصولاً إلى المحيط الهندي والبحر الأحمر والمحيط الأطلسي. 

اقرؤوا المزيد: "تأديب الجغرافيا": لماذا تستهدفنا الحرب الجديدة جميعاً؟

تتكون "نداجا" من ترسانة ثقيلة تتضمن: عصب الأعماق، وهي غواصات "كيلو" الروسية، وغواصات "فاتح" محلية الصنع، تساندها غواصات "غدير" الصغيرة المصممة للمياه الضحلة، وثانياً، قلاع السطح، وهي المدمرات والفرقاطات من فئة "موج"، وعلى رأسها "جماران" و"دنا" و"سهند"، وهي "مدنٌ من الفولاذ" تحمل على ظهرها صواريخ كروز وأنظمة دفاع جوي تحرس الأفق، وأخيراً، القواعد العائمة، وتبرز هنا السفينة "مكران" بوصفها ظاهرة استراتيجية، فهي ليست مجرد ناقلة نفط محولة، بل قاعدة أمامية وعمود فقري لوجستي يحمل المسيّرات والمروحيات، ليجعل من أعالي البحار أرضاً إيرانية ممتدة.

غواصة فاتح الإيرانية.
غواصة فاتح الإيرانية.

أما الركيزة الثانية، فهي القوة البحرية للحرس الثوري "ندسا"، وتبرز كنصل حاد في المياه القريبة، معتنقةً عقيدة الحرب غير المتماثلة، إنها القوةُ التي تتقن "حرب العصابات البحرية" في مضيق هرمز والخليج العربي، إلا أن أدواتها ليست السفن الضخمة، بل توزيع الألم. 

تعتمد "ندسا" على ثلاث تقنيات قتالية: أسراب البعوض، وهي مئات الزوارق السريعة المسلحة بالصواريخ والطوربيدات، وتعمل بفلسفة "الأسراب" لإغراق العمالقة بآلاف الضربات الصغيرة، وثانياً، حاملات المسيرات، في قفزة تقنية، حوّل الحرس الثوري سفناً تجارية إلى مطارات عائمة مثل السفينة "شهيد حسن باقري"، لتكون منصات إطلاق للمسيّرات الانتحارية والاستطلاعية، وأخيراً، سلاح الصمت، الألغام البحرية، التي تعدها إيران "سلاح الفقراء الفتاك" القادر على خنق عنق الملاحة الدولية بضغطة زر واحدة.

تتسلح "ندسا" ونداجا" بصواريخ كروز الساحلية من فئة "نور" و"قادر"، وصاروخ "أبو مهدي" الاستراتيجي الذي يطال أهدافه على بعد 1000 كيلومتر، وتساندها في السماء مسيّرات "شاهد" و"أبابيل"، بينما تظل قوات الكوماندوز هي اليد الخفية المدربة على عمليات الإنزال واختطاف السفن.

تغيير المعادلة

في 13 آذار/ مارس 2026، تحولت منطقة مضيق هرمز وخليج عمان والخليج العربي إلى مختبرٍ حي لصدام العقائد العسكرية، فمنذ انطلاق العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، تعرضت القوة البحرية للجيش (نداجا) لزلزالٍ تقني أدى إلى ما يمكن تسميته بـ "الشلل الوظيفي" بعد أن أعلنت القيادة المركزية الأميركية عن إغراق أو تعطيل ما يقرب من 50 إلى 60 سفينة حربية إيرانية في الأيام العشرة الأولى فقط. 

أُغرقت المدمرات الفخورة من فئة "موج" والغواصات الثقيلة في قاع بحر عمان، بعد أن نجحت الغارات الجوية المكثفة في تحييد القواعد الرئيسة في بندر عباس وبوشهر، لتخرج البحرية التقليدية من دفاتر الحسابات ولا تعود قوة قادرة على خوض مواجهات المياه الزرقاء المفتوحة.

اقرؤوا المزيد: وطنٌ من القواعد.. عن الوجود الأميركي بيننا 

لكن، في اللحظة التي ظن فيها الأسطول الأميركي أن البحر بات تحت سيطرته، كانت بحرية الحرس الثوري "ندسا" تنطلق محاولةً تغيير المعادلة، ويقوم هذا الدور على منظومة من القدرات والعناصر العملياتية التي شكّلت أساس قوة هذه البحرية في مواجهة خصومها.

منذ مطلع 2026، أصبحت "نداجا" تتحصن بمزيج من العنصر البشري والتكتيكات غير المتكافئة والوسائل القتالية الخفيفة عالية الحركة، تتمثل في: كتلة بشرية صلبة، جيش من 20 ألفاً إلى 25 ألف فرد من النخبة المدربة، يسندهم "بسيج بحري" من الصيادين والمتطوعين الذين يعملون عيوناً خفية في عرض البحر.

إضافة إلى أسطول صغير وفتاك يتكون من نحو 1500 زورق هجومي سريع (عاشوراء، طارق، وذو الفقار) التي تحمل الصواريخ والطوربيدات، وتجيد الاختباء في جغرافيا المضيق المعقدة، وأخيراً وحدات "التکاوران" البحرية، وهي تعني القوات الخاصة "الكوماندوز"، التي تتقن فن اعتلاء السفن والقرصنة العسكرية لكسر الإرادة الدولية.

زوارق بحرية تابعة للحرس الثوري الإيراني خلال مناورة في جزيرة أبو موسى، في 2 آب/ أغسطس 2023. (المصدر: وكالة أنباء غرب آسيا/ رويترز)
زوارق بحرية تابعة للحرس الثوري الإيراني خلال مناورة في جزيرة أبو موسى، في 2 آب/ أغسطس 2023. (المصدر: وكالة أنباء غرب آسيا/ رويترز)

كما اعتمدت "نداجا" على فن الفوضى المنظمة التي تعمل اليوم وفق استراتيجية "الدفاع الفسيفسائي"، وهي تحويل البحر إلى ساحة "حرب عصابات" لا مركزية ترتكز على ثلاثة أعمدة: يقوم الأول على تكتيك "الأسراب"، إذ لا تهاجم إيران ببارجة، بل بـ 50 إلى 100 زورق سريع ينقضون على السفينة الواحدة من كل اتجاه، لإرباك رادارات نظام "إيجيس" وتجاوز الدفاعات بفيضٍ من النيران المتقاطعة.

أما العمود الثاني، فيعتمد على زراعة الألغام والزوارق الانتحارية، فمنذ 2 آذار/ مارس 2026، بات مضيق هرمز معطلاً وظيفياً لا بالقوة الصرفة، بل بالألغام الذكية والزوارق المفخخة التي استهدفت الناقلات قبالة سواحل البصرة والإمارات، ليرتفع أنين الاقتصاد العالمي مع وصول برميل النفط إلى 100 دولار.

ويتمثل العمود الأخير بالتمويه الاستراتيجي، عبر استخدام سفن حاوياتٍ ضخمةٍ مثل "شهيد باقري" باعتبارها قواعد عائمة مموهة لإطلاق المسيّرات، مما يضع العدو في مأزق أخلاقي وعسكري بين التدمير وبين التثبت من هوية الأهداف المدنية.

كما لجأت "نداجا" على التموضع في "قواعد الظل"، فبعد دمار الموانئ الكبرى، سُحبت الزوارق إلى أنفاق وكهوف ساحلية محفورة في صخور الجبال، وأصبحت كل وحدة ميدانية تعمل كأنها "جزيرة مستقلة" قادرة على اتخاذ قرار الهجوم حتى لو انقطعت الصلة بطهران، واستبدلت بـ "الرادار الثابت" "نظام توجيه هجينا" يعتمد على الأقمار الصناعية "نور" وشبكات الألياف البصرية المدفونة، لتظل القبضة قادرة على الضرب، حتى وهي في حالة عمى إلكتروني مفترض.

الورقة المرعبة

نجحت التكنولوجيا الأميركية في إعماء الرادارات التقليدية، لينتقل الإيرانيون إلى "التوجيه بالظلال"، وهي منظومة هجينة تعمل خارج نطاق الرصد التقليدي، فتراقب كوكبة أقمار "نور" (نور 3 وما بعدها) المسرح من الأعلى، لتعمل كـ "مرآة" رقمية تنقل البيانات من مراكز القيادة الحصينة في الداخل إلى الزوارق التائهة في عرض البحر، مستخدمةً مزيجاً من نظام "جي بي أس" العالمي و"غلوناس" الروسي مع نبضات تصحيحية إيرانية للإفلات من فخاخ الخداع الإلكتروني.

صورة نشرها الجيش الإيراني في 12 آذار/ مارس 2024، يظهر زورق عسكري إيراني يقوم بدورية بينما تدخل سفينة حربية المياه الإيرانية قبل بدء مناورة بحرية مشتركة بين إيران وروسيا والصين في المحيط الهندي. (المصدر: أسوشيتد برس)
صورة نشرها الجيش الإيراني في 12 آذار/ مارس 2024، يظهر زورق عسكري إيراني يقوم بدورية بينما تدخل سفينة حربية المياه الإيرانية قبل بدء مناورة بحرية مشتركة بين إيران وروسيا والصين في المحيط الهندي. (المصدر: أسوشيتد برس)

ولأن تشغيل الرادار التقليدي في ظروف الحرب قد يكشف موقعه بسهولة ويجعله هدفاً مباشراً للعدو، يلجأ الحرس الثوري إلى بديل أكثر حذراً، وهو الرادارات السلبية، فبدلاً من بث موجات تكشف مكانها، تعمل هذه الأنظمة بصمت عبر التقاط الإشارات والترددات التي يصدرها العدو نفسه، مثل إشارات الرادارات والاتصالات، ثم تحليلها لتحديد مواقع السفن أو الطائرات، وبهذه الطريقة يستطيع رصد خصومه ومتابعة تحركاتهم من دون أن يلفت الانتباه إلى موقعه.

اقرؤوا المزيد: القوة الأميركية العائمة 

في الأسبوع الماضي، برز تكتيك "المسيّرات الوسيطة"، حيث تحلق طائرات "شاهد 129" على ارتفاعات ملامسة لسطح الموج، لتعمل كجسر بصري وحراري ينقل "البث الحي" لزوارق انتحارية تنطلق نحو أهدافها وهي "عمياء رادارياً" لكنها بصيرة ببيانات المسيّرة، وحتى منصات الكروز الساحلية، باتت تعمل بـ "الأعصاب الضوئية" (الألياف البصرية المدفونة)، لتخرج الصواريخ من أحشاء الجبال في صمت لا سلكي مطبق يباغت أعقد أنظمة الإنذار المبكر.

اقرؤوا المزيد: المُسيّرات.. لِمَن سماء البلاد؟

أما الورقة الأكثر إثارة للرعب في هذه المواجهة فهي "الألغام البحرية"، إذ يمتلك الحرس الثوري مخزوناً استراتيجياً يتراوح بين خمسة آلاف إلى ستة آلاف لغم، وقد بدأ فعلاً نشر جرعات قاتلة منها في ممرات المضيق، وتتنوع هذه الألغام بين البدائي والذكي، أبرزها: "صدف 02" التلامسي الذي ينجرف مع التيارات كأشباح هائمة لا تفرق بين ناقلةٍ ومدمرةٍ، و"ماهام 1 و2" الذكية، القابعة في القاع وتتحسس نبض السفن المغناطيسي بشحنة تصل إلى 350 كغ، وهي كفيلة بشطر عمالقة النفط إلى نصفين، والألغام المنبثقة التي تكمن في صمت وتظهر فجأة عند استشعار الفريسة، مما يجعل تطهير الممر ضرباً من الخيال العسكري.

تقوم أساليب الزراعة على تجسيد لـ "التكتيك الهجين"، إذ تنطلق قوارب صيد مموهة ليلاً تحت غطاء النشاط المدني، وزوارق "عاشوراء" السريعة التي تفرغ حمولتها وتختفي في ثوانٍ، وغواصات "غدير" القزمية التي تتسلل إلى المياه الضحلة لتفخخ مخارج الموانئ بعيداً عن أعين السونارات الثقيلة.

دروس التاريخ ومضيق هرمز

ترجع أهمية اللغم البحري إلى كلفته المحدودة واعتماده على تقنيات متواضعة مقابل نتائجه القوية التي نجحت في تعطيل عمليات عسكرية كبرى وعرقلة حركة أساطيل حربية ضخمة، ففي عام 1972، لم تحتج الولايات المتحدة إلى أكثر من 36 لغماً لتشل حركة الملاحة من ميناء "هايفونغ" في فيتنام الشمالية وإليه، وفي عام 1950، نجح الكوريون الشماليون في تأخير الإنزال الأميركي في "وونسان" بثلاثة آلاف لغم نُثرت على مساحة ضيقة.

اقرؤوا المزيد: المضائق المائيّة تتسع لـ "إسرائيل"!

واليوم، في خضم الحرب الإيرانية - الأميركية الإسرائيلية، ورغم الادعاءات السياسية الأميركية بامتلاك أكبر قدرة على إزالة الألغام، فإن آخر سفينة أميركية مخصصة لإزالة الألغام كانت في الخليج العربي سُحبت منه في خريف العام الماضي، في حين بقيت أربع سفن كاسحة ألغام من فئة "أفينجر" في موانئ اليابان، بعيدةً بآلاف الأميال عن مضيق هرمز.

صورة جوية للسواحل الإيرانية وميناء بندر عباس في مضيق هرمز، 10 كانون الأول/ ديسمبر 2023. (المصدر: رويترز).
صورة جوية للسواحل الإيرانية وميناء بندر عباس في مضيق هرمز، 10 كانون الأول/ ديسمبر 2023. (المصدر: رويترز).

إزالة الألغام - حسب التجارب التاريخية - عملية شاقة وتتطلب وقتاً، فقد استغرق تطهير سواحل الكويت عام 1991 نحو 51 يوماً لإزالة 907 ألغام فقط، وكان ذلك بعد توقف الحرب، والحصول على خرائط من العراقيين، فماذا لو كان الزارع اليوم قوة إقليمية متمثلة في إيران، والتي لا تزال تخوض الحرب وتدافع عن كل شبر لها في المضيق!

ورغم ما تعرضت له القوة البحرية الإيرانية من "شلل وظيفي" في أسطولها التقليدي، فقد نجحت في تحويل مضيق هرمز إلى ممر خطير بسبب آلاف الألغام الصامتة والزوارق الانتحارية التي لا تراها الرادارات، ولذلك فإن دونالد ترامب الذي أعلن أنه سيحافظ بأي وسيلة على بقاء مضيق هرمز مفتوحاً وآمناً، عاد ليطلب من الدول التي تتلقى النفط عبر مضيق هرمز، المساعدة في تأمينه. فهل سيتحالف العالم مع أميركا ضد إيران لفتح مضيق هرمز؟ وكيف ستصمد القوة البحرية الإيرانية؟ وماذا تبقى من أوراق لم تكشفها بعد؟ هذا ما قد تكشفه الحرب في الأيام القادمة.