27 فبراير 2026

شباك زنزانة في أميركا يطل على غزة 

شباك زنزانة في أميركا يطل على غزة 

تقدِّم هذه الترجمة مقاربة نقديّة تربط بين نظامين استعماريّين استيطانيّين: النظام الإسرائيليّ والنظام الأميركيّ، عبر ربط التجربة الفلسطينية بتجربة القمع التي يتعرّض لها السكّان السود والملوّنون في الولايات المتحدة ضمن ما يُسمّى "الديمقراطيّات الليبرالية الحديثة".

وانطلاقاً من تجربة كاتب المقال، مايكل راي، وهو كاتب أسود أميركيّ يقبع في السجون الأميركية منذ سنّ الثامنة عشرة، يكشف النصُّ كيف يعمل النظام الاستعماري الاستيطاني على إعادة إنتاج العنف في مواجهة الأفعال التحرّرية، من خلال أدوات قانونية وأمنية وخطابية متشابهة تستند إلى مفردات مثل: الحياد، والأمن، ومكافحة الجريمة، أو الإرهاب، لتبرير أنماط متقاربة من الإقصاء والعقاب.

في هذا السياق، لا تُستحضَر فلسطين بوصفها حالة استثنائية، بل كجزء من منظومة استعمارية واحدة تتقاطع فيها غزّة مع نظام السجون الأميركي، والجدران مع الحبس الجماعي، وتجريم المقاومة مع تجريم الوجود الأسود ذاته.

 يُنشر هذا النص بالعربية كجزء من إعادة تأطير القضية الفلسطينية ضمن شبكة نضالاتٍ عابرةٍ للحدود، محاولاً المساهمة في مساءلة السرديات التي تفصل بين "العنف المشروع" و"العنف المُدان" دون مساءلة الشروط البنيوية التي تُنتج كليهما، وفي بناء لغة سياسية وأخلاقية مشتركة مع حركات تحرّرية أخرى، خصوصًا في الولايات المتحدة.

المقال:

عندما كنت في الثامنة عشرة من عمري، شاهدت من باب زنزانتي في سجن ولاية أوهايو، سجّانين ينهالان بالضرب الوحشيّ على رجلٍ كان نائماً في زنزانته، أحدهما كان يمسك بساقيه ويثبّته وهو يصرخ مراراً: "توقّف عن المقاومة!"، بينما الآخر يلكمه في وجهه أكثر من عشر مرات، وعندما انتهيا، رشّا علبة كاملة من رذاذ الفلفل على جراحه النازفة، ثمّ اقتاداه مكبّلاً بالأصفاد.

"ابتعد عن النافذة"، صرخ صوت من مكان خلفي، "ابتعد عن الباب"، استفقت من ذهولي وأدركت أنّ المتكلم هو رفيق زنزانتي، رجل يكبرني كثيراً في السنّ وقد أمضى زمناً أطول بكثير منّي في السجن، عندما التفتّ إليه، شرح لي قائلاً: "اجلس على سريرك كي لا يروك تراقبهم، فيقرّروا أن يأتوا ليأخذونا نحن أيضاً".

بعد مشاهدتي لسجّان يضرب سجيناً، ويُضايقه، ويكتب تقريراً كاذباً عن سوء سلوكٍ بحقّه، كنت كثيراً ما أسمع تبريرات مثل: "ما كان ينبغي عليه أن يجادل الضابط"، أو "ما كان ينبغي له أن يدخل السجن أصلاً"، وعندما أشاهد التلفاز وأسمع معلّقاً في قناة "فوكس نيوز" يقول: "إسرائيل لم تبدأ هذه الحرب، وكان على الفلسطينيين ألّا يدعموا حماس"، ينتابني شعور بالـ «ديجا فو»، أي كأنّني أسمعُ الكلمات ذاتها تتكرّر في الحالتين، فالذين يقولون هذه الأمور لديهم جميعاً نبرة السخط المتغطرسة غير القابلة للنقد ذاتها، تظهر في أصواتهم وفي وجوههم العابسة، وقد بدأت أدرك أنّ هذا ليس مجرّد مصادفة.

اقرؤوا المزيد: نايف نصّار: كلّ ما أردته أن أمُدَّ قدمي!

إنّ للولايات المتحدة و"إسرائيل" تاريخاً طويلاً في عمليّة متحوّلة تُعرف بالاستعمار الاستيطاني، وهي عملية بدأت في الحالتين كمشروع عنصريّ قومي - إثنيّ صريح، وأصبحت اليوم بحاجة إلى لغة تبريريّة تبدو في الظاهر كأنّها محايدة عرقياً ولا تميّز على أساس اللون، ويعمل بيروقراطيّو هذه الأنظمة، والمدافعون عنها، على فعل ذلك من خلال تصوير السود على أنهم "مجرمون" والمسلمين بوصفهم "إرهابيين" لتبرير استخدام الشرطة والسجون والقوّة العسكرية.

كما يصوّرون كلّ محاولة لفحص الجذور الحقيقيّة للجريمة والإرهاب على أنّها افتقار إلى الوضوح الأخلاقيّ، بينما يروّجون بفخرٍ رفضهم فحص التاريخ والسياق بوصفه فضيلة أخلاقيّة.

وأخيراً، يُخرسون أيّ معارضة قد تعرّي هذه الممارسات بذريعة مكافحة "العنصرية العكسية" ومعاداة السامية، فعلى سبيل المثال، يجري حظر نظرية العرق النقديّة وحركة المقاطعة (BDS)، والنظر إلى احتجاجات "حياة السود مهمة" والاحتجاجات المؤيدة لفلسطين بوصفها أعمال شغب.

اقرؤوا المزيد: "استير" وأخواته.. كيف يُحرّم ترامب انتقاد "إسرائيل"؟ 

في كتابها: "الحرّية كفاح مستمر"، تقول أنجيلا ديفيس إنّه إذا وُضعت صور احتجاجات حركة "حياة السود مهمة" في الولايات المتحدة إلى جانب صور الاحتجاجات الفلسطينية في "إسرائيل"، لن يستطيع المرء التمييز بينهما، ففي الحالتين، يستخدم ضبّاطُ شرطةٍ معظمهم من البيض عتاداً عسكرياً لقمع أناسٍ سودٍ وبنيّين لأنّهم يطالبون بحقّهم في الحياة.

وهذا العتاد العسكريّ يُصنَّع من قبل الشركات نفسها، حتّى إنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" تتبادلان الخبراتِ المتعلّقة بالممارسات القمعية، وممّا يدلّ على ذلك، مشاركة الفلسطينيين على وسائل التواصل الاجتماعيّ نصائحَ للسود في كيفيّة التعامل مع عنف الشرطة واعتداءاتها خلال احتجاجات حركة "حياة السود مهمة"، التي اندلعت عقب مقتل جورج فلويد عام 2020 في الولايات المتحدة الأميركية.

ولا تنتهي أوجه الشبه عند هذا الحدّ، فالولايات المتحدة، المُسمّاة بـ "أرض الأحرار"، تسجن نسبة من مواطنيها تفوق مثيلاتها في أيّ "ديمقراطية مستقلة" أخرى في العالم، أمّا "إسرائيل"، التي تروّج نفسها بوصفها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تستخدم بشكل روتيني المحاكم العسكرية لسجن الأطفال، والتي تفتقر إلى الحدّ الأدنى من إجراءات الحماية القانونية الواجبة والمعتادة.

حتّى قبل حرب الإبادة الجارية في قطاع غزة اليوم، كانت "إسرائيل" تُخضِع ما بين 500 و700 طفل فلسطيني للمحاكمة العسكرية بشكل سنويّ، أمّا على المستوى المُطلق، فتُعدّ الولايات المتحدة الأميركية الدولة الأكثر إنفاقاً عسكرياً في العالم، في حين أنّ "إسرائيل" تشكّل الدولة الأكثر إنفاقاً عسكرياً قياساً إلى ناتجها المحلّيّ الإجمالي.

كما أنّ الدولتين تتشاركان وجهة نظر بناء الجدران على حدودهما، وهي من ممارسات العصور الوسطى، وعلى الرغم من ذلك كلّه، لا تشكّل الولايات المتحدة ولا "إسرائيل" أكثر الأماكن أماناً للعيش، بل إن المرء سيكون في حالٍ أفضل إذا عاش في أيّ دولة صناعية كبرى أخرى في العالم.

كلّ هذا يصبح مفهوماً حين ندرك أنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" ليستا سوى خيطين في الكتلة المتشابكة التي تُسمّى الاستعمار الأوروبي، ففي "البيان الشيوعي"، كان كارل ماركس وفريدريك إنجلز، ربّما، أوّل من وصف بهذه البلاغة أهمية الاستعمار في تطوّر النظام العالمي الحديث، الذي يقول: "إنّ اكتشاف أميركا، والدوران حول رأس الرجاء الصالح، فتحا مجالات جديدة أمام البرجوازيّة الصاعدة، فقد منحت أسواق الهند الشرقية والصين، واستعمار أميركا، والتجارة ما بين المُستعمَرات، دفعة غير مسبوقة للرأسمالية".

في ذلك الوقت، كانت معظم المُستعمَرات خاضعة للإمبراطوريات الأوروبية الكبرى، ما أدّى إلى نهبٍ هائلٍ للموارد الطبيعية وتصديرها، مثل الأخشاب والمطاط والتبغ والقطن، أمّا في حالة الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وجنوب إفريقيا و"إسرائيل"، فقد اتّخذ الاستعمار شكلاً خاصّاً هو الاستعمار الاستيطاني، وهو ظاهرة عنيفة يعمل فيها المستوطنون البيض على إبادة السكّان الأصليين وإحلال أنفسهم مكانهم.

وقد قدّم الفيلسوف الإنجليزي جون لوك تبريراً لهذا الفعل، وهو الفيلسوف الذي كان المستعمِرون، بمَنْ فيهم الآباء المؤسِّسون للولايات المتحدة، يقرؤونه على نطاق واسع، فالأرض، بالنسبة إلى لوك، لا تُصبح ملكيّة لأحدٍ إلّا حين "تمتزج بالعمل"، أو بكلمات أخرى، حين تُزرع وتُفلح.

ووفق منظور لوك، وبما أنّ الشعوب الأميركية الأصلية لم تكن تمارس الزراعة، فهذا يعني أنّها لا تملك أيّ حقّ في الأرض التي عاشت معها في انسجامٍ لآلاف السنين، وهي فكرةٌ ملائمةٌ لوضع ما يقارب 3.9 ملايين ميلٍ مربّع من الأرض في المتناول للاستيلاء، مُعدَّة للتسييج وتحويلها إلى مساحةٍ لإنتاج الربح عبر عَمَلِ العبيد.

وعلى نحو مماثل، تستدعي "إسرائيل" مفاهيم أوروبّيّة حديثة عن الملكية والدولة لتبرير تدمير أكثر من 500 قرية وتهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني قسراً من أرضهم في عام 1948، وذلك كما صرّحت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير بوضوح في مقابلة مع صحيفة "صنداي تايمز" عام 1969: "لم يكن هناك شيء اسمه فلسطينيون، متى كان هناك شعب فلسطيني مستقلّ ودولة فلسطينية مستقلة؟".

كذلك جرى تبرير النزعة الاستعمارية الأميركية عبر فكرة "القدر المتجلّي"، التي اعتبرَتْ مهمّة الرجل الأبيض بتفويضٍ إلهيّ أن يوسّع نطاق هيمنته ليجلب التقدّم والحضارة إلى "المتوحّشين"، في المقابل، نرى اللغة ذاتها في إعلان الاستقلال الإسرائيلي، الذي يقول إنّ الروّاد جاؤوا من أوروبّا الشرقيّة والغربيّة "فجعلوا الصحراء تُزهِرْ"، و"بنوا القرى والمدن وجلبوا بركات التقدّم إلى جميع سكّان البلاد".

اقرؤوا المزيد: مستوطن البيت الأبيض.. هكذا يوسع ترمب "إسرائيل"

وعلى الرغم من هذه التشابهات الصارخة، ما يزال البعض يجادل بأنّ حالة "إسرائيل" شديدة الخصوصيّة بحيث لا يمكن إدراجها ضمن الدول الاستيطانية الاستعمارية الأخرى، لكنّهم يتجاهلون حقيقة أنّ جميع الدول الاستيطانية الاستعمارية تختلف في بعض الجوانب، وأنّ المستعمِرين يستطيعون باستمرار إعادة رسمِ الفئات العرقية والتلاعب بها لتلائم أيّ حالة طارئة قد تنشأ.

فعلى سبيل المثال، ظلّ تعريف "البياض" يتطوّر باستمرار لخدمة مَنْ هم في السلطة، ففي فترات زمنيّة مختلفة، اعتُبِرَ الإيطاليّون والإيرلنديّون عرقياً من غير البيض، وعلى الرغم من أنّ لون البشرة يعمل كعلامة خارجية، فإنّ العرق في جوهره ليس مسألة بيولوجية، فعرقُ الشخص هو موقعه داخل مصفوفة من القوانين، والترتيبات الاقتصادية، والافتراضات البديهية المشتركة، وأيضاً موقعه داخل التقنيات العسكرية والرقابية والعقابية.

لنأخذ مثلاً، تحليل وولف لمسألة "التمييز العرقيّ التفاضليّ" في الولايات المتحدة، فقد كان يجب محو السكان الأصليين، بينما كان ينبغي إبقاء العبيد السود محرومين من نيل أيّ حقوق متساوية يتمتّع بها البيض، وهذا يفسّر نموذجين في الظاهر قد يبدوان متناقضين من قاعدة "القطرة الواحدة" سيّئة السمعة: فقطرة دم واحدة غير أصليّة تجري في عروقك تعني أنّك لست شخصاً أصلياً حقيقياً، بينما قطرة دم سوداء واحدة تعني أنّك أسود إلى الأبد بشكل لا رجعة عنه.

ومثلما خُلِقَ السواد بوصفه عرقاً، بحسب هورتنس سبيلرز، "بصورة روتينية عبر العمل المُمنهج بالحديد، والسياط، والسلاسل، والسكاكين، ودوريات الكلاب، والرصاص"، كذلك كان خلق الفلسطينيين بوصفهم عرقاً جرى "بصورة روتينية عبر العمل المتعمَّد بوصفهم عالاتٍ، وبالرصاص المطاطيّ والمعدنيّ، والغاز المسيل للدموع، وعتادِ مكافحة الشغب، والقصف الجويّ والهجمات البرّيّة، وأنظمة المحاكم العسكريّة، والاعتقال الإداري، والجدران، وعمليات الإعدام غير القانونية"، وذلك بحسب رونيت لينتن في مقالها الأكاديمي "فلسطين/ إسرائيل وإجرام الدولة"، وهذا يعني، أنّ الخطوط العرقية في "إسرائيل" تُرسَمُ على نحو مختلف عمّا هي عليه في الولايات المتحدة لأنّ حاجاتها الاستعماريّة المختلفة تتطلّبُ ذلك.

اقرؤوا المزيد: سجن إفراج، سجن إفراج: ما الذي يفعله الإداري فينا؟

تعرّف "إسرائيل" اليهودية بشكل واضحٍ بوصفها مسألة وراثيّة، ولذلك يمنح "قانون العودة" الأورويلي الجنسيّة تلقائياً لأشخاصٍ من بلدانٍ مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا وروسيا، في الوقت الذي يحرم فيه اللاجئون الفلسطينيون من حق العودة إلى الأرض التي عاشوا فيها، وبعضهم ما يزال يحتفظ بمفاتيح بيوتهم القديمة.

وعلى الرغم من أنّ اليهود من العرب والإثيوبيّين يعاملون مواطنين من الدرجة الثانية، فإنّ حال أحفاد القلّة من العرب الذين تمكّنوا من البقاء داخل "إسرائيل" بعد نكبة عام 1948 كان أسوأ من ذلك، وهذا ليس مفاجئاً، فدستور الصندوق القومي اليهودي لعام 1929، المنظمة التي ما تزال حتى اليوم تدير جزءاً كبيراً من الأراضي العامة في "إسرائيل"، نصَّ على أنّه لم يتأسَّس ليدعم حقوق جميع السكان، بل "حقوق الشعب اليهوديّ فقط".

في المقابل، لا يختلف ذلك كثيراً عن حُكم المحكمة العليا الأميركية في قضية دريد سكوت ضد ساندفورد، الذي نصّ على أنّ: "العرق الإفريقي المستعبد لم يكن جزءاً، ولا شكّل جزءاً، من الشعب الذي صاغ واعتمد إعلان الاستقلال، وعليه، فإنّ الحقوق والحصانات الخاصّة المضمونة للمواطنين لا تنطبق عليهم".

وعليه، لم يُطلق السود المشروع الاستيطاني الاستعماري الأميركي، ولم يُعتبَروا جزءاً من المستفيدين منه، وكما قال توماس جيفرسون عند كتابته عن الحفاظ على العبودية، فإنّ السود هم "الذئاب" المقبوضُ عليها من أُذنها، وعلى الطبقة الحاكمة البيضاء أن تُحكِمَ تلك القبضة بين الحين والآخر، ولذلك، وما إن تحقّق أكبر انتصارين لحقوق السود، المتمثّلان في التحرير وحركة الحقوق المدنيّة، حتى جاء مباشرة أكبر مشروعين لتوسيع أقسام الشرطة والسجون في التاريخ الأميركي.

خديعة التحرير والسجون

أولاً، وقبل كلّ شيء، فإنّ التعديل الثالث عشر لا يُلغي العبودية، بل بالكاد يخفِّفُ منها، إذ يقول: "لا يجوز وجود العبوديّة أو الخدمة القسرية، إلّا بوصفها عقوبة على جريمة يكون الطرف قد أُدِينَ بها بشكل قانونيّ، داخل الولايات المتحدة أو في أيّ مكانٍ يخضع لولايتها القضائية".

ولم تَغِبْ عن مشرّعي الجنوب الأميركي الاستراتيجية الواضحة التي يقترحها هذا النص، وهي تعني التأكّد من إدانة السود بشكلٍ قانوني، وبما أنّ العبيد كانوا قد عاشوا وعَمِلوا طوال حياتهم في ممتلكات "أسيادهم"، فإنّ التحرير، بحكم التعريف، كان سيجعل كثيراً منهم عاطلين عن العمل ومشرّدين.

في المقابل، سارعت الهيئات التشريعية إلى سنّ قوانين جديدة تُجرِّمُ التسكّع والتشرّد، ما قَلَبَ الميزان العرقيّ داخل السجون الأميركية بين ليلةٍ وضحاها، وحوَّل عدد السجناء فيها من أغلبية بيضاء إلى أغلبية سوداء تقريباً، ثمّ عَمِلَتْ الولايات على تأجير هؤلاء السجناء السود من جديد لأسيادهم السابقين للعمل لديهم.

وحتى اليوم، يمكن العثور على صور لسجناء سود يقطفون الطماطم تحت الشمس الحارقة في سجن ولاية لويزيانا، المعروف أيضاً باسم "أنغولا"، نسبة إلى مزرعة العبيد السابقة التي كانت تشكِّلُ أرضَ السجن، ومقابل هذا العمل، كان السجناء السود يتقاضون 30 سنتاً في الساعة بينما يراقبهم ضبّاط بيض مسلّحون من فوق ظهور الخيل.

ثانياً، بدأت الحرب على المخدرات ومرحلة التشدّد في مكافحة الجريمة مباشرة بعد حركة الحقوق المدنية، فبين عامي 1970 و2000، بَنَتْ الولايات المتحدة ما يقارب ألف سجن ومعتقل جديد، وارتفع عدد السجناء من نحو 200 ألف إلى أكثر من مليون.

اقرؤوا المزيد: قاضي أميركا.. جلّاد يحاكم فلسطين

ولإزالة أيّ شكوك متبقّيّة في سبب حدوث ذلك، يكفي النظر إلى الاعتراف الذي أدلى به مساعد الرئيس للشؤون الداخلية في عهد ريتشارد نيكسون، جون إرليشمان: "لقد كنّا نعرف أنّنا لا نستطيع جعل معارضة حرب فيتنام أو كون الشخص أسود أمراً غير قانوني، لكن، ومن خلال دفع العامّة إلى ربط الهيبيين بالماريغوانا والسود بالهيروين، ثمّ تجريم الأمرين بشدّة، أصبحنا قادرين على تمزيق هذين المجتمعين، استطعنا اعتقال قادتهم، ومداهمة منازلهم، وتفريق اجتماعاتهم، وتشويه سمعتهم ليلةً بعد أخرى في نشرات الأخبار المسائية".

وهذا مثال عمّا وصفه دبليو. إي. بي. دوبوا في كتابه "أرواح السود" بوصفه ميل التفوق الأبيض إلى التخفّي وراء قناع الطهارة ضدّ الجريمة، وربّما ذلك ما يفسّر أيضاً لماذا واصلت وسائل الإعلام زيادة تغطيتها لقصص الجريمة حتى في الفترات التي كانت فيها معدّلات الجريمة الفعلية في تراجع، فقد كانت الغاية من كلّ تلك الصور الجنائيّة للسود، التأكّد من أن يَربِطَ البيضُ بصورةٍ ضمنيّةٍ السواد بالجريمة.

وكنت قد طرحت بعض هذه القضايا في مناسباتٍ قليلة على بعض العاملين هنا في السجن، وكانوا أحياناً متشكّكين، واحدة من المعلّمات اعتقدت أنّني موهوم ومهووس بنظريّات المؤامرة حتّى بحثت في الأمر بنفسها، وفي اليوم التالي جاءت لتقول: "يا إلهي! ظننتك مجنوناً، لكن تبيّن لي أنّ كلّ ذلك صحيح، لا أصدّق أنّني عملت في هذا النظام لخمسة عشر عاماً ولم يتحدّث أحدٌ عن هذا من قبل"، لا أحد يريد أن يرى نفسه بوصفه مراقباً حديثاً على العبيد، ولا، في حالة معلّمي نظامنا وعامليه الاجتماعيّين، بوصفهم قساوسة بيضاً في مزرعةٍ للعبيد.

الأمر نفسه ينطبق على الإسرائيليين الذين لا يريدون أن يروا أنفسهم مستعمِرين، تكتب ليندا ديتمار عن "طفولتها المثالية" في "إسرائيل"، وتروي صدمتها عندما اكتشفت عندما كَبِرَت، الحجم الحقيقيّ للجرائم التي تأسَّست عليها دولتها، بعد أن زارت مواقع المجازر وغيرها من الفظائع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، ومثلما من السهل على البيض أن يُطمئنوا أنفسهم بأنّهم غير عنصريين عبر التفكير بأنّهم يعتقلون "المجرمين" وليس "السود"، فمن الأسهل بكثير أيضاً على الصهاينة أن يطمئنوا أنفسهم بأنّهم غير عنصريين عبر التفكير بأنّهم يقصفون "الإرهابيين" بدلاً من العرب.

وبالنظر إلى منح الولايات المتحدة "إسرائيل" أربعة مليارات دولار سنوياً، ألا يجعل ذلك من الولايات المتحدة الدولة الراعية للإرهاب الأكبر في العالم؟ ولو كان مجمّع السجون الصناعيّ معنيّاً حقّاً بحماية الناس من الجريمة، لكان كلّ مدير تنفيذيّ في شركة "بيردو فارما" يقضي حكماً بالسجن المؤبّد، ولو كان مجمع السجون الصناعيّ حقّاً أيضاً معنياً بحماية الناس من الإرهاب، إذن لكان كلّ رئيس أميركيّ وكلّ رئيس وزراء إسرائيليّ على قيد الحياة الآن، يرزحون تحت وطأة الاعتقال الإداريّ من دون محاكمة.

اقرؤوا المزيد: نزعُ الرهبة عن الاعتقال.. ما وراء الحملة المسعورة؟

إنّ إحدى الوظائف الفعلية لكلّ من الحدود، والشرطة، والسجون، والجيوش، هي ترسيم الحدود بين الـ "نحن" و"الآخرين" عبر السيطرة عليهم وإخضاعهم للتمييز العرقيّ ونفيهم وقتلهم، وبينما ينطبق هذا على جميع الدول القومية، فهو مُضاعف التطبيق في الدول الاستعمارية الاستيطانية مثل الولايات المتحدة و"إسرائيل"، فبوصفهم مستوطنين، فإنّ هويّتهم دائماً على المحكّ.

وهذا السبب وراء حساسيّتهم الشديدة وهشاشتهم تجاه أيّ شيء يبدو أنّه يشكّل تهديداً لهم، وهو السبب أيضاً في وجود العديد من أفراد هذه الجماعات المهيمنة في هذه البلدان، الذين يتّسمون بوطنيّة عدوانيّة وبغيضة، كذلك هو السبب في محاولتهم التحكّم في كلّ ما قد يؤثّر في "التناسل الجيّد"، مثل التحكّم بحقوق الأشخاص الذين يملكون أرحاماً، وتحديد هويّات الّذين ينتمون إلى مجتمعات المثليين والمتحوّلين جنسياً.

ولهذا يردّدون شعارات غاضبة ومجنونة مثل: "احبسوهم جميعاً"، أو "ارموهم في البحر"، حتى بعد أن تُقدَّم لهم أدلّة على أنّ هذه السياسات تجعل العالم مكاناً أكثر خطورة، وأحياناً، بوعي أو بلا وعي، يكونون أكثر من سعداء للتضحية بجزء من سلامتهم الجسديّة من أجل الحفاظ على الهويّات التي خلقوها بعد أن اغتصبوها ونهبوها.

«الأحاديّة اليوميّة» ضدّ السياق

وهذا ما يفسّر أيضاً لماذا يصاب كثيرون بالرعب عند سماع أيّ ذكرٍ لـ "السياق"، فالسياق مهمّ فقط إذا كنت تحاول حلّ المشكلات، أمّا إذا كنت تحاول الحفاظ على امتيازك غير المستحقّ وشعورك بالشرعية، وفي الآن ذاته تبرئة نفسك من أيّ مسؤولية عن الشروط الاجتماعيّة التي تُنتِجُ الجريمة والإرهاب في المقام الأوّل، فإنّ السياق يصبح عقبة بالنسبة إليك، وهذا السبب وراء تصريح السيناتور ميتش ماكونيل الساخر قائلاً: "إن كنت في مواجهة شخص يوجّه مسدّساً إليك، فلن ترغب في انتظار معالجٍ نفسيّ يتحدّث إليه عن صحّته العقلية". كذلك تصريح الصحافية الليبرالية باريس فايس، التي تقول: "إنّها ليست بحاجة إلى معرفة أيّ سياق لتعرف أنّ أحداث السابع من أكتوبر كانت شراً محضاً".

ينبغي أن نسمّي هذه الظاهرة بـ "الأحاديّة اليوميّة"، التي تُشير إلى ممارسةٍ يركّز فيها الناس على يوم الجريمة أو الهجوم الإرهابي في الوقت الذي يتجاهلون فيه الأحداث التي تسبَّبت بحدوثه بشكل حتميّ، ومثلما نختزل تاريخ شخصٍ في حادثة إجراميّة واحدة، كذلك نختزل تاريخ فلسطين في حدث واحد أو يوم واحد. إنّ مناقشة الجريمة والعقاب دون النظر في سياق أربعمائة عام من التمييز العنصريّ البنيويّ في أميركا، أو مناقشة حماس من دون النظر في سياق 75 عاماً من الاستعمار الإسرائيليّ ليس وضوحاً أخلاقياً، بل هو عَمَى أخلاقيّ.

اقرؤوا المزيد: لماذا ذهبنا إلى المعركة؟ لماذا لا نذهب؟

لقد رأيت من "الأحاديّة اليوميّة" خلال وجودي في السجن أكثر ممّا يكفي، عرفت مرّة رجلاً في الستّين من عمره كان في السجن منذ طفولته، كانت أمّه تتاجر به جنسياً خلال طفولته، وكانت تُبقيه محبوساً في القبو حيث اضطرّ إلى أكل الصراصير والعناكب.

كان عمره (12 عامًا) عندما سُجن للمرة الأولى، بعدما ضرب أحد مغتصبيه على رأسه بمطرقة، ولم يمضِ على إطلاق سراحه شهران حتى قتل رجلاً في أثناء عملية سطو وهو في الثامنة عشرة، وخلال خمسين عاماً من السجن، عاش أهوال الحبس الانفرادي، والتعذيب الجسدي والجنسي، وأشكالاً لا تُحصى من الإذلال واللا أنسنة، والسجون تطفح بأشخاص لديهم قصص مشابهة، القصص التي لا تُروى عندما تُعرَضُ صورهم الجنائيّة في نشرات الأخبار المسائية.

وحتماً سيعتقد النقّاد أنّني أبرّر الجريمة والإرهاب بطريقة ما، لكن، لو شرحت أسباب السرطان ثمّ قلت إنّ الوقاية من تطوّره أكثر فاعليّة من محاولة علاجه عبثاً بالمواد المسرطنة نفسها التي تسبّبت به أصلاً، لما كنت عندها أبرِّرُ السرطان، إنّ الحلّ للعنف والكراهية لا يمكن أن يكون مزيداً من العنف والكراهية، وبعيداً عن التقليل من أهمّيّة تحمّل المسؤولية عن الفظائع، فإنّني أدعو إلى مستوى أعمق بكثيرٍ من المسؤولية، إلى إدراك الحقيقة التي عبّر عنها الأب زوسيما في رواية دوستويفسكي "الإخوة كارامازوف": "لو كنت أنا نفسي بارّاً، لربّما لم يكن هناك مجرم يقف أمامي الآن".

وفي الداخل من سياسات الهويّة القلقة، يُقصى أفراد الجماعات المهيمنة الذين يقبلون تحمّل هذه المسؤولية خارج الجماعة من قبل أولئك الذين يتشبّثون بمكانتهم بوصفهم مُضطهدين، إذ يُتّهم الأميركيّون البيض الذين يعارضون التمييز العنصري البنيويّ وهو في ذروته بأنّهم يعانون من "عقدة الذنب الأبيض"، بينما توصف المنظّمات اليهودية التي تعارض الصهيونية بمجموعة من اليهود الكارهين لأنفسهم.

أمّا السود والفلسطينيون وغيرهم من الأقلّيات الذين ينتقدون النظام القائم، فيُقذّفون إلى الخارج كلّياً، وغالباً ما تُحظَرُ الأطُرُ البديلة التي ينتجونها حظراً صريحاً، ومثال ذلك ما حدث لكلّ من نظرية العرق النقديّة، وحركة المقاطعة (بي دي أس).

اقرؤوا المزيد: ماذا يقول لنا السابع من أكتوبر؟

وكما تَبِعَ تحرير السود وحركة الحقوق المدنيّة ارتدادٌ أبيض خبيث، كذلك كان الحال مع حركة "حياة السود مهمة"، فالرجعيّون من البيض لم يستطيعوا أن يقفوا متفرّجين بعدما أثار قتل ديريك شوفان العلنيّ لجورج فلويد رغبة في فهم التمييز العنصري البنيويّ، حتى لدى بعض شرائح المجتمع الأميركيّ التي كانت سابقاً متعنّتةً، فَهُم ومنذ عدّة سنوات، يقرعون ناقوس الخطر بزعم أنّ نظريّة العرق النقديّة تُدرَّسُ في المدارس الأميركية، وهو ادّعاء كاذب، فنظرية العرق النقديّة إطار نظريّ محدّد في حقل القانون الدستوريّ، ولا تُدرَّسُ في أيّ مدرسة من مرحلة الروضة حتى الصفّ الثاني عشر، لكنّ حملات الدعاية ليست معنية بالحقيقة.

وقد كان كريستوفر روفو، المحارب الثقافي اليميني المتطرّف الذي اختلق هذه الهستيريا، واضحاً جداً بشأن نواياه، فقد كتب على تويتر في عام 2021: "لقد نجحنا في تجميد نظريّتهم: نظرية العرق النقدية داخل النقاش العام"، وأكمل قائلاً: "سنحوّلها في نهاية المطاف إلى شيء سامّ، ونلصق بها كلّ أشكال الجنون الثقافيّ المختلفة، إنّ الهدف هو أن يقرأ الجمهور شيئاً مجنوناً في الجرائد ويفكّر على الفور أنّه شيء يخصّ نظرية العرق النقدية، لقد فكّكنا المصطلح وسنعيد صياغته ليُصبِحَ المصطلح الذي يضمّ كلّ البُنى الثقافيّة المكروهة من قبل الأميركيين".

وبتأثير من روفو نفسه، أصدر الرئيس ترامب لاحقاً أمراً تنفيذياً يحظر مناقشة بعض "المفاهيم الخلافية" المعيّنة، في أيّ برنامج تعليمي تابع للخدمة المدنية الفدرالية، ومن بين هذه المفاهيم، فكرة أنّ "على الفرد أن يشعر بعدم الارتياح، أو الألم، أو أي شكلٍ آخر من الضيق النفسي بسبب عِرقه أو جنسه"، ومنذ ذلك الحين، اعتمدت عدّة ولايات حظراً يتضمّن أحكاماً مشابهة.

اقرؤوا المزيد: ترامب ليس قدراً نافذاً

اقرؤوا المزيد: مخلّص آخر الزمان!

وبكلمات أخرى، هذا يعني أنّ المعلّمين لا يستطيعون الحديث عن العبودية، أو قوانين "جيم كرو" العنصرية، أو إعدامات جماعة "كو كلوكس كلان" العنصرية، أو سياسات التمييز العنصريّ الإسكانيّة، أو وحشية الشرطية، أو سياسات السجن الجماعي، لأنّ ذلك قد يجرح مشاعر البيض.

وبذلك، فإن "العنصرية العكسية"، أي التمييز العنصريّ ضدّ أفرادٍ من الجماعات العرقية المهيمنة من قبل أفراد من الأقلّيات، والمتمثّلة في الاضطرار إلى سماع الحقائق المزعجة في الصفوف المدرسيّة، تُعدُّ شرّاً أعظم من العنصرية الفعلية المتجسّدة في السياسات القمعيّة التي تدمّر حيوات الناس بشكل فعليّ.

وبالطبع، بعد أن أصبح الناس يحتجّون الآن ضدّ "إسرائيل"، الدولة الثرية التي تمتلك جهازاً عقابياً وعسكرياً ضخماً، يعود هؤلاء الرجعيون البيض أنفسهم ليصبحوا أبطال الحقوق المدنية، وينهمكون في اجتثاث معاداة السامية أينما وُجِدَتْ.

ولا شكّ لديّ في حقيقة وجود معاداة الساميّة هنا وفي العالم، لكنّ تعريف معاداة السامية الذي تستخدمه منظّمات مثل رابطة مكافحة التشهير واسعٌ إلى درجة اعتباره أيّ نقد جوهريّ لـ "إسرائيل" شكلاً من أشكال معاداة السامية، فإن وصفنا تأسيس "إسرائيل" بغير الشرعيّ، أو أشرنا إلى أفعالها بوصفها تطهيراً عرقياً أو فصلاً عنصرياً، سنكون معادين للسامية.

كما أنّ أيّ نقد للصهيونية، أو مساءلة لها، يُوسَمُ على الفور بأنّه أيضاً شكل من أشكال معاداة السامية، والمفارقة الساخرة تكمن في أنّ رابطة مكافحة التشهير تسوّق نفسها بوصفها منظّمة حقوق مدنية، أي أنّها من المفترض أن تُدافع عن حرّية التعبير ضد الجهات الحكومية النافذة، لا أن تدافع عن هذه الجهات ضدّ حرّيّة التعبير، وفي هذا السياق، أدرك عدد من موظّفيها هذا الأمر واستقالوا منها.

وبشكل مماثل لحظر نظرية العِرق النقديّة، كانت القوانين التي حظرت حركة المقاطعة (بي دي أس)، فالمنظّمة التي أنشأتها منظمات المجتمع المدني الفلسطيني تعمل على دفع الأفراد والشركات المشاركين فيها إلى عدم التعامل التجاري مع الحكومة الإسرائيليّة وبعض الشركات الإسرائيليّة حتّى تلبّي مطالب محددة.

اقرؤوا المزيد: معركة الطوفان الغائبة.. من يملأ الفراغ الفكري والسياسي؟ 

وكان أن ردّت بعض الولايات الأميركية، بعد رضوخها لضغوط رابطة مكافحة التشهير ولجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، بأن سنّت قوانين تمنع منح العقود الحكومية لأيّ جهة تشارك في عمل حركة المقاطعة، وتشكّل هذه المقاطعة الحكومية الفريدة من نوعها انتهاكاً صارخاً للتعديل الأول من الدستور الأميركي، إذ لطالما اعترف القضاء الأميركي بأنّ المقاطعات التي تقوم بها جهاتٌ خاصّةٌ شكل من أشكال التعبير التي يحميها القانون.

ومن اللافت أنّ الأشخاص أنفسهم الذين يُدينون حماس بسبب استراتيجيتها العنيفة، وهدفها المعلن بإزالة "إسرائيل"، يدينون أيضاً حركة "بي دي أس" بشكل دائم، على الرغم من أنّ الحركة أُنشِئت بشكل واضحٍ بوصفها بديلاً لا عنيفاً، ولا تُطالب بإزالة الدولة الإسرائيلية، ولكن بإنهاء ممارسات جرى اعتبار معظمها ممارسات غير قانونية من قِبل الأمم المتحدة، مثل قتل المدنيين المستمرّ وبناء الجدران والمستوطنات في الأراضي المحتلّة.

اقرؤوا المزيد: هل المُقاطعة ناجعة؟ 5 ردودٍ على المُشكّكين

مرّة أخرى، يظهر أنّ الأنظمة القانونية والعقابية والعسكرية في الدول الاستيطانية الاستعمارية، ومن ورائها الأجهزة الأيديولوجية التي تدعمها، ليست معنيّة فعلياً بمنع العنف، يكفي النظر إلى الطريقة التي تستخدم بها هذه المجتمعات مُفردة "العنف"، فعندما يدمّر متظاهرو حركة "حياة السود مهمة"، أو المتظاهرون المؤيدون لفلسطين، ممتلكاتٍ يمكن تعويضها، يُسمّى ذلك عنفاً، أمّا عندما تُدمِّر الشركات المحيطات والغابات المطرية، التي لا يمكن تعويضها، فلا يُسمّى ذلك عنفاً أبداً.

لن ترى أبداً عناوينَ كهذه: "الشرطة تعتقل المتظاهرين بعنف"، أو "القاضي يحكم بعنف على مراهق بالسجن المؤبّد"، أو «إسرائيل تفرض حصاراً عنيفاً على الغذاء والإمدادات الطبية إلى غزة»، إنّ وصف فعلٍ ما بالعنيف في الخطاب الرسميّ لا علاقة له بمدى الأذى الذي يُلحِقه بالناس، بل بما إذا كانت هذه الأفعال تعزِّزُ من علاقات القوة التقليدية بين الأعراق، والأمم، والطبقات، والنوع الاجتماعي، أو تُهدِّدها.

اقرؤوا المزيد: خطاب حقوق الإنسان: نهاية وأي نهاية!

هذا بما يتعلّق بالخطاب الرسميّ، أمّا إذا أردنا حقاً تقليل العنف بجميع أشكاله: الإجرامي، الإرهابيّ، الشركاتي، العقابي، العسكريّ، فعلينا أن ندرك أنّ أسئلة من قبيل: "كم من الوقت يجب أن يقضيه المجرمون في السجن؟"، و"كم عدد الضحايا المدنيين المقبولين عند استهداف الإرهابيين؟"، هي ليست أسئلة عديمة الجدوى فحسب، بل ضارّة أيضاً، عوضاً عن ذلك، يجب أن نسأل، كما تسأل الفيلسوفة أندريا سميث: "ما هي أشكال الحُكم التي نستطيع بناءها دون أن تقوم على الموت المستمرّ لفئة ترزح تحت التمييز العرقي؟".

ويمكن أن نجرّب تحويل الأموال من الشرطة والسجون والجيوش إلى تعويضاتٍ لمجتمعات السود والسكان الأصليين والملوّنين، كما نستطيع إنهاء الرأسماليّة التابعة لأصحاب المصالح، والانتقال نحو نموذج من التنمية المستدامة، ويمكن أن نمنح حق العودة لجميع البشر عبر إقرار حرية الحركة العالميّة، وربّما لا يقضي أيّ أمرٍ من هذه الأمور على الاستعمار الاستيطانيّ، لكنّه سيكون بداية جيدة.



6 يناير 2019
كيف تلتئم
في سبيل سردية شخصية

في كتابها "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" تحاول إيمان مرسال أن تسرد تاريخاً شخصياً للأمومة في حياتها، بدءاً منها كابنة…