حين عاد الشهيد عبد الفتاح الطناني، قائد زمرة قناصة في كتيبة الشمال في كتائب أبو علي مصطفى - الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، من مناورة "الركن الشديد 4" العسكرية المشتركة في 12 أيلول/ سبتمبر 2023، لم يكن حديثه عابراً أو توصيفاً روتينياً لتدريب عسكري؛ قالها حينئذ بوضوح: "هذه المرة مختلفة تماماً".
لم يكن الاختلاف في التفاصيل، بل في جوهر الفكرة، حسب ما عبر عنه عبد الفتاح طناني، النموذج الهجومي الذي جرى تنفيذه تجاوز البعد الافتراضي والدفاعي، وارتكز على العمل من فوق الأرض، واقتحام التحصينات الإسرائيلية بواسطة المركبات، في محاكاة أقرب ما تكون إلى ما سيجري لاحقاً في لحظة الصفر.
بعد أقل من شهر، وتحديداً في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، قاتل الرفاق جنباً إلى جنب مع الفصائل المقاومة على ما تدربوا عليه، وحضروا في ميدان الطوفان مستندين إلى إرثٍ تاريخي ومسيرة كفاحية طويلة، ربما لم تُنصفهم الصورة، ولم تمنحهم سرِّيَّتُهم حقَّهم في الظهور، لكن الميدان عرفهم جيداً.
يسلط هذا المقال الضوء على مقاوِمِي كتائب الشهيد أبو علي مصطفى في معركة طوفان الأقصى، من تحضيرهم واستعدادهم إلى انخراطهم الواسع بميدان القتال، حيث حضروا بالفعل لا بالصورة، وبالاشتباك لا بالخطاب، في مشهدٍ وحدويٍّ أعاد تعريف معنى المقاومة وحدودها.
بوابة التنسيق
صورت مناورة "الركن الشديد 4" وكأنها استعراض قوة ولكنها فعلياً كانت تدريباً عملياتياً مكتملاً، تُجرَّب فيه السيناريوهات، وتُختبَر فيه أدوات القيادة والسيطرة، ويُعاد تعريف شكل المعركة القادمة.
عملياتياً، تضمَّنت المناورات مهام تعرُّضية معقَّدة، وعملت على تعزيز تكامل الأدوار بين مختلف الأسلحة والصنوف، عبر غرفة قيادة وسيطرة واحدة تدير مجريات القتال ميدانياً، وتنسِّق بين المناورة البرية والإسناد البحري، وصولاً إلى الإسناد المدفعي والصاروخي.
اقرؤوا المزيد: السابقون السابقون.. عن الأوائل من كلّ فعل
وحسب توصيف قائد المناورة، أبو بلال في حديث صحفي، حاكت التدريبات مهاجمة ثلاثة مواقع عسكرية إسرائيلية، إلى جانب تنفيذ إغارة نوعية لوحدة مشاة بحرية خاصة من المقاومة، وإسناد من محور المقاومة، استهدفت قاعدة بحرية إسرائيلية باستخدام وسائط سطحية وتحت سطحية، في مشهد تجاوز حدودَ التدريب التقليدي إلى محاكاة الاشتباك الحقيقي.
جرت هذه المناورة، التي شاركت فيها غالبية الأجنحة العسكرية في قطاع غزة، على مرأى من العالم، وبغطاء إعلامي واسع، لكنها، في جوهرها، كانت تقوم على شقَّين متوازيَين: أولاً؛ تهيئة المقاتلين ميدانياً للتعامل مع سيناريو "الطوفان" وتطبيعهم نفسياً وعملياتياً على فكرة الهجوم المركَّب والمنسَّق، وثانياً؛ سخرية أمنية محسوبة من جيش الاحتلال وأجهزته الاستخبارية التي تعاملت مع المناورة باعتبارها استعراضاً مبالغاً فيه متجاهلةً أنها تحمل مفاتيح ما سيقع فعلياً بعد أسابيع.

تحوَّلت الغرفة المشتركة إلى البوابة الأساسية لتعزيز التنسيق العسكري بين الأجنحة المختلفة، وضمان الانسجام العملياتي، وتكامل الفعل الميداني، ومعالجة أي اختلال محتمل قبل أن يتحوَّل إلى ثغرة في المعركة.
وحملت دلالة خاصة، حقيقة تمثلت في أن من كان يقودها قيادةً مباشرةً هو قائد العلاقات العسكرية بكتائب القسام، وعضو مجلسها العسكري، وقائد لواء المحافظة الوسطى، والقائد السابق لركن الاستخبارات العسكرية، الشهيد أيمن نوفل، ما يعكس الوزن الاستثنائي الذي نِيط بالغرفة في إطار التحضير لمعركة طوفان الأقصى، وفي بناء خطة دفاعية متكاملة لمواجهة أي هجوم إسرائيلي واسع على القطاع.
اقرؤوا المزيد: رسالة إلى جنرالٍ مُتعب
أحد مقاومِي كتائب الشهيد أبو علي مصطفى يروي في مقابلة خاصة لـ متراس، أن الدورات الأخيرة التي نظمتها الغرفة المشتركة ركزت تركيزاً لافتاً على سلاح مضادات الدروع، وكانت تلك المرة الأولى التي يدخل فيها سلاح "الياسين 105" إلى ساحة التدريب المشترك، وسط اهتمام مباشر من قادة الأذرع العسكرية، تجلَّى في جولات ميدانية وزيارات لمواقع التدريب، شارك فيها قادة من كتائب القسام، وأبو علي مصطفى، وسرايا القدس، وألوية الناصر.
لم يكن الهدف المعلن واضحاً للمقاتلين آنذاك، لكن ما تكشَّف لاحقاً أن التدريبات صهرت المسافاتِ التنظيمية، وخلقت لغةً ميدانيةً مشتركةً بين القادة والمقاتلين من مختلف الفصائل.
توحَّدت المفاهيم، وانتقلت الخبرات، وأصبح التعامل مع السلاح المُصنَّع محلياً – وعلى رأسه "الياسين 105" – قدرةً جماعيةً لا حكراً على فصيل بعينه، والذي انعكس بالانخراط الدفاعي المشترك في مواجهة حرب الإبادة والهجوم الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة.
حين سبق الفعلُ البيان
"هذا يومٌ تُستردُّ فيه طبيعة الصراع وكرامة الأمة العربية"، بهذه الجملة المكثفة، عنونت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بيانَها الذي صدر بعد أقل من ساعتين من انطلاق "طوفان الأقصى"، لم يكن توصيفاً سياسياً لما جرى، بمقدار ما كان إعلانَ انخراط كامل في معركة فُرضت شروطها منذ لحظتها الأولى.
دعت الجبهة في بيانها أبناء الشعب الفلسطيني إلى "المشاركة الفاعلة في معركة طوفان الأقصى؛ كلٌّ من موقعه وبما يمتلك من أدوات"، مؤكدة أن "ساعة الانقضاض على جيش الاحتلال ومستوطنيه قد حانت، عبر قطع طرق الإمداد، وتخريب المنشآت الحيوية، ومطاردة الجنود الإسرائيليين، وتكثيف الضربات في كل شبر من أرض فلسطين".
لكن على الأرض، قد سبق الفعلُ البيان، إذ كان مقاومو كتائب الشهيد أبو علي مصطفى ضمن موجات العابرين إلى الوطن السليب، يضربون مواقع جيش الاحتلال بكل ما أُتيح من قوة وإمكان.

لاحقاً، جاء البيان الرسمي للكتائب ليؤكد الوقوف إلى جانب الإخوة في كتائب القسام، ومع سائر قوى المقاومة، والالتحام الكامل معهم في معركة "سيسجّلها التاريخ"، إلى جانب إعلان حالة الاستنفار القصوى في صفوف المقاتلين، والعمل في عدة محاور إلى جانب رفاق الدم والسلاح.
اقرؤوا المزيد: أحمد سعدات: سيرة "الرأس بالرأس"
نشرت الكتائب توثيقاتٍ محدودةً لمقاوميها داخل الأراضي المحتلة وهم يجوبون مواقع جيش الاحتلال ويشتبكون مع جنوده، إلا أن اللافت كان التحفُّظ الشديد عن الخوض في أي تفاصيل عملياتية إضافية، سواء بشأن طبيعة المهام أو حجم الغنائم، إذ غلَّب الرفاق الشقَّ الأمنيَّ المعروفَ عنهم، وفضَّلوا الصمت المنضبط على أي إعلان قد يرقى إلى مستوى "معلومة مجانية" للاستخبارات الإسرائيلية.
في حين انشغل الإعلام الإسرائيلي بترويج روايات متضاربة عن وجود أسرى إسرائيليين لدى الجبهة الشعبية، في تناول لم يكن بريئاً، إذ تزامن مع محاولات ضغط متعددة المستويات، نُقل جزء منها عبر أجهزة مخابرات عربية إلى القيادة السياسية للجبهة، في محاولة لانتزاع معلومات جوهرية، إلا أنه وفق شهادة لقياديٍّ في الجبهة فإن الاستراتيجية واضحة: "حائط صمت، وتكتُّم، وتضليل محسوب في واحدة من أكثر القضايا حساسية".
ظلَّ هذا النمط الحاكم، إلى أن برز مقاومو كتائب الشهيد أبو علي مصطفى ضمن عمليات تسليم الأسرى والجثامين في مراحلها المختلفة، جنباً إلى جنب مع كتائب القسام، في عمليات جرت بجنوب القطاع وشماله، في حضور ميداني واضح، من دون أي إفصاح عن طبيعة ما كان في عهدة الكتائب، لا عدداً ولا توصيفاً، في انسجام كامل مع العقيدة الأمنية التي حكمت سلوكها منذ لحظة العبور.
اقرؤوا المزيد: من “السوبارو” إلى الدفع الرباعي.. موجز تاريخ الخطف
وكشفت الكتائب في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2023 أحد خيوط هذا الملف، حين أعلنت إفشال محاولة نفذها جيش الاحتلال لتحرير أحد الأسرى لديها بالقوة.
وقال "أبو جمال"، الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد أبو علي مصطفى، في تصريحات صحفية صوتية، إن الضابط الإسرائيلي قُتل خلال محاولة قوة خاصة من جيش الاحتلال تحريره من "قبضة الجبهة الشعبية".
معركة النفس الطويل
في مقابلة خاصة مع أحد أعضاء المجلس العسكري بكتائب الشهيد أبو علي مصطفى، تتكشف تفاصيل الانتقال السريع من نمط العمل القتالي المعتاد، إلى خطط الطوارئ المُعدَّة مسبقاً للتعامل مع سيناريو المواجهة الشاملة؛ السيناريو الذي قدَّرت القيادة العسكرية والسياسية للكتائب أنه قادم لا محالة، بصيغة أو بأخرى.
يشرح القيادي الذي شارك هذه التفاصيل في ظروف بالغة التعقيد والسرية لـ متراس، أن قيادة الكتائب أدركت منذ الساعات الأولى أن ما فُتح في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لن يكون معركة قصيرة، ولن يشبه أي جولة اشتباك سابقة مع جيش الاحتلال، هذا التقدير المبكر فرض إجراءات عاجلة وسريعة تواكب طبيعة المعركة القادمة، لا لحظتها الأولى فقط.
تمثل القرار العملياتي الأهم بالفصل بين مستويَين متوازيَين: الأول المستوى الهجومي، المتعلق بالمشاركة في العبور إلى الأراضي المحتلة، وإدارة خطوط الهجوم والانسحاب وفق التصور العملياتي الذي وضعته قيادة العمليات الخاصة في الكتائب؛ أما الثاني فكان المستوى الدفاعي، الذي تطلَّب الانتقال إليه بسرعة محسوبة، واستثمار الساعات الأولى التي انشغل فيها الاحتلال بالتصدي لوجود المقاومين داخل الأراضي المحتلة.
اقرؤوا المزيد: أبو أنس الغندور: الرجل الذي لم يُسقط لواء الشمال من يده
هذه الساعات، كما يصفها القائد العسكري، شكَّلت المساحة الذهبية لإعادة التنظيم والترتيب وتأمين الموارد، استعداداً لمعركة استنزاف طويلة، جرى خلالها العمل على حماية الأصول الاستراتيجية من الاستهداف الإسرائيلي، خاصةً موارد القيادة والسيطرة، سواء البشرية أو العملياتية، باعتبارها العمود الفقري لاستمرار القدرة على القتال.
واجهت الكتائب خلال المعركة تحديات تمثلت في محدودية الموارد التسليحية، مقارنة بالتقدير الاستخباراتي لعمر المعركة، التي يسعى فيها الاحتلال إلى أقصى درجات الاستنزاف والتدمير الشامل لقدرات المقاومة، بهدف تحييدها وفتح الطريق لاستباحة القطاع بلا كلفة تُذكر.
بناءً على هذا التقدير، يشير القيادي إلى أنه اتُّخذ أحد أكثر القرارات جوهرية في المعركة الدفاعية، والقائم على قاعدة الترشيد الأقصى، لا سيما في الأشهر الأولى، مع إعادة تنظيم الموارد وخطوط المواجهة وفق تقييم متواصل لمجريات العملية العسكرية.
اقرؤوا المزيد: رحلة تدمير الدبّابة
وفق هذه الرؤية، استندت الخطة الدفاعية لكتائب الشهيد أبو علي مصطفى إلى ضرورة تجاوز التمهيد الناري الإسرائيلي من الجو بأقل خسائر ممكنة، ثم إعادة توزيع العُقد القتالية ومواردها التسليحية بعد انتهاء موجات القصف، وبما يراعي التحولات المستمرة في الميدان.
بالتزامن مع ذلك، انتقل مقاتلو الكتائب إلى أنماط عملياتية مرنة، قائمة على التقدير الميداني لقيادة الكتائب في محاور القتال المختلفة، ضمن خطة طوارئ شاملة تأخذ في الحسبان التكامل الكامل في الفعل المقاوم مع الأجنحة العسكرية الأخرى.
هكذا، انتقلت كتائب الشهيد أبو علي مصطفى خلال ساعات من حالة الهجوم إلى الدفاع ضمن عملية إعادة تموضع ذكية للتعامل مع مواجهةٍ، تتجاوز الحاجة للجرأة فحسب، إلى القدرة على الصمود، وإدارة الوقت، والنار، والموارد.. حتى النهاية.
الاستشهادي الأول
لم تتعامل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع معادلة "وحدة الساحات" بوصفها شعاراً للاستهلاك الإعلامي أو مادةً للتنظير والتحشيد، بل على أنها قاعدة كفاحية راسخة، تنطلق من أن الفعل الفلسطيني لا يتجزأ بتجزئة الساحات، ولا ينفصل باختلاف المكان.
في قلب هذا التصور، برز دور القيادي محمد عبد العال (نضال)، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، وقائد دائرتها العسكرية والأمنية على المستوى المركزي، مهندساً لإعادة بلورة الفعل الكفاحي بين أجنحة الجبهة في مختلف أماكن الوجود الفلسطيني، ضمن نسق موحَّد يتكامل فيه العمل العملياتي، وتتوزع فيه الأدوار وفق قراءة واحدة للمعركة.
منذ انطلاق "الطوفان"، انخرط عبد العال في الإشراف المباشر على الفعل الكفاحي في قطاع غزة والضفة الغربية، والخارج، مع تركيز خاص على الساحة اللبنانية، عقب دخولها دائرة الاشتباك ضمن معادلة الإسناد التي دشَّنتها المقاومة اللبنانية وبمشاركة مباشرة من المقاومة الفلسطينية على خطوط القتال في الجنوب اللبناني.

وفق هذا التوجه، خرج أول استشهاديِّي الضفة الغربية في سياق طوفان الأقصى في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عندما نفَّذ الشهيد خالد المحتسب عملية اشتباك مسلَّح مع نقطة للشرطة الإسرائيلية قرب باب الساهرة وسط القدس المحتلة، بالتزامن مع خطاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في الكنيست، ما أسفر عن إصابة شرطيَّين إسرائيليَّين.
تبنت الجبهة الشعبية عملية المحتسب، وأكدت أنها التحام مباشر مع مقاومِي غزة وهم يخوضون معركة طوفان الأقصى، وردٌّ على الجرائم الإسرائيلية المتواصلة بحق أبناء الشعب الفلسطيني.
مهمة شاقة حملها قائد الدائرة العسكرية والأمنية، فالحفاظ على خطوط الاتصال بين ساحات المواجهة، وإدارة المشهد الكفاحي في لحظة بالغة التعقيد، وسط ملاحقة إسرائيلية لصيقة وعمل استخباراتي محموم، كان يتطلب جلداً استثنائياً وتضحية مضاعفة.
غير أن الرهان، كما تشير شهادات مقرَّبين، تجاوز فكرة عبور اللحظة فحسب، وصولاً لضمان استمرارية الفعل المقاوم بما يعكس قراءة عميقة للمرحلة، وحساسية ما يُراد أن تكون عليه المعركةُ في مسارها الطويل.
إدارة النيران
رأى قائد الدائرة العسكرية والأمنية في الجبهة، نضال عبد العال، أن المعركة لم تَعُد مجرَّد تبادل نيران، بل أصبحت اشتباكاً مفتوحاً على كسر المشاريع الإسرائيلية طويلة الأمد في قطاع غزة، ما يستدعي الانتقال إلى أنماط عملياتية تُمكِّن الكتائبَ من إدارة مواردها المحدودة والشحيحة، وبما يخدم القراءة السياسية – العسكرية للمخاطر الاستراتيجية التي يسعى جيش الاحتلال إلى تثبيتها بالقوة، حسبما قال لنا القيادي في كتائب الشهيد أبو علي مصطفى.
أعادت الكتائب قراءة المعطيات الميدانية، وأخضعت تقييمها وتوجيهاتها لخط التنسيق العسكري داخل الغرفة المشتركة، خاصةً مع كتائب القسام وسرايا القدس، وفي هذا السياق، عهدت كتائب الشهيد أبو علي مصطفى إلى نفسها مهمة الإسناد الناري قصير المدى، مستهدِفةً تحصينات الاحتلال وتجمعات آلياته، وفق إحداثيات عمل مشترك متعددة المستويات، تراعي التوقيت والتوزيع والتكامل الناري.

يوضح أحد قادة الغرفة المشتركة لـ متراس، أن الكتائب قدَّمت تصوراً جوهرياً يقضي بإعادة توزيع النيران القوسية في القطاع، على أساس أولوية استهداف مشاريع الاحتلال للبقاء طويل الأمد، فهذه المشاريع، حسب التشخيص، تُواجَه بتحويل مواقعها إلى كتلة نيران مستمرة، لا يُسمح للاحتلال فيها بالتقاط أنفاسه أو تثبيت أقدامه، وحظي هذا الطرح بإجماع فصائلي، أعيد على أساسه توجيه إحداثيات القصف المدفعي، مع التركيز على مواقع التمركز ورؤوس الجسور التي حاول جيش الاحتلال فرضها داخل القطاع.
اقرؤوا المزيد: حين تَغيّر مجرى التاريخ في خانيونس
وبالعودة إلى إعلانات الكتائب، يتضح أنها أعادت توجيه رشقاتها الصاروخية، إضافة إلى رمايات "الهاون" نحو "محور نيتساريم" في استهدافٍ مركزي، ضمن رمايات متعددة المستويات ومتفاوتة التوقيت، ما يخلق حالة استنزاف دائم لقوات الاحتلال، وقد نعت الكتائب مجموعة من مقاومِي وحدتها الصاروخية، الذين ارتقوا شهداء في أثناء تنفيذهم عمليات القصف المتواصل على المحور.
بالتوازي، برز موقف الجبهة الشعبية الصريح من الميناء الأمريكي العائم قبالة ساحل غزة، والذي عدَّته خطراً استراتيجياً يستهدف تهجير الشعب الفلسطيني، وأعقبه إعلان الجناح العسكري للجبهة قصف الميناء برشقات صاروخية، ما دفع الجيش الأمريكي إلى إعادة تقييم مخاطر الاستمرار في تشغيله.
تبيَّن لاحقاً أن هذا الميناء استُخدم في عمليات عدوانية، أبرزها العملية المركَّبة التي نفذها جيش الاحتلال في مخيم النصيرات وسط القطاع لاستعادة أربعة من أسراه، وأسفرت عن مئات الشهداء والجرحى الفلسطينيين، إضافة إلى مقتل ضابط في القوات الخاصة الإسرائيلية.
اقرؤوا المزيد: معركة الطوفان الغائبة.. من يملأ الفراغ الفكري والسياسي؟
وفق النسق ذاته، أدارت كتائب الشهيد أبو علي مصطفى رماياتها الصاروخية في اتجاه نقاط تمركُز جيش الاحتلال في محور صلاح الدين (فيلادلفيا)، وتعاملت بالمنطق نفسه مع تمركزه في "محور موراج" الفاصل بين مدينة رفح وبقية أراضي القطاع.
يقوم التصور المركزي لكتائب أبو علي مصطفى على قاعدة واضحة: تكثيف الرمايات على أهداف محددة يعظِّم أثرها، ولا هدف أكثر جوهرية من منع الاحتلال من التمركز والبقاء الآمن على أي بقعة من أرض القطاع.
نجحت الكتائب في تحويل هذا الطرح إلى استراتيجية متوافق عليها بين رفاق السلاح، ما جعل الرمايات الصاروخية المشتركة على "محور نيتساريم" وغرف القيادة والسيطرة نموذجاً ثابتاً، استمر حتى لحظة تفكيك الاحتلال للموقع وانسحابه منه، عقب اتفاق التهدئة في كانون الثاني/ يناير 2025، حسبما قال أحد قيادات كتائب أبو علي مصطفى لـ متراس.
وأضاف أن الحفاظ على استمرارية الرمايات الصاروخية ومفارز "الهاون" طوال هذه المدة شكَّل صدمة حقيقية لتقديرات جيش الاحتلال الاستخباراتية، التي افترضت نفاد قدرات المقاومة في خلال أشهر، إلا أن الواقع أثبت، وفق قوله، أن منظومات التصنيع العسكري لم تتوقف طوال حرب الإبادة، حتى في أشد الظروف تعقيداً وحساسية.
كان هذا النمط من "التنقيط الصاروخي"، كما يصفه، جوهرياً في إدامة الاشتباك، وفي وضع حدٍّ عمليٍّ لجملة من المشاريع والطموحات الإسرائيلية؛ بدءاً من مخططات التهجير عبر الميناء الأمريكي العائم، وليس انتهاءً بأحلام إعادة الاستيطان إلى قطاع غزة من بوابة "محور نيتساريم"، الذي سعت جماعات استيطانية إلى جعله نقطة الانطلاق الأولى، إلا أن تساقط النيران اليومي بدَّد هذه الأوهام، ودفع الاحتلال إلى تفكيك "نيتساريم" من جديد تحت ضربات المقاومة.
دم لم يُهدَر
منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة، اختارت الجبهة نمطاً صارماً من الكتمان والسرية، حتى في الإفصاح عن شهدائها ومواقعهم، وترتيبهم داخل البنية القيادية للكتائب، وفقاً لتقدير عملياتي وأمني مرتبط بطبيعة المعركة المفتوحة، واشتباكاً استخباراتياً مع الاحتلال، الساعي إلى تفكيك منظومة القيادة والسيطرة وقراءة خرائط التحرك داخل الجناح العسكري للجبهة.
لكن الاستهداف الإسرائيلي لم يقتصر على قطاع غزة حيث كان مركز الثقل في حرب الإبادة، فقد تجاوز الاحتلال، للمرة الأولى، قواعد الاشتباك في الساحة اللبنانية، ونفَّذ عملية اغتيال غادرة في قلب العاصمة بيروت، خارج الضاحية الجنوبية.
استهدف القصف شقة سكنية في منطقة الكولا، وأسفر عن استشهاد محمد عبد العال (نضال)، رأس القيادة العسكرية في الجبهة الشعبية ومسؤول دائرتها الأمنية والعسكرية وعضو مكتبها السياسي، برفقة القائد العسكري عماد عودة، والمقاوم عبد الرحمن عبد العال، في نهاية سبتمبر/ أيلول 2024.
اقرؤوا المزيد: على وقع الطوفان.. مخيمات لبنان تستعيد عافيتها
ادَّعى بيان جيش الاحتلال أن عبد العال "كان يقود جهود الجبهة الشعبية لتخطيط وتنفيذ عمليات ضد إسرائيل، ومسؤولاً عن توجيه النشاط في الضفة الغربية، والعمل على إنشاء بنى تحتية عسكرية".
إضافةً إلى ما سبق، أوضح قيادي في الجبهة الشعبية بلبنان لـ متراس، أن الشهيد نضال كان يُشرف أيضاً على تنفيذ قرار القيادة بنشر مقاومِي الجبهة على خطوط القتال في الجنوب اللبناني، للتصدي لأي تقدُّم إسرائيلي على الأراضي اللبنانية، إلى جانب متابعته المباشرة للفعل الكفاحي في قطاع غزة والضفة الغربية.
في هذا السياق، نعت الجبهة مجموعةً من مقاوميها الذين ارتقوا على خطوط المواجهة في الجنوب اللبناني، جنباً إلى جنب مع رفاق السلاح في المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، دفاعاً عن معادلة اشتباك مشتركة رُسِمَت بالدم، كما أفادت مصادر أن عددًا من مقاومِي الجبهة ما زالوا مفقودين في تلك الجبهة المفتوحة.

لم تتوقف آلة الاغتيال عند هذا الحد، ففي السابع من آب/ أغسطس 2025، عاودت طائرات الاحتلال تنفيذ استهداف غادر على الطريق بين سوريا ولبنان، طال القيادي البارز في الدائرة العسكرية والأمنية وعضو اللجنة المركزية العامة للجبهة محمد خليل وشاح (أبو خليل)، برفقة مساعدِه الشهيد مفيد حسين.
أما في قطاع غزة، فلم يكن المشهد أقل قسوة، فمع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ نعت الكتائب عشراتٍ من كوادرها الميدانيين الذين ارتقوا في خلال حرب الإبادة، من أعضاء في المجلس العسكري، وقادة في التخصصات المختلفة، من الإعلام الحربي والاستخبارات، إلى وحدات الدروع، وصولاً إلى الوحدة الصاروخية التي دفعت النصيب الأكبر من الدم، بحكم موقعها في قلب الاشتباك الناري المفتوح.
اقرؤوا المزيد: تفخيخٌ وتسميم.. هل الاغتيال أداة فعّالة لـ "إسرائيل"؟
من جهة أخرى، خاضت الكتائب معركة أمنية معقَّدة مع الاحتلال، الذي عمل ليلاً ونهاراً للوصول إلى "معلومات ذهبية" تتعلق بملف الأسرى في قطاع غزة، وكانت من أبرز محطات هذه المعركة محاولة اختطاف القيادي في الكتائب داود خلف، على يد قوة إسرائيلية خاصة وبمساعدة مجموعة من العملاء، قبل أن تتحول العملية إلى تصد واشتباك وانتهت باغتيال الشهيد داود.
وفق مصادر في الجبهة الشعبية، فإن العملية الأمنية التي استهدفت عضو المجلس العسكري في كتائب الشهيد أبو علي مصطفى كانت تهدف أساساً إلى الحصول على معلومات عن آخر الجثامين التي كانت بعهدة الكتائب، وقدَّرت الاستخبارات الإسرائيلية إمكانية انتزاع هذه المعلومة بالقوة.
تمكنت المقاومة من كشف هذا النمط مبكراً، وفرضت اتخاذَ إجراءات أمنية أكثر حساسية، كان لها دور حاسم في إفشال محاولات لاحقة سيُكشف عن تفاصيلها في الوقت المناسب.
ختاماً، لم تكن مشاركة كتائب أبو علي مصطفى في معركة طوفان الأقصى حضوراً عابراً في مشهد حرب مفتوحة، ولا مساهمة رمزية تُستدعى عند الحاجة إلى الخطاب، بل فعلاً مركزياً داخل معركة وجودية، من هنا، لم يُقَس الفعل المقاوم بعدد الضربات، بل بقدرته على منع الاحتلال من تحويل الإبادة إلى مسار سياسي دائم، وإلى واقع قابل للتطبيع والاعتياد.
أما الدم الذي دُفِع في هذه المعركة فلم يكن دماً مُهدراً، بل دماً فاعلاً في الميدان، وحاجزاً أمام إعادة إنتاج الاستيطان، وتمرير التهجير، وفرض تمركز طويل الأمد.