28 يناير 2026

حين أكل الدود اتفاق الخليل

حين أكل الدود اتفاق الخليل

لا يمرّ الليل بسلامٍ في الأحياء الجنوبية لمدينة الخليل منذ نحو ثلاثين عاماً، إذ تتجدّد، بين الحين والآخر، الخلافات العائلية الثأرية كأنها إرثٌ ثقيل لا يزول. ومع مطلع الشهر الأخير من عام 2025، تصاعدت الجرائم بصورة غير مسبوقة، حتى بات السكان يبيتون لياليهم على وقع إحراق المحلات، ويستيقظون صباحاً على أصوات الرصاص المتطاير متجاوزاً المسافات بين جبل جوهر ودوار المختار والمنطقة الصناعية.

هذا المشهد ليس استثناءً، بل حالة متكرّرة لا تغيب إلا لمددٍ قليلةٍ ثم تعود بصورةٍ أعنف، وما زالت ملازمة للسكّان منذ تقسيم الخليل عام 1997 إلى منطقتين: "H1-H2". فبحسب الاتفاق، كانت غالبية المنطقة الجنوبية مدرجة ضمن نطاق "H1"، أي أنها خاضعةٌ للسيطرة الأمنية الفلسطينية، غير أنّ الاحتلال، بعد انتفاضة الأقصى في عام 2000، فرض أمراً واقعاً تمثّلَ في توسيع حدود منطقة "H2" من دون إعلان رسمي، وفق ما أفاد به رئيس نادي الندوة في الخليل، أحمد الحرباوي، في حديثه لـ "متراس".

اتفاق الخليل المفقود

فجر العشرين من كانون الثاني/يناير 2026، تجهّز الحاج عبد العجلوني للتوجّه من منزله إلى مستشفى محمد علي المحتسب لإجراء فحوصاته الدورية، غير أنّ المفاجأة أنه مُنِعَ من مغادرة المنزل، بعدما تحوّلت منطقته خلال ساعات إلى منطقة عسكرية مغلقة. وفي التوقيت ذاته، أصدر جيش الاحتلال، بالاشتراك مع جهاز "الشاباك"، بياناً أعلن فيه بدء عدوان على المنطقة الجنوبية، ولا سيما "جبل جوهر"، بذريعة "القضاء على الإرهاب".

يقول العجلوني إنّه "لا يفهم معنى الإرهاب الذي يردّده جيش الاحتلال، ولا يريد أن يفهمه أصلاً". فما كان يطلبه في تلك اللحظة بسيطٌ للغاية: الوصول إلى المستشفى. غير أنّ الوصول إلى المستشفى بات مشروطاً بالتنسيق عبر الهلال الأحمر والارتباط الفلسطيني مع الإدارة المدنية للاحتلال، وهكذا تطير ساعات طويلة قبل الموافقة الإسرائيلية على الخروج من باب المنزل.

اقرؤوا المزيد: كيف يفرش الكنيست البساط للمستوطن في الضفة؟ 

مضت اثنتا عشرة ساعة كاملة قبل أن يُنقَل العجلوني إلى مستشفى المحتسب، رغم أنه لا يبعد عن منزله سوى خمسمئة متر، وهي مسافةٌ يمكن قطعها في دقائق. وحين ظنّ أنّ الطريق فُتح أخيراً، صدمه مشهد الحاجز: "بوّابة صفراء" جديدة لا تُفتح دون تنسيق مسبق بذات الطريقة.

يوضح العجلوني أنه واجه أحد جنود الاحتلال على الحاجز بأن "ما يجري هو عقابٌ جماعي يخالف اتفاق الخليل، وإنهم (الإسرائيليون) يعرفون مطلقي النار ويزودونهم بالسلاح"، فردّ الجندي عليه ساخراً: "إحنا اللي بنحكم هون وبنقرر المسموح والممنوع". ويضيف العجلوني: "اتفاق الخليل أكله الدود.. ما حدا شايف منه إشي إلا المصايب".

لا تتجاوز مساحة "المنطقة الجنوبية" كيلومترين مربعين، ويسكنها أكثر من 40 ألف فلسطيني، وقد حاصرها الاحتلال بذريعة البحث عن مسلّحين من العائلات المتنازعة بين بعضها البعض. وهؤلاء المسلّحون ليسوا طارئين على المنطقة، فهم موجودون فيها منذ سنوات، وقد تسلّحوا تحت رعاية قوات الاحتلال، ولا يستخدمون سلاحهم إلا في ما بينهم.

اقرؤوا المزيد: سجن الضفّة المركزيّ، فرع الخليل

صحيح أنّ المنطقة شهدت، خلال الشهرين الماضيين، نزاعاتٍ مسلّحة بين أطراف عائلية، واتُّخذ سلاح هذا النزاع ذريعةً لفرض الحصار، غير أنّ جذور المشهد أعمق من ذلك، كما يوضح الحاج فايز الرجبي، وجيه عائلة الرجبي.

ويلخّص الرجبي المشهد بقوله: "هناك بيئةٌ نشأ فيها المسلّحون على التهريب والسلاح والمخدّرات، تحت نظر الاحتلال ورقابته، وبالتوازي مع تقاعس الأجهزة الأمنية الفلسطينية، التي تقول إنّ الاحتلال يمنعها من فرض الأمن. أمّا الجذر الأبعد، فيكمن في توقيع منظمة التحرير على اتفاقٍ أبقى المنطقة تحت سيطرة الاحتلال، لتظلّ الأرض رهينة، ويتغذّى النزاع فيها على الفراغ الأمني المزمن".

بذلك، تحوّلت المنطقة المصنّفة "H2" في الخليل إلى مختبرٍ لتجارب "البيئة الطاردة"، إذ تنتشر فيها كلّ الممنوعات، رغم محاولات السكّان تجاوز هذه الأزمة، إلا أن ذلك تمّ تحت رقابة الاحتلال، وبالتوازي مع تراخٍ من السلطة الفلسطينية.

لماذا لم تطُل العملية العسكرية؟

ورغم إعلان الاحتلال أنّ عمليته العسكرية ستستمر سبعة أيام وربما تمتدّ، فإن العملية توقّفت بعد أربعة أيام فقط من بدايتها، بعدما اعتقل جيش الاحتلال وجهاء العائلات من منازلهم في المنطقة الجنوبية، ونقلهم إلى مقر الإدارة المدنية قرب مستوطنة "كريات أربع"، حيث التقى بهم ضابطٌ قدم نفسه باسم "كابتن مجدي"، وخيرهم بين "فرض الأمن أو بتصيروا مثل جنين".

تعامل الاحتلال مع المنطقة على أن الحاكم الفعلي فيها هو "كابتن مجدي"، الذي يعتقل رجال العشائر ويجتمع بهم في مقر الإدارة المدنية، ثم في مرّة أخرى، يحتجزهم في ديوان إحدى العائلات، ويكرّر الرسائل ذاتها. وحتى على صفحته في فيسبوك، ينشر دعواتٍ موجّهة للعائلات المتنازعة بين بعضها البعض للالتزام بوقف إطلاق النار، في مشهد يكرّس سلطته كمرجع وحيد يفرض قواعد العيش في المنطقة الجنوبية.

وفي رواية الحاج فايز، تبدو المنطقة الجنوبية كأرضٍ خصبةٍ زرع فيها الاحتلال بذور الفلتان، وسقاها بمائه عبر استغلال أطرافٍ متعاونةٍ معه. وما إن اشتدّت هذه البذور وتحولت إلى أزمة، حتى عاد الاحتلال ليعاقب السكان على ما صنعه هو في تربتهم، وكأنّ ما يجري من فعل أيديهم، بينما الحقيقة أنه من صنيعة يده وسلطته.

اقرؤوا المزيد: الردّ القادم من الجنوب: كيف شاركت الخليل في الطوفان؟

أما السلطة الفلسطينية فقد أظهرت محاولاتٍ محدودة لحل هذه النزاعات، وكان أبرزها اجتماعٌ عقده محافظ الخليل خالد دودين في الثلاثين من كانون الأول/ديسمبر 2025، حيث جمع أفراد العائلتين المتنازعتين، وأجرى بينهم صلحاً مكتوباً والتقطوا صوراً تذكارية. غير أنّ أثر هذا الصلح سرعان ما تلاشى مع تجدد إطلاق النار بعد ساعات من التوقيع.

ويلوم رجال العشائر في محافظة الخليل المؤسسة الرسمية الفلسطينية، ويقولون إنها "بدل ممارسة دورها التنفيذي في ملاحقة مطلقي النار والخارجين عن القانون، تلعب دور رجال الإصلاح، فتجلس معهم للحلّ والصلح، في مشهدٍ يعكس ما آلت إليه أوضاع المؤسسة الرسمية بالتراجع إلى الوراء".

أما القوى الوطنية في الخليل فتبدو خطواتها باردةً إلى حدّ الجمود، إذ لا يُرى أثرها على الإطلاق، فلا وجود أصلاً للقوى الوطنية في الخليل، سوى اسمها، إذ لم تتكلّف أن تصدر بياناً يدين ما جرى ويجري في الخليل.

ضم الخليل

ولا تُعدُّ الأحداث في المنطقة الجنوبية بالخليل ضمّاً فحسب، بل إلغاءً كلّياً لاتفاقية الخليل، لتتحول المدينة إلى جزرٍ تفصلها بواباتٌ صفراء، إذ أقام الاحتلال خلال الحصار الأخير بوّابتين تفصلان الأحياء والطرقات، وعندما أنهى حصاره، لم يُزل البوّابات، بل باتت أمراً واقعاً في حياة السكّان الذين يرون أنّ العملية العسكرية القصيرة كتبت فصلاً جديداً في حياتهم القادمة.

ولا يمكن فصل هذه البوابات عن ما جرى قبل ستة أشهر، عندما أقام الاحتلال في قلب المنطقة الجنوبية بؤرة استيطانية على أرضٍ بمحاذاة مدرسة ياسر عمرو للبنات في جبل الرحمة. وجاءت هذه البؤرة امتداداً للبؤر الموجودة داخل المدينة القديمة، ولا تدخل عملياً ضمن حدود  "H2" وفق اتفاقية الخليل، لكنّها في الواقع أُدرجت ضمن "H2" المعدّل.

ولأجل حماية بؤرة صغيرة يسكنها مستوطنون بمحاذاة الأحياء الفلسطينية، نصب الاحتلال حاجزاً عسكرياً على مكعّب إسمنتي، يتمركز عنده جنديٌ دائماً، يغلق البوابة متى شاء، ويوقف الطالبات الصغيرات في طريقهن إلى مدرسة "ياسر عمرو"، ويمنع مرور مركبات المعلّمات في بعض الأحيان.

اقرؤوا المزيد: الضّمُ الصامت: كلُّ الطرق تؤدي إلى تل أبيب!

هكذا يزداد الاستيطان تموضعاً في قلب الخليل، فيما تفصل البوّابات الحديدية أحياءها القديمة الممتدة جنوباً، والتي تقع ضمن إطار المدينة ومخطط بلديتها الهيكلي، وليس كما يحدث عند أطراف المدن أو مداخل القرى ومخارجها.

ويختصر الفلسطينيون في الخليل أزمة المنطقة الجنوبية في كلمتين: "اتفاق الخليل". ذلك الاتفاق الذي أغفل المفاوض الفلسطيني فيه أجزاءً تاريخية من المدينة، فلم تُدرج ضمن حدودها الفلسطينية. والمفارقة أنّ الأجهزة الأمنية نفسها، التي تقول إنها ممنوعة من فرض الأمن، استطاعت في حزيران/يونيو 2021 اقتحام المنطقة الجنوبية واغتيال الناشط السياسي المعارض نزار بنات عبر عناصر بلباس ومركبات مدنية، لتبقى الخليل أسيرة اتفاق يفتح الباب للفلتان ويغلقه أمام السيادة، بحيث لا يبقى منه سوى اسمه.

اقرؤوا المزيد: الضّم: "إسرائيل" تُهندس الأرض، السُّلطة تُهندس الصمت

اقرؤوا المزيد: "سيرة مختصرة لسلطة لم تعد لها أي حاجة".

يُذكر أن تفاهمات السلطة الفلسطينية مع الاحتلال في ما عرف بـ"خارطة الطريق 2003" تُعدُ مرحلة مفصلية في تاريخ اتفاق الخليل، إذ أعادت رسم طريق الوصول إلى المدينة، فتغيّرت حينها تفاصيل الاتفاق دون أن يعلم أهالي المدينة شيئاً عن هذه التعديلات. ومع مرور الوقت، اتسع نطاق سيطرة الاحتلال الأمنية في "H2" تدريجياً حتى باتت تلتهم ما لا يقل عن 40% من مساحة المدينة، وفق تقديرات غير رسمية، وسط غياب أي تقديرات رسمية.

ويرى أحمد الحرباوي أن الاحتلال يسعى إلى جعل المنطقة الجنوبية شبيهة بالتجمعات العربية في الداخل المحتل، حيث ترتفع نسبة الجريمة كما هو الحال في اللد، على سبيل المثال. "فالاحتلال لا يكتفي بإلغاء اتفاق الخليل فحسب، بل يستنسخ تجارب جديدة تعزز حالة الاقتتال الداخلي الفلسطيني، بما يخدم أمن المستوطنين".

ويؤكد الحرباوي أن إسرائيل "لا تتحرك على الأرض وفق البروتوكولات، بل تحمل على أكتافها نظاماً استعمارياً تسقطه حيثما أرادت في أراضي الضفة (...) وإذا تهيأ لها الظرف لتطبيق وقائع جديدة على الأرض، ستفعلها، كما وسّعت سابقاً حدود H2، فلن يكون مستغرباً أن توسّعها مجدداً". وحينها، ماذا سيبقى من الخليل تحت السيادة الفلسطينية؟ ربما واقع الحال يجيب عن السؤال، ويغني عن المقال.