قبل حرب الإبادة، كنا نستيقظ في غزة على صوت الرجل الذي يجوب الشوارع بعربة يجرها حمار، ينادي: "اللي عنده بلاستيك، خردة للبيع"، كان نداؤه جزءاً من إيقاع المدينة، فقد كان كثيرون يفصلون البلاستيك في بيوتهم، ويفرزون القطع الكبيرة منه مثل الأكواب والصحون والألعاب والأجهزة البلاستيكية، منتظرين مروره ليأخذ ما أعدوه له.
ذلك الصوت لم يكن ضجيجاً عابراً، أو مجرد وسيلة للرزق فحسب، بل علامة على مدينة تحاول - رغم الحصار - أن تحافظ على حد أدنى من النظام البيئي والوعي الجمعي. رجل بسيط واحد، بعربة متهالكة أحياناً، كان حلقة في سلسلة حياة كاملة: فصلٌ في البيوت، جمعٌ في الشوارع، وإعادة استخدام تحمي الأرض والناس.
أما اليوم، فقد غاب الصوت، وتكسرت السلسلة، وبقي البلاستيك في مكانه، بل تحول إلى سم يتسرب ببطء إلى الهواء والماء وأجساد الناس، الإبادة هنا لا تدمر الحجر فقط، بل تعيد تشكيل علاقة المجتمع بالمادة، وتنتج بيئة جديدة: ملوَّثة ومفروضة، لا خيار فيها.
البلاستيك وقوداً للحياة
فمع انهيار إمدادات الوقود والكهرباء منذ اليوم الأول لحرب الإبادة، تحوّل الوقود إلى حلمٍ بعيد المنال لكل غزي، ووجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم أمام حاجة قاسية لا يمكن تأجيلها، ما دفع بعضهم، بعد أشهر من استمرار الإبادة، إلى البحث عن بدائل اضطرارية، كان أخطرها حرق البلاستيك للطهو والتدفئة.
عملية تحويل البلاستيك إلى وقود تمر بمراحل متتابعة تبدأ بجمع البلاستيك من مناطق مختلفة وفرزه حسب النوع، رغم صعوبة ذلك في ظل الإبادة وشح الموارد، ثم تقطيعه إلى أجزاء صغيرة تدخل فرنا حديديا خاصا يُسخَّن إلى درجات حرارة عالية تتراوح بين 400 و600 درجة مئوية فيما يعرف بـ "طبخ البلاستيك".

يتحول البلاستيك تدريجياً إلى مادة سائلة ثم يتبخر داخل أنابيب ليصبح غازاً يُنقل إلى نظام تبريد مغمور بالمياه، فيتكثف من جديد ويعود إلى حالته السائلة ليُستَخلَص منه في النهاية وقود الديزل، في حين تبقى شحومٌ ثقيلةٌ يُعاد تكريرها داخل الفرن نفسه عبر تكرار العملية الحرارية حتى تصل نسبة النقاء إلى نحو 80%، هذه العملية بأكملها تستغرق من ثماني إلى عشر ساعات تبعاً لكمية البلاستيك ونوعيته.
اقرؤوا المزيد: أين تخفي "إسرائيل" ركام غزة؟
لم يقتصر حرق البلاستيك على إنتاج الوقود أو من خلال الأفران الطينية فقط، بل امتد إلى داخل مخيمات النزوح نفسها، إذ يضطر المواطنون إلى استخدام البلاستيك والورق والنفايات المماثلة للطهو والتدفئة في أماكن ضيقة تفتقر إلى أبسط شروط التهوية، هذا السلوك القسري يعرض النساء والأطفال بشكل خاص للمخاطر، لا سيما أن النساء هن من يجلسن أمام أفران الطين للطهو ويلتف الأطفال حولهن بشكل متكرر.
سموم في كل مكان
مخاطر حرق البلاستيك كثيرةٌ ومتعددةٌ، فهذا الحرق في المناطق المفتوحة يُعدُّ عملية عالية السمية تؤدي إلى انبعاث دخانٍ كثيفٍ وأبخرةٍ سامة داخل الخيام، حيث التهوية شبه معدومة، فيتراكم الدخان في صدور النازحين، خاصة الأطفال منهم والنساء وكبار السن.
وحذرت وزارة الصحة في غزة من أن هذه الانبعاثات تمثل خطراً مباشراً على الصحة العامة، إذ تتحول الخيام من ملاذ مؤقت إلى بؤر تلوث خانقة، يعيش فيها الناس تحت تهديد المرض إلى جانب القصف والجوع، في واحدة من أكثر صور الإبادة قسوةً وتراكباً.

المرض هنا لا يأتي كحادثة مفاجئة، بل تراكمٌ صامتٌ يزرع أثره على المدى الطويل، وتؤكد الدراسات البيئية أن حرق البلاستيك في البيئات السكنية المفتوحة يشكل مصدراً رئيسياً لانبعاثات الملوثات الهوائية، إذ يمكن أن يسهم بما يقارب 30% من الكربون العضوي، ونحو ربع الكربون الأسود والجسيمات الدقيقة (PM2.5)، إضافة إلى انبعاثاتٍ من ثاني أكسيد الكربون، وهي ملوثاتٌ معروفةٌ بقدرتها على اختراق الجهاز التنفسي والتراكم في الرئتين.
وفي سياقاتٍ تعاني غياب جمع النفايات، كما هو الحال في غزة، يصبح هذا النوع من الحرق مصدراً خفياً لكنه واسع التأثير للتلوث الهوائي، يضاعف المخاطر الصحية ويحوّل الخيام إلى فضاءاتٍ خانقةٍ يتراكم فيها المرض ببطء مع كل وجبة تُطهى وكل ليلة يُشعل فيها البلاستيك طلباً للدفء.
اقرؤوا المزيد: جيش الإبادة يحافظ على البيئة بتقليل استخدام البلاستيك!
ولا يقف الخطر عند حدود الغازات والدخان، فعملية الحرق نفسها تسرع تفكك البلاستيك وتحوله إلى جزيئاتٍ بلاستيكيةٍ دقيقةٍ ونانوية، أثناء الاحتراق، يذوب البلاستيك ثم يحترق ويترسّب على الأسطح المحيطة، ومع التبريد والتقشر يتفتت إلى شظايا مجهرية لا تُرى بالعين المجردة.

وأظهرت التحاليل المجهرية والطيفية أن هذه الشظايا تحمل الخصائص الكيميائية للبلاستيك الأصلي، ما يعني أنها تظل فعالة بيئياً وسامة حيوياً، هذه الجزيئات الدقيقة تظل معلقة في الهواء أو تترسب على الفرش والملابس والطعام، لتتحول الخيام إلى بؤر تراكمٍ مزمن للميكروبلاستيك، يُستنشق مع كل نفس ويتداخل مع أنسجة الرئة على المدى الطويل، مضيفاً طبقة خفية جديدة من التلوث لا تقل خطورة عن الدخان المرئي نفسه.
ويلعب القصف دوراً مركزياً في تحويل البلاستيك إلى خطر بيئي واسع النطاق، فتدمير البيوت والمتاجر والمصانع والمخازن لا يخلف ركاماً إسمنتياً فقط، بل كمياتٍ هائلةً من المواد البلاستيكية المحطمة والمحرقة: أنابيب، أسلاك، عوازل، أثاث، أدوات كهربائية، هذه البقايا، تحت الشمس والاحتكاك والتفتت، تتحول تدريجياً إلى ميكروبلاستيك: جسيمات دقيقة تتسلل إلى التربة والمياه والغذاء.
امتدادٌ للإبادة
وفي ظل انهيار منظومة إدارة النفايات، يتراكم البلاستيك في الشوارع، وحول الخيام، وفي الأراضي الزراعية، لا جمع منتظماً، ولا مكبات آمنة، والكثير من المكبات العشوائية تنتشر حول خيام النازحين وتجمعاتهم، وحتى المساعدات الإنسانية التي تهدف إلى إنقاذ الأرواح تدخل في هذه الحلقة القاسية، فكل عبوة غذاءٍ أو ماءٍ تصل مغلفة بالبلاستيك، ثم تتحول سريعاً إلى نفايةٍ بلا مخرج أو مدخل من مدخلات عملية حرق البلاستيك لإنتاج الوقود.
ويُعدُّ الأطفال الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ ينشؤون في بيئةٍ مشبعةٍ بالبلاستيك المحترق، يلعبون قرب نفاياته، ويشربون من عبوات أُعيد استخدامها عشرات المرات، وتتعرض أجسادهم الصغيرة لجرعات مزمنة من الملوثات، في زمنٍ دُمِّرت فيه المختبرات وغابت كل أدوات الرصد والعلاج.

البلاستيك هنا لا يحيط بالطفولة فقط، بل يدخل في تكوينها البيولوجي، فالإبادة، بهذا المعنى، تعمل كمصنع مفتوح لإنتاج التلوث البلاستيكي، إذ إن كل قذيفةٍ وخيمةٍ وعبوةٍ تضيف طبقة جديدة إلى هذا الإرث السام، وحتى بعد توقف القصف، يبقى البلاستيك في التربة والمياه الجوفية والسلسلة الغذائية، وحتى في طعام النازحين وأجسادهم النحيلة.
اقرؤوا المزيد: القصفُ على غزّة: التربة تموت أيضاً!
هو أثرٌ لا يختفي بانتهاء الحرب، المفارقة هنا أن جيش الاحتلال نفسه، في سياقٍ أوسع من الخطاب البيئي، أعلن مسبقاً عن محاولات لتقليل استخدام البلاستيك بين جنوده عبر استبدال الأدوات البلاستيكية المعدَّة للاستخدام الواحد بأخرى يمكن إعادة استخدامها للتخفيف من "الأثر البيئي"، في تعدٍّ واضحٍ على البيئة واستخفافٍ بالعالم وقوانينه، وهو توجهٌ يتناقض مع حجم الدمار البيئي الذي خلفه في غزة، إذ لم تسلم البنى التحتية ومصادر إنقاذ البيئة من هذه الإبادة، ولا توجد تقاليد لإدارة النفايات البلاستيكية ولا بدائل آمنة في ظل الحرب والحصار.
وخلاصة القول، إن الحديث عن إعادة إعمار غزة من دون التطرق إلى ملف البلاستيك هو إنكارٌ لنصف الحقيقة، فالركام ليس مجرد مسألة هندسية، بل كيميائية وبيئية، إذ إن البلاستيك المتراكم يتطلب خطط إدارة ومعالجة، لا دَفناً عشوائيا أو تجاهلا، بغير ذلك، ستُبنى البيوت فوق تربة ملوّثة، وسيعيش الناس في مدينة تحمل سموم حربها داخلها.