يعلو جبل "الجمجمة" بين قمم جبال جنوب الضفة الغربية، يطلّ على الوديان في أرجاء محافظة الخليل ومدينة حلحول، وعلى سفح الجبل، تتمدد بؤرة استيطانية تُدعى "معالوت حلحول"، تبدو من بعيد كأنها "كيباه" تغطي رأس مستوطنٍ، تتراصّ فيها الكرفانات المعدنية في شكل لا يشبه وجه الأرض.
وسط هذا التشوّه، ثمّة معلمٌ وحيدٌ ثابت يحاكي جذور الأرض: منزلٌ قديم لوليد مرعب، كما لو أنه جزء من صخر الجبل، يتوسّطه منذ نحو نصف قرن، أي قبل أن يُخلق المستوطنون الذين ما انفكُّوا يهاجمونه.
في صدر الجبل، يتجدّد المشهد بشكل شبه يومي: مستوطنون يطوّقون منزل وليد مرعب، يكسّرون النوافذ ومركبة العائلة، يملؤون الأجواء بصراخٍ بذيء، ويهدّدون بالسلاح، وينفذون اعتداءات جسدية، غير أن حدثاً غير مسبوق في الضفة الغربية عموماً تعرض له وليد في تموز/ يوليو الماضي، عندما أبعدته شرطة الاحتلال عن منزله ومدينته حلحول.
يقدّم هذا المقال قراءة متكاملة لمشهد قانوني آخذ في التشكّل داخل الضفة الغربية، إذ تتكشّف ملامح مشروع إسرائيلي يُعيد تشكيل العلاقة بين الفلسطيني والاحتلال، ليس باعتبارها علاقة بين خاضع وسلطة عسكرية مؤقتة، بل علاقة بين "مواطن مُستهدف" و"نظام قانوني استيطاني دائم".
الشرطة بديلاً للجيش
يستند الاحتلال في قرار إبعاد وليد مرعب عن منزله ومدينة حلحول - التي يُفترض أنها "خاضعة للسيادة الفلسطينية" - إلى مشروع قانونٍ لم يُقرّ نهائياً بعد، قدّمه عضو الكنيست أوهاد طال، رئيس كتلة الصهيونية الدينية، في الثامن عشر من آذار/ مارس الماضي.
ينصّ المشروع على فرض "السيادة الإسرائيلية" على كامل أراضي الضفة الغربية المحتلة، في خطوةٍ تُحوّل الاحتلال من واقعٍ عسكري مؤقّت - بحسب القانون الدولي - إلى ضمٍّ فعليّ مغلّفٍ بلغة القانون المدني، ليصبح الإبعاد عن بيتٍ في حلحول امتداداً لتشريعٍ يُراد له أن يبتلع الجغرافيا كلّها.
يقول مرعب: "في شهر تموز اللي فات، سلمتني الشرطة الإسرائيلية قراراً بإبعادي عن حلحول لمدة 15 يوماً، واضطريت أدفع غرامة ألف شيكل، بس القصة ما وقفت هون (...) منعوني من الإبعاد إلى قرية من حلحول، وحدّدوا لي مدينة الخليل، أو بيت لحم، أو رام الله فقط للإبعاد"، يضيف: "إذا طلعت عن هاي الرقعة، بدفع غرامة خمس آلاف شيكل، وفوقها بضيفوا على الإبعاد ست شهور زيادة".
لم يكن ذلك سهلاً على مرعب، لكن كان هناك ما هو أصعب، فـ "أفراد عيلتي انحطّوا تحت الحبس المنزلي، صار البيت اللي كنا نحتمي فيه مثل السجن، كان أكثر شيء مقلق، إنه يصير هذا أمر واقع دائم، أو يرجع يتكرر".
اقرؤوا المزيد: سجن الضفّة المركزيّ، فرع الخليل
ذلك مشهد شائع في القدس المحتلّة، حيث يعتاد المقدسيون قرارات الإبعاد تحت ذرائع أمنية، لكن حين يتكرّر في الضفة الغربية، فإن الأمر يحمل رسائل سياسية ثقيلة الوطأة قد لا يشعر بها سوى من جرّبها، فاقتياد مرعب إلى مركز شرطة الاحتلال داخل مستوطنة "بيتار عيليت" جنوب بيت لحم، ليُبلَّغ بقرار إبعاده عن مدينة كاملة يفترض أنها "خاضعة للسيادة الفلسطينية"، بتهمة "الاعتداء على مواطنٍ إسرائيلي" يعني أن "السيادة الإسرائيلية" بسطت عملياً.
والمفارقة الفادحة أن هذا "المواطن الإسرائيلي" ليس سوى مستوطنٍ يحتلّ أرض مرعب وأراضي جيرانه، وكان هو من هاجمه عند مدخل منزله، وهكذا، ينقلب المشهد رأساً على عقب: الضحية يُعاقَب لأنه دافع عن نفسه، والمُعتدي يُكافأ من سلطة القانون، القانون الذي صيغ على مقاسه.
وإن كان ما حدث مع مرعب يُعدّ سابقة في الضفة الغربية، فإنه يكشف بوضوح تسرّب القانون المدني إلى قلب الأراضي المحتلة، فمظلّة هذا القانون لم تعد تقتصر على المستوطنات - التي تُعدّ أصلاً غير شرعية وفق القانون الدولي - بل تمدّدت لتغطي الفلسطينيين أنفسهم، ولكن على نحوٍ أحاديٍ قسري لا يعرف من العدالة سوى وجهها العقابي.
فشرطة الاحتلال تمارس سلطتها حين يتعلّق الأمر بالاعتقال أو العقوبة، لكنها تغيب تماماً حين يُطلب منها "التدخل للحماية" كما جرى مع مرعب حين طلبهم يوم اعتدى عليه المستوطنون، وهكذا يتكشّف جوهر مشروع الضمّ القادم: قانونٌ يُطبَّق على الفلسطينيين كقيدٍ، وعلى المستوطنين كدرعٍ.
في قبضة المستوطنين
سبقت حادثة عائلة مرعب واقعةٌ مشابهة في نيسان/ أبريل الماضي، حين أبعدت سلطات الاحتلال عن الحرم الإبراهيمي في الخليل اثنين من سدنته، ومديره معتز أبو سنينة، لمدة أربعة عشر يوماً، بعد تحقيقٍ أُجري معهم داخل مركز شرطة الاحتلال في مستوطنة "تيلم" غرب الخليل.
كان ذلك خروجاً عن النمط المتبّع إسرائيلياً، إذ جرت العادة أن تُجرى هذه التحقيقات في مركز توقيف "عتصيون" شمال الخليل التابع لجيش الاحتلال، وفيها تجرى تحقيقات من قبل جهاز المخابرات "الشاباك"، لكنّ نقل الاستدعاء إلى مركز شرطةٍ إسرائيلي مدنيّ للمستوطنين لم يكن تفصيلاً إجرائياً، بل تحوّلاً في طبيعة التعامل القانوني، إذ تحوّل التحقيق إلى تهديدٍ صريحٍ فيه أوامر إبعادٍ وغرامات مالية، في مشهدٍ يُعيد رسم حدود النفوذ الإسرائيلي داخل الضفة، ليس من حيث السيطرة الأمنية فحسب، بل القانونية أيضاً.
ما جرى مع العاملين في الحرم الإبراهيمي، يستند إلى مشروع قانون آخر لم يقرّ نهائياً في الكنيست، لكنه أُقرّ بالقراءة الأولى بتاريخ 10 تموز/ يوليو 2024، يقضي بـ "نقل صلاحية الإشراف على المواقع الأثرية في الضفة الغربية إلى سلطة الآثار الإسرائيلية، بدلاً من وحدة ضابط الآثار التابعة للإدارة المدنية في الجيش".
اقرؤوا المزيد: حارة بسبعة حواجز!
ويُدرج الحرم الإبراهيمي ضمن هذه المواقع، باعتباره مسجلاً منذ عام 1967 في قائمة التراث اليهودي، ما يجعله وفق التشريعات الإسرائيلية من ممتلكات الدولة، وقد عززت حكومة الاحتلال هذا التصنيف في شباط/ فبراير 2010 حين أعلنت المسجد الإبراهيمي موقعاً من مواقع التراث القومي اليهودي، وهنا تعاملت "إسرائيل" مع العاملين في الحرم، وكأنهم يعملون تحت سلطتها.
امتدت هذه الظاهرة لتشمل الحرم الإبراهيمي ذاته، الذي بات يخضع هو ومحيطه لسلطة مجلس مستوطنات الخليل، الخاضع بدوره لأحكام القانون المدني الإسرائيلي، ففي محيط الحرم أحياء فلسطينية، هي: تل الرميدة، شارع الشهداء، واد الحصين، واد الغروس، حارة جابر، حارة السلايمة، إلى جانب أحياء صغيرة وأزقة في البلدة القديمة يسكنها نحو أربعة آلاف فلسطيني.
وعلى الشقّ الآخر مئات المستوطنين يحيطون بهذه الأحياء، موزّعين على خمس بؤر، هي: "بيت رومانو"، "بيت يشاي - تل الرميدة"، "إبراهيم أفينو"، "بيت هداسا"، إلى جانب بؤرة جديدة في منطقة جبل الرحمة، وترتبط كلّ هذه البؤر بمستوطنتهم الأم "كريات أربع".
وبشكل متكرر تسعى سلطات الاحتلال إلى نزع صلاحيات الإشراف والعمل داخل الحرم الإبراهيمي وفي محيطه من بلدية الخليل، ولجنة إعمار الخليل ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية، لتُسلَّم تلك المهام إلى الجهات الاستيطانية في الخليل القديمة.
اقرؤوا المزيد: "رغافيم" معك في كلّ طوبةٍ تبنيها!
يبدو ذلك واضحاً حين يرى سكّان هذه المناطق، المستوطنين بين الفينة والأخرى يعملون على تركيب إضاءة في الطرقات، أو مركبات جمع النفايات تعمل أمام منزلهم في كلّ صباح، ثمّ في المساء تخرج آليات تعبيد الطرقات يقودها مستوطنٌ أمام منازل السكّان الأصليين.
هذا مشهد يعكس أمراً واحداً، هو سحب صلاحيات الفلسطينيين من مناطقهم، لأن بروتوكول إعادة الانتشار "اتفاق الخليل 1997" أشار إلى أن بلدية الخليل ولجنة الإعمار لهما صلاحيّة العمل الخدماتي في المناطق الفلسطينية، حتى في "المناطق الإسرائيلية"، ويقصد بها المستوطنات والمنازل التي استولى عليها المستوطنون في الأحياء الفلسطينية.
اقرؤوا المزيد: حياةٌ في شارع الشهداء..
يرتبط هذا التحوّل في إدارة الخدمات، بمشروع قانونٍ صدّق عليه الكنيست بالقراءة التمهيدية الأولى في أيار/ مايو الماضي، وينصّ على ضم مستوطنات الخليل إلى "سلطة تطوير النقب"، ضمن سلسلة مشاريع تُعرف بـ"قوانين الضم"، وبموجب هذا الإطار، تعامل "إسرائيل" مدينة الخليل وكأنها تحت سيادتها الكاملة، ما يتيح لها إصدار قرارات الإبعاد بحق سكان المناطق الفلسطينية، أو الاعتراف بالجهات الخدماتية الاستيطانية فقط.
وفي مشهد آخر غير مسبوق، صباح الثاني عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر، كان العشرات من عناصر أمن قوات الاحتلال يحيطون بعضو الكنيست عن حزب "الصهيونية الدينية"، تسفي سوكوت لحمايته خلال صعوده درجات الحرم الإبراهيمي في "القسم الإسلامي"، إذ اقتحمه في أثناء وجود المصلين المسلمين، ليضع رأسه في صحن "الغار الشريف" الذي يعتقد أن نبي الله إبراهيم مدفونٌ أسفله، ويؤدي طقوساً تلمودية في أوقات صلوات المسلمين.
المستوطن ذاته، تسفي سوكوت، وبعد يومين من اقتحامه للحرم، قدّم مشروع قانون يدعو إلى "فرض السيادة الكاملة على الحرم الإبراهيمي" خاصة في القسم الإسلامي الذي يسمّيه المستوطنون "قاعة يتسحاق"، وذلك بحجّة "أنه لا يسمح لليهود بدخول القسم سوى 10 أيام في السنة، والآن يجب أن يُدار من المجلس الديني للقسم اليهودي المستولى عليه منذ عام 1994".
ينصّ المشروع على إنشاء إدارة خاصة لترميم الموقع وتسهيل الوصول إليه وصيانته، بتمويل من وزارة المالية، وجاء في مقترح القانون: "الهدف هو إزالة القيود المفروضة على اليهود منذ أيام الاحتلال الأجنبي، وإعادة المكان إلى مكانته التاريخية والوطنية مركزَ صلاة مفتوحا ومتاحا وحرا للشعب اليهودي". وبذلك تمثّل الخليل، ومناطقها نموذجاً حياً لمشاريع في الكنيست تُطبق قبل تشريعها، وجوهرها تطبيق القانون المدني الإسرائيلي على ما هو فلسطيني.
لا يمكن عدّ أو إحصاء النماذج التي تحاكي تطبيق "السيادة" الإسرائيلية على الأرض في الضفة، خصوصاً في المناطق المصنّفة "ج" وفق اتفاقية أوسلو، ومن أقدم هذه النماذج تطبيق "قانون أملاك الغائبين" لعام 1950، الذي استُخدم لمصادرة آلاف الدونمات من أراضي الفلسطينيين بذريعة أن أصحابها يهود "غائبون"، في حين أنّها أملاك فلسطينية أصيلة.
لا حصانة لمناطق "أ"
في مطلع أيار/ مايو الماضي، أعادت حكومة الاحتلال تنفيذ "خطة تسوية الأراضي" في الضفة الغربية بعد تصديق الكابينت على القرار، ما يعني عملياً إلغاء كل إجراءات تسجيل الأراضي التي تجريها السلطة الفلسطينية في مناطق "ج"، إذ لا يُعتدّ بها قانونياً لدى "إسرائيل"، وفي المقابل، يُلزم الفلسطينيون بتسجيل معاملاتهم العقارية لدى هيئة للتسوية تتبع الإدارة المدنية الإسرائيلية، ما يضعهم في حلقة من القوانين الإسرائيلية المفروضة، بينما تصبح أراضيهم مرهونة لسلطة لم يختاروها ولم تمنحهم حماية حقوقهم.
تعكس هذه الحالات المشهد الجديد للضم القادم على الضفة الغربية، الذي سيكون على شكل "فرض سيادة" من دون الحصول على "جنسية إسرائيلية"، ولا الحصول على "إقامة دائمة" أسوة بالمقدسيين، بل هو شكل جديد لـ "أرض دولة الاحتلال" التي يعيش فيها الفلسطينيون الخاضعون لنظام العقوبات في القانون المدني الإسرائيلي.
اقرؤوا المزيد: على هامش المستوطنة
وفي مثال آخر يحاكي ذات المشهد المستقبلي، منعت "الإدارة المدنية" الإسرائيلية أعمال حفر في البنية التحتية في قرية أرطاس جنوب غرب بيت لحم، أواخر تشرين الأول/ أكتوبر، بحجة أنها تزعج المستوطنين في مستوطنة "أفرات".
يقول رئيس المجلس القروي أرطاس جنوب بيت لحم، لطفي أسعد، إن الحفريات كانت تجري لصيانة خطوط الصرف الصحي قبل حلول فصل الشتاء، قبل أن تتواصل الإدارة المدنية الإسرائيلية مع الجانب الفلسطيني وتُبلِغهم بمنع تنفيذ أعمال الحفر التي تزعج المستوطنين.
يشير أسعد إلى أن الحفريات كانت تجري في المناطق المصنفة "أ"، أي الخاضعة "للسيادة الفلسطينية" الكاملة، "لكن يبدو أن سيادة المستوطن، وما يزعجه أو لا يزعجه هي من يحكم المشهد"، ويضيف مستنكراً بلهجة بلدية قائلاً: "واضح إنه المستوطنين دمّهم بارد زيّ فصل الشتاء، بفكرونا شغّالين عندهم".
هنا، لا يُوصف ما حدث بانتهاك كما تُسجّل الانتهاكات عادة في الإعلام، بل يظهر فرض "إسرائيل" سيادتها عملياً على مناطق يُفترض أنّها تحت سلطة فلسطينية، ليصبح مزاج المستوطن معياراً للقرار والمقياس، والفلسطيني مجبراً على الامتثال.
أما بلدة الشيوخ شرق الخليل، فقد شهدت في حزيران/ يونيو الماضي تطبيقاً حقيقياً لفرض "السيادة الإسرائيلية"، حين أغلق المستوطنون، تحت حماية قوات الاحتلال، عشرين منزلاً باللحام الحديدي، وردموا آبار مياه المنازل، وصادروا مركبات بحجّة أنها "غير قانونية"، أو ما يُعرف بالعامية بـ"مشطوبة"، ويؤكد رئيس المجلس القروي للبلدة، محمد طه، لـ "متراس" أنّ كل هذه الإجراءات نُفذت في مناطق مصنّفة (أ).
القانون المدني أداةً للضم
تستند "إسرائيل" في ذلك كلّه إلى مشروع قرار ضمّ الضفة المطروح منذ آذار/ مارس الماضي، وإلى مشروع آخر قدّمه عضو الكنيست عميت هليفي، في 29 من الشهر ذاته يقضي بفرض الأحكام القضائية والإدارية الإسرائيلية على الضفة الغربية.
هذا النوع من القرارات يُطبّق عادة على الفلسطينيين الحاملين للهوية الزرقاء، باعتبار أنّ مناطق سكناهم مُضمّنة فعلياً ضمن إطار ما يُسمّى "دولة إسرائيل"، لكن أن يحدث ذلك في الضفة الغربية، فهو من أشكال التعدّي العابر لحدود عام 1948، إلى جميع الأراضي المحتلّة، وهنا يظهر كيف تُستخدم القوانين الإسرائيلية أداةً استعمارية مرنة، تُطبّق حين تخدم الاحتلال، وتُهمَل متى شكّلت تهديداً لهيمنة الاحتلال.
ولم تبدأ حالات تطبيق القوانين الإسرائيلية مع الوقائع الأخيرة فحسب، بل لها أصل قديم يمتد منذ 23 عاماً، حين اعتُقل الأسير مروان البرغوثي عقب اجتياح الضفة الغربية عام 2002، في ذلك الوقت، قررت سلطات الاحتلال محاكمته أمام القضاء المدني الإسرائيلي في تل أبيب، بدل المحاكم العسكرية التي اعتاد الأسرى الفلسطينيون من الضفة الغربية الوقوف أمامها.
اقرؤوا المزيد: مَن يَحكُم الضفّة؟
يقول المحامي المقدسي مدحت ديبة لـ "متراس"، إن سلطات الاحتلال استخدمت القانون المدني الإسرائيلي لأغراض سياسية، لتمرير رسالة واضحة لم يلتفت إليها الجميع حينها، مفادها أنّ "إسرائيل" لا تعترف بأنها دولة احتلال، بل تعدُّ كل الضفة الغربية جزءاً من أراضيها، ما جعل القانون أداةً لتثبيت السيطرة السياسية وتوسيع نطاق السيادة على الأرض.
ويؤكد ديبة أن "إسرائيل" ترسل رسائل أخرى حين تشوّه القانون لتكييفه مع مصالحها، فتلوي عنق النص كما تشاء، على سبيل المثال، حين تريد معاقبة مقدسي، كما جرى مع يعقوب أبو عصب، لا تُحال القضية إلى محاكم إسرائيلية في القدس، حتى لا يُمنح الحدّ الأدنى من المرافعة القانونية التي قد تكفل له بعض حقوقه بصفته معتقلا.
ففي شباط/ فبراير الماضي، حوّلت سلطات الاحتلال أبو عصب إلى محكمة عوفر العسكرية، رغم أنّه يحمل الهوية الإسرائيلية في القدس، ليصبح القرار القضائي أداةً لتجاوز الحقوق الأساسية، ووسيلة لإظهار أن تطبيق القانون ليس متساوياً، بل يخدم قوة الاحتلال ويدفع الفلسطيني نحو الخضوع من دون حماية.
ورغم أن الضفة الغربية تخضع رسمياً لنظام الأوامر العسكرية بوصفها أرضاً محتلة، فإنّ "إسرائيل" نجحت في تفكيك هذا الإطار، ونسجت واقعاً قانونياً مزدوجاً: قانون عسكري للفلسطينيين، وقانون مدني للمستوطنين، بحيث يعيش هؤلاء تحت مظلة القضاء والشرطة الإسرائيلية، كما لو أنهم داخل حدود عام 1948.
اقرؤوا المزيد: الضّم: "إسرائيل" تُهندس الأرض، السُّلطة تُهندس الصمت
بذلك، يُعدّ تطبيق القانون المدني الإسرائيلي في الضفة الغربية شكلاً من الضمّ الفعلي، إذ تُصبح أحكامه نافذة في الأراضي المحتلة، متجاوزةً الطابع المؤقت للاحتلال، بدلاً من إدارة عسكرية مؤقتة لحماية السكان.
في هذا الإطار، تحوّلت المستوطنات إلى جزر إسرائيلية داخل الضفة، تطبّق فيها القوانين المدنية الإسرائيلية، بينما تظل المناطق الفلسطينية تحت القبضة العسكرية، وتُطبّق القوانين المدنية على الفلسطيني بما يخدم مصالح الاحتلال، وهكذا يظهر القانون المدني الإسرائيلي في الضفة أداةَ سيطرة وشرعنة للضمّ، في حين تُسنّ القوانين في الكنيست أو تُنفّذ عملياً قبل أن تُقرّ، وكأنها أُقرّت وزيادة.