2 أبريل 2026

ويحكم هُبُّوا!

ويحكم هُبُّوا!

جُمّعت فقرات هذه المقالة واختيرت من جمهرة مقالات شيخ العربية أبي فهر، محمود محمد شاكر، رحمه الله، الذي كتبها بين عامي 1947 - 1948 ضمن مقالات: "لا هوادة بعد اليوم"، و"حديث الدولتين"، و"بلبلة"، و"فلسطين: ثلاثة رجال"، و"ويحكم هُبُّوا"، التي نُشرت جميعها في مجلة الرسالة.غيّرت ترتيب الفقرات، وحذفت بعض الجمل داخلها - وأشرت إلى ذلك - لتشكل مقالة واحدة، الناظر إليها اليوم، بعد 80 عاماً من كتابتها، يجدها لا تزال تشخّص حال الأمة، التي نسأل الله أن يهيئ لها من أمرها رشداً. 

النص:

أحب أن أقدم بين يدي كلامي هذا كلمة أو كلمتين لا بد منهما: [...] أن أبتهل إلى الله أن يبرئ قلوبنا من الجبن والخور والبخل، وأن يؤيدنا بالصبر والقوة، وأن يرفع عنا غضبه ومقته، فقد كتب علينا الجهاد في سبيله بما استطعنا. وأحب لكل كاتب وقارئ أن يتوب إلى الله مما اكتسب من إثم يده أو قلبه أو لسانه، ليتجرد إلى الجهاد وهو طاهر مصمم لا تلفته الدنيا عن الدفاع عن الحق.

 أيتها العرب! أيها المسلمون!

انظروا! فهذه فلسطين قد اجتمعت الأمم على أن تمكن فيها لأنذال يهود مكاناً يتبوأه طغاة المال وطواغيت الفجور وأبالسة الشر، وقد أخذوا يمدونهم بالمال والسلاح ليقهروكم وتكون لهم الكبرياء في هذه الأرض.

إن بريطانيا وأمريكا وسائر الدول التي تدير لهما الساقية، قد كشفت عن طواياها بما لا يدع لأحد علة يتعلل بها أو يتشبث، فقد قالوا الكلمة الصريحة الواضحة بأنهم عدوٌّ لنا وحربٌ علينا، وأنهم يبغون أن يحطموا هذا الجيل العربي، وأن يسلطوا على رقابه أنذال اليهود وأوباش الاستعمار، وأنهم يعتقدون أننا قوم لا نصلح لأن نحكم أنفسنا بأنفسنا، أو أننا أمم قُصَّر لم نبلغ رشدنا ولا يُظَن بنا بلوغ الرشد.

اقرؤوا المزيد: "تأديب الجغرافيا": لماذا تستهدفنا الحرب الجديدة جميعاً؟

وسر هذه العداوة - ولا نكتم الحق - هو أن أوروبا وأمريكا جميعاً لا يزالون يعيشون في أنفسهم إذا ذُكر العرب في أحقاد صليبية لم تستطع المدنية ولا استطاع العلم، ولا استطاعت سهولة المواصلات، ولا استطاعت كثرة الهجرة والرحلة، أن تنفيها عن قلوبهم، بل لعلها زادتهم أضغاناً على أضغان، ولا تزال أوروبا وأمريكا تقول: خطر الإسلام وخطر العرب، كما كانوا يقولون الخطر الأصفر والخطر الآسيوي. 

إن أوروبا وأمريكا لا تعرف العطف على العرب، بل هي العدو، وهي البلاء المصبوب علينا [...] وكيف تعطف أمريكا وهي التي تمد اليهود بالمال والقوة والسلاح والدعاية؟ وكيف وهي التي تبيح لشركات النشر والإذاعة والصحافة أن تدلس وتكذب وتخدع في شأن العرب [...] إنهم جميعاً يظاهرون علينا اليهود ويظاهرون علينا الاستعمار، ويفعلون ذلك علانية لا يستخفون، ففيم نحتال نحن بالمداورة أحياناً خشية أن نثير علينا هؤلاء المظاهرين ومخافة أن نُرمى بالتعصب؟ فيم نخاف ونحن في معمعة هذه الحرب التي تشنها علينا بريطانيا وأمريكا بالاستعمار وباليهود؟ ولم نخاف أن نتعصب لحريتنا واليهود يتعصبون لعدوانهم جهاراً؟

اقرؤوا المزيد: وطنٌ من القواعد.. عن الوجود الأميركي بيننا 

ويُخيَل إليّ أننا نعيش اليوم في عصر بلبلة واختلاط، وهذا شيء قد أصاب أمماً كثيرة من قبلنا، فلم يُعقها ذلك عن إدراك الغايات التي حرصت على السعي إليها وعلى بلوغها. بَيْدَ أنه لا بد لأمة أرادت أن تخلص من هذه البلبلة أن يتجرد من رجالها ونسائها فئة لا ترهب في الحق سطوة ولا بطشاً ولا اضطهاداً ولا تدخر دون مطلبها جهداً ولا عزيمة، ولا يثنيها إخفاق، ولا تلفتها فتنة، ولا يصرفها الفرح بقليل تناله عن الكدح في سبيل ما ينبغي أن تناله.

فمن شر هذه البلبلة [أن يأتي] كتاب وعلماء ورجال من أصحاب الرأي ليس في قلب أحد منهم تقوى لله ولا خشية للإثم ولا محبة للحق، فيرى أحدهم الرأي الفطير1كل شيء أُعجل عن إدراكه واستحكامه فهو فطير. فلا يلبث أن يمسك القلم فيجري السواد على بياض الورق، فإذا هي مقالة أو كتاب أو رأي أخبث منه صاحبه والناطق به، فيأخذه المبتدئ المتطلع، فيعتقد كأنه لقطة نفيسة بغير تحقيق ولا تمحيص، فإذا سمع رأياً يخالف ما قرأ لهذا الكاتب البليغ أو الأستاذ الكبير أو الفيلسوف القدير، أنكره وأدبر عنه، فيزيده هذا الإنكار لجاجة، وتزيده اللجاجة عناداً، ويملأه العناد كبراً، فيعمى عن الحق وهو بيّن، ولا يزال يهوى في العناد حتى يصير ذلك عادة في مسألة بعد مسألة ورأي بعد رأي، وإذا هو عند نفسه أكبر من أن يأخذ عن فلان لأنه يخالفه في الرأي.

أيتها العرب! أيها المسلمون!

لقد انقضت دهور وأنتم تساقون إلى قدر لا يعلم غيبه إلا الله، فاستبد بكم قوم أولو ضرار وبأس شديد، فأفسدوا قلوب جمهرة من أبنائكم وذراريكم، فنشأت تحت ظلال هؤلاء الطغاة ناشئة من أنفسكم تعاظم أمرها، وصار لها فيكم مكانة تتبوأها. وكل ذي مكانة أو سلطان أو ثروة فهو مليء بأن يخدع الجماهير وهم أسرع إلى طاعته ومتابعته فيما يخدعهم به، فاحرصوا على ألَّا تتبعوا الرجال على أسمائها بل اتبعوا الهدى وإن جاءكم على يد المحتاج الراغب، وتبينوا المدلس عليكم من الناصح لكم. ولا تقولوا هؤلاء سادتنا وكبراؤنا، فما أضل البشر إلا سادتهم وكبراؤهم، ولا تترددوا إن رأيتم معوجاً أن تقوموه مهما بلغ من الشأن، فإن تقويمكم إياه أبقى له وأجدى عليه. ولا تخروا على آراء السادة والكبراء صُما وعمياناً، بل اسمعوا نبضات القلوب، فرب لسان ينطق بالخير وهو ينبض بما فيه فسادكم وفساد أمر بلادكم، وأبصروا وتبصروا، فإنه لا يعطى المقادة إلا السائمة التي تقودها عصا الراعي لا العقل والإدراك. احملوا سادتكم وكبراءكم على وضح الصراط، فكل ضال منهم سوف يضل خلقاً منكم كثيراً ويورده موارد الهلاك.

فإذا بقي الأمر على ما ترى في أمر زعمائنا، وفي أمر سياستنا، وفي أمر اجتماعنا، وفي أمر أدبنا، وفي أمر صحافتنا، وفي أمر مدارسنا وجامعاتنا، فكيف نرجو أن نصل إلى غايتنا؟ وكيف يتاح لهذه الشعوب العربية الكريمة أن تتأهب للمعركة الفاصلة في تاريخ العرب؟ وكيف تجتمع كلمة العرب على بلوغ الهدف الأعظم، وهو هدف يرمي إلى إنقاذ الإنسانية كلها من ردغة الخبال2الطين الفاسد. التي ألقت بها فيها حضارة ضخمة، ولكنها قد حشيت شراً كثيراً وخبثاً؟

اقرؤوا المزيد: "وما رميت إذ رميت".. كيف ننظر إلى الحرب؟

إنها الحرب، إنها المذابح! إنها الحالقة3المُهلكة التي أجمعت أمم أوروبا وأمريكا أن تستأصل بها قوتكم وتجعلكم عبيداً أذلاء في أرض الله. إنها الفتن المظلمة التي أطبقت عليكم من كل مكان، فجعلت فيكم رجالا ونساء وخلقاً كثيراً صاروا عدواً لأنفسهم وبلادهم وإخوانهم، جهلا وعناداً وتقليداً وسوء رأي. 

لا يحل لعربي منذ اليوم أن يقول: غداً أفعل ما حقه أن يفعل اليوم، ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يخدع نفسه عن حرب دائرة الرحى بيننا وبين اليهود وأشياعهم من أمم الأرض، ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يكتم الحق عن أهله أو عن عدوه، ويقول هذه سياسة وكياسة وترفق، ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يمالئ قوماً يكاشفونه بالعداوة والبغضاء ونذالة الأخلاق، ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يقبل من رجال السياسة تأجيل شيء من قضايا العرب، فهي كل مترابط لا ينفك منها شيء عن شيء.

لست أكتب لكم لتقرأوا، ولكني أنذر قومي في ساعة لا ينبغي للمرء فيها إلا أن يصدق أهله، أنذركم بعداوة الأمم لكم ولمجدكم وتاريخكم، فرببوا لهم أضغانكم وغذّوها وحوطوها ونشئوا صغاركم على بغض هذه الأمم التي حشدت لكم عصبية الجاهلية، وعصبية الصليبية، وعصبية الاستعمار، وعصبية الألوان. أرضعوا كل مولود لبان الأضغان والأحقاد على هؤلاء الطغاة، وأمروهم أن يعيشوا في هذه الأرض لشيء واحد هو أن يقاتلوا أهل البغى والعصبية حتى تستأصلوا هذه الشأفة الخبيثة من أرض الله التي أورثهم إياها قائمين بالقسط والعدل والرحمة وإيتاء كل ذي حق حقه.

أيتها العرب! أيها المسلمون! 

إنكم لا تُغْلَبون اليوم عن قلة، ولئن كتب الله عليكم أن تُغْلَبوا فإنما تغلبون بإثم ما اقترفت نفوسكم، وما اجترحت أيديكم، وما فرطت عقولكم، وما نسيت قلوبكم، وما أضعتم من حق تؤدونه لأنفسكم وأسلافكم وذريتكم [...] لا تهابوا أهل العصبية الصليبية في أمريكا وأوروبا، ولا تثقوا بأحد منهم، ولا تهادنوهم في حقكم، ولا تناصروهم كما ناصرتموهم من قبل فغدروا بكم وتألبوا عليكم وامتهنوكم وقابلوا حقكم بالازدراء، والتحقير في هيئة الأمم المتحدة، وأنكروا كل يد أسديتموها إليهم، ومزقوا أوطانكم، وسلطوا عليكم فواجر أممهم، وأرادوا أن يدمروا أوطانكم، وأن ينشئوا لجراثيم اليهود وكراً خبيثاً في الأرض المقدسة في سرارة4 سَرارَة الشيء: أكرمه وخياره. بلادكم. فإن فعلتم فيومئذ يعلم هؤلاء الأخباث والأشرار أن العرب وأهل الإسلام وأهل دين المسيح في الشرق، كلهم على قلب رجل واحد يريدون أن يقيموا في هذه الأرض شريعة الإنسان العادل لا شريعة الوحش الضاري في ظلمات الأدغال والغابات.

اقرؤوا المزيد: عرب جابوتنسكي وواجب الوقت

إنها الحرب المُبيرة5المبيرة: هي الصفة المؤنثة من "المُبير"، وتعني المهلكة، المستأصلة، أو القاضية. أيها العرب، فلا تكن يهود التي ضرب الله عليها الذل والمسكنة والتشرد في جنبات الأرض، أحمى منكم أنوفاً وأشد منكم حفاظاً، وأقوى منكم حمية، وأجرأ منكم قلوباً ولا تكن يهود أيها العرب أشد محافظة على باطلهم منكم على حقكم. واعلموا أيها العرب أن الذي بيننا وبين يهود والذي بيننا وبين الاستعمار دم لا تطير رغوته ولا ينام ثائره، وقد جدت الحرب بكم فجدوا يا أبناء إسماعيل ويا بقية الحنيف إبراهيم، ولا يَهُولنّكم مال اليهود، ولا بطش بريطانيا، ولا مخرقة أمريكا، فإن الحق لله، وكلمة الله هي العليا.



24 أبريل 2024
شوك السنوار وقُرنْفله

"هذه ليست قصتي الشخصية، وليست قصة شخص بعينه، رغم أن كل أحداثها حقيقية، كل حدث منها أو كل مجموعة أحداث…

2 يونيو 2019
حوار متراس
مع حسن أبو هنيّة

عن نشأته شاباً محسوباً على اليسار، ومن ثم على السلفية الجهادية، ثمّ تحوّله إلى عين المراقب والباحث في شؤون الحركات…