16 يناير 2025

هنا كان مخيم اسمه اليرموك

هنا كان مخيم اسمه اليرموك

سقط نظام الأسد وأُزيح الستار عن مخيم اليرموك (عاصمة الشتات الفلسطيني) الذي تحول إلى أكوام من الخراب، وما تبقى فيه من مبان صمدت بوجه البراميل المتفجرة وقصف الطائرات الحربية، باتت بلا جدران أو أسقف، وبأساسات متخلخلة. حارات المخيم فارغة من أهلها، وشوارع لا تشبه ما كانت عليه يومًا. حال مخيم اليرموك، كحال كثير من المخيمات الفلسطينية في سوريا، يروي واقعًا صعبا يعايشه ويواجهه اللاجئون الفلسطينيون اليوم، ويطرح أسئلة كثيرة عن مصيرهم ومستقبلهم بعد تحرر سوريا. 

كان اللاجئون الفلسطينيون من الفئات المجتمعية التي عانت تحت سطوة نظام عائلة الأسد واستيلائها على السلطة لأكثر من 50 عامًا، إذ لم تُستثنَ المخيمات الفلسطينية من سياسة العقاب الجماعي التي انتهجها نظام الأسد ضد السوريين، هذا ما تثبته الصور التي تبثها الكاميرات اليوم من داخل مخيم اليرموك والتي تكشف عن هول الجرائم التي ارتكبت فيه وبحق أهله.  

تفكيك محطة انتظار اللاجئين 

يعيش 438 ألف لاجئ فلسطيني اليوم في سوريا، من أصل 560 ألفًا كانوا موزعين على 12 مخيمًا حسب إحصائيات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، لم يسلم أي من تلك المخيمات من جرائم النظام السوري طيلة سنين حكمه، الذي صعّد من استهدافه للمخيمات بالقصف وحصارها خلال سنوات الثورة، ونال تدميره مخيمات: اليرموك ودرعا وخان الشيح وحندرات وسبينة والحسينية. واستشهد المئات من اللاجئين الفلسطينيين خلال قصف نظام الأسد المخيمات، كما استشهد العشرات نتيجة التجويع والحصار الذي اشتد على مخيمات كان أبرزها اليرموك. 

مشهد جوي يظهر مقبرة الشهداء وأجزاء من مخيم اليرموك جنوب العاصمة السورية دمشق، وما لحق بهما من خراب وتدمير واسع إثر استهدافهما من قبل نظام الأسد والقوات الروسية خلال الثورة السورية. (المصدر: غيتي ايماجيز)

وبين عامي 2017-2018، أحكم النظام سيطرته على معظم المخيمات بعد إجبار فصائل المعارضة على الانسحاب منها، وهجّر أكثر من 70% من اللاجئين الفلسطينيين من منازلهم مرة واحدة على الأقل خلال سنوات الثورة. وقال المفوض العام لوكالة "الأونروا" بيير كرينبول بعد زيارته مخيم اليرموك عام 2018: "إن حجم الدمار في المخيم لا يوازيه إلا قليل جدًا مما رأيت في سنوات عديدة من العمل الإنساني في مختلف مناطق النزاع".

أطلقت قوات النظام العنان لعناصر المليشيات والفرق العسكرية لنهب كل ما تطاله أيديهم من ممتلكات، ووصل بهم الأمر لتفكيك قضبان الحديد من أسقف المباني، وسحب أسلاك الكهرباء، وتفكيك بلاط الأرضيات وسيراميك الحمامات. 

أما بقية المخيمات التي لم تخرج عن سيطرة النظام، كمخيم جرمانا وخان دنون والسيدة زينب ومخيم العائدين في حمص ومخيم حماة ومخيم الرمل في اللاذقية ومخيم النيرب في حلب، فقد وثقت المؤسسات الحقوقية تغييب المئات من أبنائها واعتقالهم على الحواجز المحيطة بها بين عامي 2011- 2024. 

دماء فلسطينية في الثورة السورية

أسهم النزوح في تفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية للاجئين الفلسطينيين وتفكيك نسيجهم الاجتماعي، وفقدان مصادر الدخل، وزاد من معدلات الفقر والبطالة والتفكك الأسري والتسرب المدرسي وتدني المستوى التعليمي في صفوفهم.

وقد وثقت المنظمة الحقوقية الفلسطينية المختصة بتوثيق الانتهاكات "مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا"، منذ آذار/ مارس 2011 حتى كانون الأول/ ديسمبر 2024، استشهاد 4294 لاجئا فلسطينيا، واعتقال وتغييب 3318 آخرين منهم 127 امرأة، و49 طفلا، عدا عن استشهاد 643 فلسطينيًا تحت التعذيب في أقبية المخابرات السورية. 

البحث في سجلات سجن صيدنايا عن المعتقلين المفقودين، وقد قدر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن 30 ألف معتقل قُتلوا على يد نظام الأسد في سجن صيدنايا منذ عام 2011- 12 كانون الأول/ ديسمبر 2024. (تصوير: نائل شاهين/ وكالة فرانس برس)

ورغم هذه الأرقام الهائلة فإنه لم يتحرر من سجون النظام السوري إلا 48 معتقلًا فلسطينيًا فقط بعد فتح إدارة العمليات العسكرية السجون خلال عملية التحرير، منهم 19 معتقلًا كانوا في سجن حلب، و17 كانوا في سجن صيدنايا، والآخرون حرروا من سجون حماة وفرع الخطيب وفرع فلسطين بدمشق، منهم من قضوا مددًا طويلة في السجون، تصل إلى 40 عامًا أو أكثر.  

كان من الصعب تتبع المعتقلين ومعرفة مصيرهم، ذلك أن كثيرا من السجون في سوريا كانت سرية، وأن النظام لم يكن يعلن عن أسماء المعتقلين ولا يسمح بوصول المنظمات الحقوقية إلى مراكز الاعتقال. بينما كان ذوو ضحايا الاعتقال والتغييب القسري يخشون من التبليغ أو الإعلان عن اعتقال أبنائهم خشية الملاحقة الأمنية.

اختفاء الفصائل الفلسطينية

بينما استقبلت المخيمات الفلسطينية خبر سقوط نظام الأسد بالاحتفالات والتكبيرات، نزل الأهالي إلى الساحات واحتفلوا مع السوريين بالخلاص من الاستبداد والظلم. كانت الفصائل الفلسطينية المرتبطة بالنظام تعيش ساعات عصيبة، إذ أخلت مواقعها ومكاتبها أسوة بمليشيات النظام وتوارى عناصرها عن الأنظار.

انهيار نظام الأسد السريع، أربك جميع الفصائل الفلسطينية في دمشق، خاصة تلك التي تورطت في جرائم الحرب في سوريا، مثل: "الجبهة الشعبية القيادة العامة" و"فتح الانتفاضة" و"تنظيم الصاعقة" و"لواء القدس" و"حركة فلسطين حرة" وكذلك "جيش التحرير الفلسطيني" الذي زجه النظام في مواجهة الشعب السوري. 

تداعت القيادة السياسية للفصائل إلى الاجتماع في مقر السفارة الفلسطينية بدمشق، في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2024، لتقييم الأوضاع ومحاولة تدارك الأمور، والخروج بموقف موحد. وبدلًا من أن تصدر اعتذارًا واضحًا للشعب السوري وللفلسطينيين في سوريا، عن تورط بعضها في جرائم رهيبة، أو صمتها عن الانتهاكات التي استمرت طيلة ثلاثة عشر عامًا، أصدرت بيانًا باردًا اعتبر ما جرى في سوريا شأنًا داخليًا، من دون إشارة إلى ما ارتكبه النظام من مجازر.

يكشف تحرر سوريا من نظام الأسد عن ما ألحقه من دمار كبير في مخيم اليرموك جنوب دمشق بعد سنوات عديدة من محاصرته وقصفه خلال الثورة السورية. (تصوير: أوغور يلدريم/ dia)

عبّر بيان الفصائل بشكل واضح عن حالة الانفصال عن الواقع والتكلس السياسي التي ظلت تعيشها منذ زمن، إذ إنها وبسبب ضعفها وترهلها وارتهان بعضها لنظام الأسد وارتباط العديد من كوادرها بأجهزة المخابرات السورية، فشلت في محطات عديدة، ومنذ الأيام الأولى للثورة، في أن تكون مظلة سياسية وشبكة أمان للاجئين الفلسطينيين في سوريا، بل إن بعضها عمل مبكرًا على نقل النزاع المسلح إلى داخل المخيمات، وتصدير أزمات النظام الأمنية والسياسية نحو البيئة الفلسطينية. لا سيما حين قامت بتشكيل ما أسمتها اللجان الشعبية وعمدت إلى تسليحها، ثم أسند لها النظام مباشرة مهمة قمع المناطق المحيطة ومساندة الجيش والمليشيات في بعض العمليات العسكرية، ونشر الحواجز الأمنية على مداخل المخيمات والتي ارتكبت أفظع الانتهاكات بحق المدنيين.

يحاول اللاجئون الفلسطينيون اليوم تلمس المستقبل بعد الخلاص من نظام الأسد الذي نال ضرره الغالبية العظمى من العائلات الفلسطينية في سوريا، إذ لا يخلو بيت فلسطيني من شهيد أو مفقود أو مغيب قسريا أو ناجٍ من مجزرة، ويحاولون تنظيم صفوفهم للوقوف من جديد، في ظل واقع صعب ومرير يطالبون فيه بإعادة ترتيب أوضاعهم القانونية والاجتماعية والخدمية التي كفلتها القوانين السورية منذ النكبة، وإعادة إعمار المخيمات المدمرة، وتسهيل عودتهم إلى بيوتهم، إلى حين عودتهم إلى ديارهم في فلسطين.