7 يناير 2026

من غزة إلى الفاشر.. الإبادة لعبة "إسرائيل" الأثيرة 

من غزة إلى الفاشر.. الإبادة لعبة "إسرائيل" الأثيرة 

يتوالى الكشف عن فظائع الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حميدتي منذ نيسان/ أبريل 2023، وراح ضحيتها ما بين 150 ألفاً و400 ألف قتيل. وبينما تصدّرت دولة الإمارات المشهد شريكاً لقوات الدعم السريع، ما فتئت الأيام تكشف عن مزيد من الأيادي الخفية الملطخة بدم إخوتنا في السودان، وعلى رأسها اليد السوداء التي نعرفها جميعاً؛ "إسرائيل". 

فأي دورٍ تلعبه "إسرائيل" في حرب الإبادة السودانية؟ وما الذي تريده من دولة تبعد عنها آلاف الكيلومترات؟ هل المخطط المبيت للسودان وليد المرحلة؟ وأي صلة بين حرب الإبادة في قطاع غزة وتلك الدائرة رحاها في السودان؟ 

لماذا السودان؟

تسعى "إسرائيل" إلى السيطرة الاستخباراتية على القارة السمراء، وقد تكشفت أوراق هذا الملف على مدار العقود الماضية في أكثر من دولة إفريقية استخدمتها "إسرائيل" مسرحًا لبيع الأسلحة، خاصةً الخفيفة ومتوسطة المدى، وتجريب أنظمة التجسس التي تطورها شركات التكنولوجيا الإسرائيلية، متلاعبة بمصائر شعوب القارة وداعمة أطرافاً متناحرة رسمية وشعبية على السواء. 

وقد كشفت تحقيقات عديدة عن دورٍ إسرائيلي في إذكاء صراعات إفريقيا تسيّدته شركات أمنية وعسكرية، فقد كانت كل من "مير جروب" و"إلبيت سيستمز" من الشركات الإسرائيلية العسكرية الرائدة في مجال التعاون الأمني والعسكري في القارة الإفريقية، إذ وفرت معدات عسكرية وتدريبات أمنية للجيوش النظامية ولقوات الأمن والحراسة، بل حتى للميليشيات المسلحة والجماعات المتمردة والانفصالية في إفريقيا.

قابلتها في ذلك شركاتٌ سيبرانية إسرائيلية وفرت أنظمة مراقبة وتجسس للقارة السمراء، على رأسها مجموعة "أن أس أو" و"بلاك كيوب"، وهي أنظمةٌ عادة ما تقوم الحكومات الإفريقية باستخدامها لاستهداف الناشطين الحقوقيين والصحفيين والمعارضين السياسيين، وقد تكررت هذه الأنماط في دول إفريقية عدة منها كينيا والمغرب وإثيوبيا ونيجيريا ورواندا وجنوب إفريقيا وبالطبع جنوب السودان. 

ويعد السودان على وجه الخصوص ملعباً مهماً لـ "إسرائيل"، إذ يتمتع بحدود بحرية ممتدة بطول يقارب 853 كيلومتراً على البحر الأحمر، الذي يمثل أحد أهم الطرق المائية للتجارة والطاقة لـ "إسرائيل"، فضلاً عن أنه صلتها الأولى بآسيا.

كما أن السودان جارٌ مهم من الناحية الأمنية لكل من القاهرة والرياض، وهي ساحات تهم تل أبيب بالدرجة الأولى، خاصةً في ظل الدور الذي لعبته الخرطوم قبل عقد ونيّف من الزمان بين عامي 2000 و2010 كحليفة لطهران وحاضنة للمقاومة الفلسطينية المسلحة. وتتفق سياسة "إسرائيل" في السودان مع توجهها الأعم بإعادة بناء تحالفات في القارة السمراء تحيّد القوى المناصرة تاريخياً للقضية الفلسطينية وتناوئ إيران.  

هذا كله عدا عن الثروات التي يملكها السودان، فهو غنيٌ بالذهب والمعادن النادرة، وهذه ثروات تعمل عدد من الحكومات العربية والغربية، كُشِفَ منها حتى اللحظة الإمارات وروسيا، على استنزافها ضمن قنوات تشرف عليها استخباراتها حتى قبل أن يصل النزاع إلى نهايته.

اقرؤوا المزيد: ماذا وراء الحضور الإماراتي في الملف الفلسطيني؟

وعليه ليس مستغرباً أن يشغل السودان بال "إسرائيل"، فقد أثار نتنياهو موجة من الاستياء في أوساط السودانيين إثر إشارته خلال كلمته أمام الجمعية العامة في أيلول/ سبتمبر من عام 2024 إلى العلاقات المفصلية التي تربط "إسرائيل" بالسودان، حين حمل خارطتين أسماهما الـ "ملعونة" و"المباركة"، وقد أظهرت الأولى "دولاً معادية لإسرائيل": إيران والعراق ولبنان وسوريا واليمن، بينما أظهرت الخارطة الثانية "أصدقاء إسرائيل": مصر والسعودية والإمارات والسودان.

وقد روّجت "إسرائيل" لفترة من الدهر إمكانية نفي قادة حماس بمن فيهم الشهيد يحيى السنوار إلى السودان، ضمن صفقة تنهي فيها حربها الإبادية على القطاع، وهو ادعاءٌ نفاه الجيش السوداني وظل معلقاً في الهواء بلا توضيح، لكنه يعكس أهمية الأرض السودانية لـ "إسرائيل" وحضورها في مخططاتها الاستراتيجية.

النذير المبكر للأزمة.. لعب على الحبلين

ما زال الدور الذي لعبته الإمارات والسعودية بإيعاز من واشنطن و"تل أبيب" في ثورة عام 2019 غير معروف تماماً، تلك الثورة التي أطاحت بالبشير المقرب فيما مضى من حركة الإخوان المسلمين والمحور الإيراني، رغم إعلانه الانقلاب عليهما عام 2016 وتقديمه خدمات جليلة لحرب السعودية والإمارات في اليمن، الأمر الذي يبدو أنه لم يكن كافياً لأطماع أبو ظبي. 

ظلت مخاوف "تل أبيب" وأبو ظبي من حلفٍ بين طهران وجماعاتها من جهة والخرطوم من جهة أخرى، قائمة، خاصةً وسط اتهاماتٍ للسودان بتهريب السلاح الإيراني إلى حركة حماس، ما حدا بـ "إسرائيل" لقصف عدة أهداف في السودان عام 2009 بدعوى القضاء على قنوات تهريب الأسلحة إلى القطاع. 

غير أن الثابت أن أبو ظبي، ومن ورائها "تل أبيب" في الظل، تلقفت التوترات الميدانية في الخرطوم بيدين مفتوحتين وسارعت إلى تمويل الجيش السوداني وتسليحه والاعتراف بشرعية مجلس السيادة الانتقالي بقيادة البرهان، مفسحة المجال للعب على مسرح السودان باتجاه إنشاء منطقة عربية موالية للولايات المتحدة وحليفتها "إسرائيل"، وهو ما أثبته السعي المباشر لضم الخرطوم إلى حظيرة التطبيع عام 2020.

فقد قايض ترامب إبان فترته الرئاسية الأولى رفع السودان عن قوائم الإرهاب الأميركية بانضمام الأخير إلى اتفاقات "أبراهام" التطبيعية، وقد تلا ذلك اجتماعٌ رفيع المستوى جمع البرهان بنتنياهو في أوغندا بترتيب من رئيس الإمارات محمد بن زايد، أسفر عن الاتفاق المبدئي على التطبيع وتجميد أصول حركة حماس في السودان. 

اقرؤوا المزيد: من الطوفان إلى ردع العدوان.. ماذا ينتظر منطقتنا العربية؟

وتحرك التطبيع بين الجانبين ببطء شديد، وشمل توقيعات مبدئية على القسم التنفيذي من اتفاقات "أبراهام" وزيارات رفيعة المستوى، من ضمنها زيارة وزير خارجية "إسرائيل" إيلي كوهين للخرطوم في شباط/ فبراير 2023، إلا أن السودان لم ينضم - حتى اللحظة - رسمياً للاتفاقات.

رغم كل ذلك، لعبت "إسرائيل" على الحبلين في السودان، فمن ناحية تابعت مسيرة التطبيع مع البرهان، ومن ناحية أخرى عمّقت اتصالها بقائد قوات الدعم السريع حميدتي، الذي كان يعمل تحت إمرة البرهان قبل أن ينشق ويواجهه في نيسان/ أبريل 2023.

وما إن اندلعت حرب السودان حتى ادّعت "إسرائيل" انقسامها بين حميدتي والبرهان، إذ زُعِمَ أن "الموساد" يفضل حميدتي بينما كان البرهان خيار وزارة الخارجية. الإمارات هي الأخرى لعبت مع "تل أبيب" على الحبلين، فمن ناحية دعمت بالتسليح والتدريب حميدتي، ومن ناحية أخرى ظل بنك الخرطوم المملوك في سوادِه الأعظم لمستثمرين إماراتيين شريان حياة الجيش الوطني، فيما يبدو أنها محاولة لإطالة أمد الصراع هناك. 

وبعد أكثر من عامين ونصف من الحرب الدامية، ما زالت "إسرائيل" تقف على الحياد علناً، لكن أفعالها وتحركاتها تشي بتفضليها قوات الدعم السريع، مفضلةً استراتيجية طويلة الأمد على مكسب دبلوماسي سريع بالتطبيع الشكلي مع حكومة السودان الرسمية، وقد تعدى دور "إسرائيل" الدعم والمباركة إلى التسليح والتدريب وتقديم الخدمات الاستخباراتية واللوجستية لقوات الدعم السريع.

من ناحيتها، أدانت واشنطن جرائم الدعم السريع، لكنها لم تُحرِّكْ ساكناً لوقف أبو ظبي و"تل أبيب" عن نفخ الكير في النار وإذكاء المحرقة في السودان. 

أيدي الموساد الخفية 

جمعت حميدتي علاقات قوية بـ "إسرائيل" والإمارات، فقد أرسل قواته للعمل مرتزقةً لصالح الإمارات خلال حربها في اليمن، كما جُلِبَ إلى أبو ظبي على متن طائرة خاصة عام 2020، ليلتقي سراً رئيس الموساد يوسي كوهين برفقة الشيخ طحنون بن زايد.

عُقد لقاء حميدتي وكوهين بعد أيام قليلة من إعلان التطبيع بين "تل أبيب" وأبو ظبي، ما يشي بقدم المخطط المبيت للسودان وكونه يشكل قطعة مهمة في بازل المخطط الإسرائيلي - الإماراتي في المنطقة. تكررت بعدها لقاءات حميدتي بالموساد على متن طائرات خاصة، إذ رُصد في أقل من سنة لقاءان سريّان بينهما، وكان ذلك في 2021-2022، أي قبل نحو عام من اندلاع الحرب الفعلية في السودان. 

واصلت "إسرائيل" اجتماعها مع قادة الدعم السريع تحت غطاء التطبيع، بينما تشير التقديرات إلى ضلوعها في تدريب وتجهيز القوات للحرب الطاحنة التي تخوضها الآن، وقد أكد مسؤولون سودانيون أن ضباط استخبارات إسرائيليين يشرفون على سير العمليات الحربية في السودان من مقراتٍ في دولة تشاد.

المجاعة بالحرب بين فاشر وقطاع غزة.
المجاعة بالحرب بين فاشر وقطاع غزة.

وسبق  التعاون الاستخباراتي اندلاعَ الحرب بمدة بل مهّد لوقوعها، فقد كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في تحقيق لها، بالاشتراك مع "لايتهاوس ريبورت" و"جريس إنسايد ستوري" في عام 2022، أن شركة الاستخبارات الإلكترونية "سايتروكس" التي استحوذت عليها منذ عام 2018 شركة التكنولوجيا الاستخباراتية الإسرائيلية "إنتيليكسا"، نقلت تقنيات تكنولوجيا تجسسية متطورة تدعى "المفترس" من الاتحاد الأوروبي إلى ميليشيا الدعم السريع في السودان.

اقرؤوا المزيد: كيف بدأت "إسرائيل" تقسيم سوريا؟

نُقلت هذه التقنيات سراً إلى الخرطوم على متن طائرة تعود لتال ديليان، وهو ضابط سابق وأحد أقطاب برامج التجسس الإسرائيلية، وهي تعمل على اختراق الهواتف الذكية والبنية التحتية للاتصالات، وتنافس التكنولوجيا التجسسية الشهيرة "بيجاسوس" التابعة لشركة "NSO" الإسرائيلية. 

وتكنولوجيا "المفترس" التي تقوم على اختراق الهواتف وتحديد بيئة الضحية من خلال الكاميرات والمايكروفونات مكلفةٌ للغاية، ففي عرض تجاري مسرب من شركة "إنتيليكسا" للبرنامج، كُشف عن تكلفةٍ تربو على ثمانية ملايين يورو لنسخة محدودة من "المفترس"، ما يثير عدة تساؤلات: كيف تمكنت قوات الدعم السريع من تغطية هذه التكلفة الباهظة؟ وهل لثروات السودان دور في تسديد الفاتورة؟ أم أن قوى أجنبية تسعى لتمكين الدعم السريع تحمّلت التكاليف عنه؟  

تحقيق "هآرتس" وشركائها تنبأ مبكراً باختلال ميزان القوى في السودان، وبقرب اندلاع حرب أهلية طاحنة بسبب حصول الدعم السريع على تلك التكنولوجيا الإسرائيلية. 

السلاح الإسرائيلي في هندسة الإبادة 

يعدّ التسليح الإسرائيلي لقوات الدعم السريع أقل وضوحاً من التعاون الاستخباراتي، فليست هناك تحقيقات رسمية ومستقلة بشأن قنوات التسليح في السودان وفي ثبوت صلتها بـ "إسرائيل"، غير أن عدة تقارير أشارت إلى استخدام قوات الدعم السريع منظومة "لار 160" وهو نظام صاروخي مدفعي خفيف من عيار 160 ملم، تم تطويره في الأصل من قبل الصناعات العسكرية الإسرائيلية أواخر سبعينيات القرن الماضي، واعتمده جيش الاحتلال عام 1983 ضمن منظومته العسكرية.

اعتمدت التقارير على شهادات ميدانية ومقاطع فيديو وتحليل للأنظمة العسكرية المستخدمة في الميدان، خاصة أن السودان ليس من ضمن الدول التي تستخدم هذه المنظومة في العادة، فالمنظومة تشمل أذربيجان وفنزويلا والأرجنتين وجورجيا وأرمينيا وتشيلي وبالطبع موطنها الأصلي "إسرائيل".

إن التسليح الإسرائيلي للميليشيات المسلحة في السودان ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، فقد سلحت "إسرائيل" الحركة الثورية المعروفة بـ"أنيانيا" في جنوب السودان لمساعدتها على الانفصال عن شمال السودان في الحرب الأهلية الأولى خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

اقرؤوا المزيد: "استير" وأخواته.. كيف يُحرّم ترامب انتقاد "إسرائيل"؟ 

كما نفذت "إسرائيل" تعاوناً عسكرياً واستخباراتياً مع السودان في عملية "موسى" خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث تم تهريب آلاف اليهود الإثيوبيين عبر السودان إلى "إسرائيل". 

وما إن انفصلت جنوب السودان عن شمالها عام 2011 حتى سارعت "إسرائيل" إلى الاعتراف بحكومة الجنوب وتسليحها ومد جسور التعاون الاستخباراتي والعسكري معها، بما في ذلك إتمام عدة صفقات بيع أسلحة لبنادق هجومية من طراز "جليل آيس"، حصلت عليها قوات الدعم السريع عام 2023 من قنوات مجهولة.

شملت صفقات الأسلحة أنظمة تجسسية وفرتها "إسرائيل" لجنوب السودان في عز انتهاكاتها الحقوقية وفرض حظر التسليح الدولي عليها، ما أثار عدة انتقادات حقوقية من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية المستقلة، وقد وصلت قيمة الصادرات العسكرية الإسرائيلية إلى جنوب السودان عام 2019 نحو 150 مليون دولار أميركي.

استنساخ الإبادة في قطاع غزة 

في مقابلة له مع البودكاستر الإسرائيلي "كان"، قارن يوسف عزات، أحد مستشاري حميدتي، ما يحدث في السودان بـ "حرب إسرائيل المشروعة ضد القوات الفلسطينية الإرهابية كحماس وغيرها التي عانى منها المدنيون الإسرائيليون كثيراً" على حد زعمه، لم تكن هذه الجملة المعترضة محض تماهٍ مع المستضيف، بل تعبيراً دقيقاً عن واقع الحال.

فقد تلقفت قوات الدعم السريع التكتيكات الإسرائيلية في حرب الإبادة في القطاع وطبقتها في الفاشر وغيرها من المدن السودانية، مبررة مهاجمتها للأعيان المدنية من مساجد ومخيمات لجوء ومستشفيات بوجود دروع بشرية ومخابئ للإرهابيين وضرورات حرب العصابات، وهي ذرائع تستخدمها "إسرائيل" في غزة دائمًا. 

هذا التطابق في إدارة الحرب وروايتها جعل من "إسرائيل" وقوات الدعم السريع مثالين حيّين لجريمة الإبادة الجماعية، وهي تهمة تلاحقهما الآن في مختلف المحافل الدولية والدبلوماسية.

يمين الصور: جثمان شهيد في غزة، بعد إطلاق النار عليه ومنع الناس انتشال جثمانه، ويسار الصور: مجموعة شهداء جرى إعدامهم في الفاشر.
يمين الصور: جثمان شهيد في غزة، بعد إطلاق النار عليه ومنع الناس انتشال جثمانه، ويسار الصور: مجموعة شهداء جرى إعدامهم في الفاشر.

يمتد أثر الدور الإسرائيلي إلى ما هو أبعد من الإدارة العسكرية للنزاع، إذ يحمل التدخل الإسرائيلي ومن خلفه الأميركي والعربي الرسمي بعداً سياسياً ودبلوماسياً يمنح الغطاء للجرائم المروعة التي ترتكبها قوات الدعم السريع، ويحميها ولو مؤقتاً من المساءلة، ما يسهم في التمادي بارتكابها الفظائع في حق المدنيين، وبالتالي إطالة أمد الحرب وتهيئة الساحة السودانية لتكون مسرحاً للمنافسة على النفوذ وتصفية الحسابات الإقليمية.

فحتى في موقفها الرسمي، تنتهج "إسرائيل" في نزاع السودان نهجاً خطيراً للغاية، فهي بوصْمِهَا وواشنطن النزاع بـ "عدم استقرار إقليمي" و"محاربة للإرهاب" تعمل على تشكيل الموقف الدولي واستراتيجيات الدول والمحافل الدولية، إذ تحرف بوصلتها عن إحقاق العدالة وإيقاع العقوبات وإنصاف الضحايا إلى تحقيق نوع من التوازن بين القوى.

اقرؤوا المزيد: عرب جابوتنسكي وواجب الوقت

يمنح الواقع الذي تفرضه "إسرائيل" والولايات المتحدة الأطراف المتحاربة هامشاً أوسع في ارتكاب الجرائم، ما بقيت ضمن "المقبول" تحت غطاء الشرعية في حكم السودان، هذا النهج يحاكي مرة أخرى حرب "إسرائيل" على قطاع غزة الذي كبّلت من خلاله دور المحاكم الدولية والأمم المتحدة وعقوبات الدول بحجة "الدفاع عن النفس". 

ختاماً، تفتح "إسرائيل" جبهات متعددة في عالمنا العربي، بعضها مباشر ومعلن والعديد منها يحفر في الخفاء، حروب إبادية لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً، تُرتبها "إسرائيل" لعالم جديد تسيطر على أنفاسه وتمتد حدودها فيه لا من النيل إلى الفرات فحسب، ولكن تبتلع القارة السمراء وتوجّه ثرواتها ومقدراتها بالطريقة الإسرائيلية المثلى: إذكاء نار الحرب.