28 مارس 2026

كيف تعرّي الحرب ملاجئ "إسرائيل"؟

كيف تعرّي الحرب ملاجئ "إسرائيل"؟

تشكّل منظومة التحصين المدني أحد المكونات الأساسية للجبهة الداخلية الإسرائيلية، بهدف تقليل الخسائر البشرية وتعزيز قدرة المجتمع الإسرائيلي على الاستمرار في أداء وظائفه خلال فترات القصف والحروب، لكن هذه المنظومة التي شهدت تطويراً وتحديثاً متتالياً على مدار عقود، سقطت في العديد من الاختبارات الكبيرة التي تعرضت لها خلال حربي 2025 و2026 مع إيران.

وكان آخرها فشل منظومة التحصين والملاجئ في مستوطنة "بيت شيمش"، حيث قُتل تسعة مستوطنين بعد سقوط صاروخ على ملجأ أسفل مبنى ديني، ما يعيد طرح الأسئلة الصعبة عن كفاءة هذه المنظومة في "إسرائيل".

حرب الخليج والتحول الأول

شكّلت حرب الخليج الأولى عام 1991 نقطة تحوّل رئيسية في سياسة التحصين المدني في "إسرائيل"، فقد تعرّضت المدن الإسرائيلية خلال تلك الحرب لقصف صاروخي من العراق، الأمر الذي كشف حدود الاعتماد على الملاجئ العامة البعيدة عن أماكن السكن. أظهرت التجربة أن زمن الإنذار القصير يجعل الوصول إلى الملجأ خلال دقائق أمراً صعباً خصوصاً في المناطق السكنية الكثيفة، ما دفع المؤسسة الأمنية إلى إعادة تقييم منظومة التحصين والحماية المدنية.

استندت هذه المراجعة إلى الإطار التشريعي القائم منذ صدور قانون الدفاع المدني عام 1951 الذي وضع الأساس القانوني لتنظيم الحماية المدنية للسكان. عرّف القانون الدفاع المدني بوصفه منظومة إجراءات تهدف إلى حماية المستوطنين وتقليل آثار الهجمات الصاروخية على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، كما ألزم بإنشاء ملاجئ في المباني العامة والخاصة وحدّد المبادئ العامة لتنظيمها وإدارتها.

دمار أحدثه صاروخ سكود أطلق من العراق نحو "تل أبيب" في كانون الثاني/ يناير 1991.
دمار أحدثه صاروخ سكود أطلق من العراق نحو "تل أبيب" في كانون الثاني/ يناير 1991.

حدّد القانون أيضاً توزيع المسؤوليات داخل منظومة التحصين، إذ تقع مسؤولية إنشاء الملاجئ الخاصة في المباني السكنية على عاتق المقاولين أو مالكي المباني عند البناء، بينما تتحمل السلطات المحلية الإسرائيلية مسؤولية إنشاء الملاجئ العامة وصيانتها وإتاحتها للسكان في حالات الطوارئ.

اقرؤوا المزيد: كلّ ما يخصّنا بدأ في العراق

أدخلت "إسرائيل" تعديلاً جوهرياً على هذه المنظومة في عام 1992، بفرض إنشاء غرفة محصنة داخل كل شقة سكنية جديدة، وهدفت هذه الخطوة إلى تقليص زمن الوصول إلى الحماية، أدى هذا التعديل إلى تغيير نمط التحصين في "إسرائيل"، فبعد أن كانت الملاجئ العامة تحت الأرض الوسيلة الأساسية للحماية، أصبح التحصين جزءاً من التصميم المعماري للمباني السكنية. وبمرور الوقت تحولت الغرفة المحصنة إلى عنصر ثابت في تخطيط المباني الجديدة، وأحد المكونات الأساسية في منظومة الدفاع والتحصين المدني.

في الشقة، والمبنى، والحي 

لا تقوم منظومة الملاجئ والغرف المحصنة على نموذج موحّد، بل تتكوّن من عدة أنماط إنشائية ووظيفية تختلف بحسب موقعها في المبنى والحي والغرض الذي صُممت من أجله، ويمكن عرض هذه الأنماط على النحو الآتي:

أولاً: الغرفة المحصنة داخل الشقة السكنية، وتسمى في العبرية (مَمَاد)، وهي غرفة خرسانية تُدمج ضمن الشقة في المباني السكنية الحديثة، تهدف هذه الغرفة إلى توفير مساحة حماية فورية للسكان داخل المنزل عند إطلاق صفارات الإنذار بحيث يستطيعون الاحتماء فيها خلال وقت قصير من دون حاجة إلى مغادرة الشقة.

أصبحت هذه الغرفة إلزامية في كل وحدة سكنية جديدة بعد تعديل أنظمة الدفاع المدني في "إسرائيل" عقب حرب الخليج عام 1991.

تُظهر هذه الصورة الملتقطة في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ملجأ للمستوطنين في مبنى بالقدس المحتلة. (المصدر:تشين جونكينغ/ شينخوا)

ثانياً: المساحة المحصنة على مستوى الطابق في المبنى، وتسمى في العبرية (مَمَاك)، وهي غرفة محصنة مشتركة تُقام في أحد أقسام الطابق وتخدم جميع الشقق الموجودة فيه. تُستخدم هذه الغرفة في بعض المباني التي لا تحتوي كل شقة فيها على غرفة محصنة مستقلة، وتتيح لسكان البناية السكنية الوصول إلى مساحة حماية قريبة داخل المبنى خلال وقت إنذار قصير.

ثالثاً: المساحة المحصنة المؤسسية، وتسمى في العبرية (مَمَام)، وهي مساحة محصنة تُقام داخل المؤسسات العامة مثل المدارس والمستشفيات والمكاتب الحكومية. صُممت هذه المساحات لاستيعاب أعداد كبيرة من الأشخاص في وقت واحد بحيث توفر حماية للطلاب والموظفين والزوار عند إطلاق صفارات الإنذار أو خلال حالات الطوارئ الأمنية.

رابعاً: الملجأ العام، ويُسمى في العبرية (مِكْلَات تسيبوري)، وهو ملجأ تُخططه وتُنشئه السلطات المحلية لخدمة عدة مبانٍ أو حي كامل، ويُفتح هذا الملجأ لسكان المنطقة المجاورة وللأشخاص الموجودين في الشارع عند وقوع هجوم أو إطلاق صفارات الإنذار، ويُجهَّز لاستيعاب عدد كبير من الأشخاص. في أوقات الهدوء يُستخدم غالباً لأغراض مدنية مثل الأنشطة المجتمعية أو المرافق العامة ثم يُخلى ويُعاد تجهيزه سريعاً عند إعلان حالة الطوارئ.

صورة لـ ملجأ "الجرس" الذي طورته شركة "وولفمان" عام 2007 كملجأ خرساني جاهز، يتميز بصغر حجمه وسهولة نقله وتركيبه.
صورة لـ ملجأ "الجرس" الذي طورته شركة "وولفمان" عام 2007 كملجأ خرساني جاهز، يتميز بصغر حجمه وسهولة نقله وتركيبه.

خامساً: الملجأ الجاهز "الجرسّي"، وهو نموذج طورته شركة "وولفمان" عام 2007 لملجأ خرساني جاهز يعرف باسم "جرس الحماية"، يتميز بصغر حجمه وسهولة نقله وتركيبه في الأماكن المفتوحة، إذ صُمم شكله الجرسّي لتقليل تأثير الشظايا وموجات الانفجار، في حين تشارك جمعيات أهلية في تمويل إنتاجه وتوزيعه خاصة في مستوطنات الشمال والجنوب التي تتعرض لهجمات متكررة.

ملجأ بلا هواء

تخضع الغرف المحصنة داخل الشقق السكنية (مَمَاد) لمعايير هندسية دقيقة تهدف إلى تقليل تأثير موجات الانفجار والشظايا الناتجة عن الصواريخ أو القذائف، إذ تنص أنظمة البناء والدفاع المدني في "إسرائيل" على أن المساحة الصافية للغرفة يجب ألا تقل عن خمسة أمتار مربعة وأن يبلغ حجمها الداخلي نحو 12.5 متراً مكعباً على الأقل، وأن تُشيَّد جدرانها وسقفها من خرسانة مسلحة بسماكات محددة، وتُزوَّد بباب معدني محكم الإغلاق ونافذة محصنة مقاومة للانفجار.

 وبعد عملية السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 عُدِّلت بعض المعايير المتعلقة بالأبواب بحيث تصبح أكثر قدرة على مقاومة إطلاق النار، كما يجب أن تحتوي الغرفة على فتحات تهوية تسمح بتجدد الهواء، وذلك في إطار تحديث تعليمات حماية الجبهة الداخلية.

 اقرؤوا المزيد: الجبهة الداخلية الإسرائيلية.. العمق المكشوف تحت نيران الحرب

كذلك، صُممت هذه الغرف أساساً للإقامة القصيرة في أثناء الهجمات الصاروخية، إذ تحتوي الغرفة القياسية عندما تكون فارغة على نحو 12 ألف لتر من الهواء لكن وجود الأثاث يقلل هذا الحجم عادة إلى نحو 10 آلاف لتر. 

لذلك، تحدد تعليمات الجبهة الداخلية مدة البقاء في الغرفة المحكمة الإغلاق بنحو ثلاث ساعات كحد أقصى، فالبقاء لفترة أطول يؤدي إلى انخفاض نسبة الأكسجين وارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الهواء، ما قد يسبب مخاطر على المختبئين داخل الملجأ.

للمستوطنين فقط!

تكشف الوقائع الميدانية عن مشكلة واضحة في صيانة الملاجئ داخل المباني السكنية رغم وجود إطار قانوني ينظمها، فمسؤولية الصيانة تقع على سكان المبنى بينما يفترض أن تراقب البلديات جاهزيتها، في حين تظل الرقابة محدودة بسبب نقص الميزانيات والكوادر. نتيجةً لذلك، تحولت كثير من الملاجئ إلى مخازن أو أصبحت غير صالحة للاستخدام. 

تظهر البيانات أيضاً فجوات واسعة في توزيع وسائل الحماية داخل المدن الإسرائيلية، إذ إن أكثر من 60% من الشقق لا تحتوي على غرفة محصنة، في حين أظهر تقرير مراقب الدولة في "إسرائيل" الصادر في كانون الثاني/ يناير 2026 أنّ نحو 3.2 ملايين شخص يحملون الجنسية الإسرائيلية، أي 33.6% من حاملي الجنسية الإسرائيلية، حتى مطلع عام 2025 لا يملكون تحصيناً مطابقاً للمعايير ضد الصواريخ، بينما تظهر الفجوة بوضوح في المدن الكبرى مثل القدس وتل أبيب وحيفا حيث تنتشر آلاف الشقق غير المحصنة.

وتظهر فجوات منظومة التحصين بوضوح أكبر في البلدات الفلسطينية داخل "إسرائيل"، إذ تشير المعطيات إلى أن نحو 46% من فلسطينيي الداخل المحتل، أي ما يقارب 550 ألف شخص، يعيشون في منازل تفتقر إلى حمايةٍ معياريةٍ من الصواريخ، كما تكشف الفحوصات أن الملاجئ العامة موجودة في 11 سلطة محلية عربية فقط من أصل 71 سلطة جرى فحصها بينما تكاد بقية البلدات تخلو من هذه الملاجئ.

تمتد هذه الفجوة أيضاً إلى المؤسسات التعليمية، حيث يدرس نحو ثلث الطلاب في المدارس العربية في مبانٍ لا توفر تحصيناً كافياً، وهو ما يترك شريحة واسعة من الطلبة من دون حماية فعالة، أما في القرى البدوية غير المعترف بها في النقب فيعيش نحو 120 ألف شخص من دون أي أماكن حماية من الصواريخ.

اقرؤوا المزيد: ما بعد الجيش: من الذي يقاتل اليوم في "إسرائيل"؟

 يعكس ذلك تفاوتاً واضحاً في توزيع منظومة التحصين بين الفلسطينيين والمستوطنين، إذ تحظى التجمعات الاستيطانية بانتشار أوسع لوسائل الحماية وببنية تحصين أكثر تطوراً، في حين تعاني البلدات الفلسطينية من نقص ملحوظ في الملاجئ والمساحات المحصنة، ويكشف هذا التفاوت عن نمط استعماري في إدارة الحماية المدنية.

الحرب تعري التحصين

كشفت الضربات الصاروخية خلال الحرب مع إيران أن منظومة التحصين رغم أهميتها ليست قادرة دائماً على منع الخسائر البشرية عند الإصابة المباشرة، فالغرف المحصنة ليست قادرة على الصمود أمام الإصابة المباشرة بصاروخ ثقيل، وأظهرت عدة حوادث خلال عام 2025 أن الضربات المباشرة يمكن أن تخترق هذه الغرف أو تدمرها، ما أعاد فتح النقاش داخل "إسرائيل" بشأن حدود منظومة التحصين.

في الأول من آذار/ مارس 2026 أصاب صاروخ إيراني مبنى في مستوطنة بيت شيمش قرب القدس إصابة مباشرة، وأدى الانفجار إلى تدمير الملجأ الواقع أسفل مبنى ديني كان يحتمي فيه عدد كبير من المستوطنين لحظة سقوط الصاروخ، وأسفر عن مقتل تسعة منهم وإصابة أكثر من خمسة وثلاثين.

اقرؤوا المزيد: الجبهة الخفية.. كيف تُدير "إسرائيل" الحرب النفسية؟ 

وخلال حرب الاثني عشر يوماً بين إيران و"إسرائيل"، يوم 24 حزيران/ يونيو 2025، أصاب صاروخ إيراني مبنى سكنياً في مدينة بئر السبع إصابة مباشرة بعد فشل منظومات الدفاع الجوي في اعتراضه، كشف تحقيق لقيادة الجبهة الداخلية أن الصاروخ اخترق الجدار الخارجي للمبنى ثم أصاب غرفتين محصنتين داخل الشقق، وقد أدى الانفجار إلى تدمير إحدى الغرف بالكامل ما أسفر عن مقتل أربعة مستوطنين كانوا بداخلها وإصابة اثنين وعشرين منهم.

دمار هائل خلفه صاروخ باليستي أُطلق من إيران أصاب مستوطنة "بيت شيمش، في الأول من آذار/ مارس 2026.
دمار هائل خلفه صاروخ باليستي أُطلق من إيران أصاب مستوطنة "بيت شيمش، في الأول من آذار/ مارس 2026.

في 16 حزيران/ يونيو 2025 خلال حرب الاثني عشر يوماً بين إيران و"إسرائيل"  أصاب صاروخ إيراني مبنى سكنياً في منطقة بيتح تكفا قرب تل أبيب، أدى الانفجار إلى تدمير الغرفة المحصنة داخل الشقة التي أصابها الصاروخ مباشرة، وأسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة مستوطنين على الفور وإصابة عشرات الأشخاص في المباني المجاورة، كما لحقت أضرار كبيرة بأربعة أبراج سكنية في المنطقة، وأعادت هذه الحادثة النقاش حول قدرة التحصينات على الصمود أمام الصواريخ الثقيلة ذات الرؤوس الحربية الكبيرة.

ختاماً، تُظهر التجربة خلال الحروب الأخيرة أن منظومة التحصين في "إسرائيل" تسهم في تقليل "الخسائر البشرية"، لكنها لا توفر حماية كاملة، في الوقت نفسه تشير الوقائع الميدانية إلى أن فاعلية التحصين ترتبط بعدة عوامل، منها نوع الصاروخ، وقوة الانفجار، وموقع الإصابة، إضافة إلى مستوى صيانة الملاجئ وجاهزيتها الفعلية للاستخدام، في حين تكشف المعطيات الرسمية الإسرائيلية عن فجوة كبيرة في توزيع وسائل الحماية داخل الجبهة الداخلية الإسرائيلية، إذ يعيش نحو ثلاثة ملايين شخص من دون وصولٍ فعليٍ إلى مساحة حماية مناسبة.



2 يناير 2024
اليوم 88: "وداعاً شيخنا"

اغتال الاحتلال الشيخ صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وأحد مؤسسي  كتائب القسام في الضفة الغربية بعملية استهدفته…

22 نوفمبر 2023
عن الصحافة في زمن الحرب

بعد الضربة القاسية التي تلقاها الاحتلال في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، ومنذ انطلاق معركة طوفان الأقصى، تصاعدت الاعتداءات والاعتقالات…