7 أكتوبر 2024

على أكتاف الرجال: هكذا واصلت بلديّة غزّة عملها

على أكتاف الرجال: هكذا واصلت بلديّة غزّة عملها

لم أكن أتخيل بعد سنوات الغربة الطويلة، أنّ الأيام التي تنتظرني في غزّة، تحمل حرباً شعواء، وفقداناً لأعزّ الأحباب، وحرماناً ومجاعةً غير مسبوقة. حجزتُ تذكرةَ الطائرة وعُدتُ إلى غزّة قبل شهرين من الحرب، ثمّ التحقتُ بعملي في بلدية غزّة التي دخلتها أول مرّة عضواً في مجلس الأطفال البلدي المنتخب عام 2003.

تُعتبر بلدية غزّة واحدةً من أقدم البلديات في فلسطين، إذ تأسّست عام 1893، وظلّت على مدار العقود الماضية في خدمة أهالي المدينة رغم الظروف الصعبة والتقلبات السياسيّة التي عصفت بها. خلال العقدين الماضيين تعرّضت المدينة لعدة اعتداءات وحروب، بالإضافة إلى ذلك، تعاملت البلدية مع حالات طوارئ أخرى مثل انتشار وباء كوفيد-19، مما أكسبها خبرةً جيّدة في مواجهة الأزمات. ومع ذلك كانت الحرب التي بدأت في تشرين الثاني/ أكتوبر الماضي 2023 مفاجئة في توقيتها، وطول مدتها، إضافةً لحجم الدمار الهائل، مما جعلها واحدةً من أصعب حالات الطوارئ التي عاشتها مدينة غزّة حتى الآن.

أعلنت بلدية غزّة حالة الطوارئ استجابةً للوضع الكارثي الناتج عن القصف المستمر والدمار الهائل. حدّدت البلدية أربع أولويات أساسية تهدف إلى دعم السكان المتضررين وضمان استمرار تقديم الخدمات الحيويّة في المدينة. كان قطاع المياه في مقدمة هذه الأولويات، إذ تركّزت الجهود على تزويد الأهالي بالمياه وزيادة مساحة الوصول في ظلّ شحّ المصادر وتضرّر أكثر من 75% من الآبار، وتوقف المياه المزوّدَة من طرف شركة "مكوروت" الإسرائيلية لأشهر طويلة، إضافةً إلى توقف محطة التحلية المتضررة شمال المدينة.

الأولوية الثانية هي جمع النفايات من خلال إطلاق حملات مكثفة لجمع النفايات المتراكمة في الشوارع ومراكز الإيواء المؤقتة، والتي كانت تشكًل تهديداً صحيّاً وبيئيّاً خطيراً، خاصّةً مع تراكم أكثر من 150 ألف طن من النفايات في مختلف أنحاء المدينة. ثمّ الأولوية الثالثة وهي تصريف المياه العادمة، لا سيما في ظلّ تسرّب الصرف الصحيّ في عدة مناطق نتيجة تدمير شبكات الصرف ومحطات المعالجة. وأخيراً، ركّزت البلدية على فتح الطرق الرئيسة المغلقة بفعل القصف الإسرائيلي لتسهيل حركة المرور وإتاحة وصول فرق الطوارئ والإغاثة إلى المراكز الصحيّة بشكلٍ خاصّ، إذ دُمِّرت مئات الطرق بفعل القصف المستمر، غير أن هذه الخدمة شبه متوقفة حالياً بسب تدمير الاحتلال لمعظم الآليات الثقيلة اللازمة لهذا النوع من الأعمال.

شاحنة قمامة محترقة تابعة لبلدية غزة، بعد استهدافها من قبل جيش الاحتلال، 6 مايو/أيار 2024. (تصوير: عبد القادر صباح/الأناضول)

كيف أكلت منا الحرب؟

منذ بداية العدوان، واجهت بلدية غزّة تحدياتٍ غير مسبوقة ضربت بشكلٍ كبيرٍ قدراتها على تقديم الخدمات الأساسية. فحجم العدوان والقوّة الناريّة الهائلة، أثرّت على أعمال طواقم البلدية خاصّةً في الأسابيع الأولى للحرب. ومع انقطاع الكهرباء بشكلٍ كاملٍ منذ اليوم العاشر للعدوان، اضطرت البلدية إلى الاعتماد بشكلٍ كاملٍ على مولدات الكهرباء التي يصعب توفير كميات كافية من الوقود لتشغيلها. تزامن ذلك مع تدمير أنظمة الطاقة الشمسيّة والمولدات، مما أدّى إلى شللٍ شبه تام في تشغيل الآبار ومحطات المعالجة، وزاد من أزمة المياه والصرف الصحيّ.

كما دمر الاحتلال 127 آلية ثقيلة ومتوسطة من آليات البلدية التي كانت تستخدم في جمع النفايات وصيانة شبكات المياه والصرف الصحي، ما أدّى إلى شللٍ في تقديم الخدمات الأساسية. 

وشملت الأضرار نتيجة الاستهداف الإسرائيلي الممنهج تدمير 800 كيلومتر من الشوارع والطرق، و62 بئراً مركزيّاً من آبار المياه و90 ألف مترٍ من شبكات المياه، و8 محطات ومضخات للصرف الصحي و30 من المباني والمقار الإدارية، و165 ألف متر من شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، إضافةً لاقتلاع وحرق ما يزيد عن 55 ألف شجرة، هذا غير الدمار الذي لحق بالمراكز الثقافية والمكتبات ومراكز الأطفال والحدائق العامة والواجهة البحرية والجزر والميادين في مختلف أحياء المدينة.

آليات تابعة لبلدية غزة بعد أن استهدفها جيش الاحتلال عمداً ما تسبب تضررها بشكل كامل واحتراقها، في 6 مايو/أيار 2024. (تصوير: عبد القادر صباح/الأناضول)

إضافةً لكل الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمدينة، فقد تسببت الحرب في تفاقم الأزمات الصحيّة والبيئيّة، إذ تراكم نحو 150 ألف طن من النفايات في المدينة، وتسرّبت كميات كبيرة من الصرف الصحيّ إلى شاطئ البحر ومختلف أنحاء المدينة. كما وصلت بركة الشيخ رضوان إلى مستوى حرج، مما بات يشكّل خطراً على المناطق المحيطة بها في حال طفحها مع قرب موسم الأمطار1بركة الشيخ رضوان: أكثر المناطق انخفاضاً في مدينة غزّة، تتجمع فيها مياه الأمطار، تبلغ مساحتها حوالي 56 دونماً في القاع، وتستوعب حوالي 600 ألف كوب من المياه. تسرّبت إليها مياه الصرف الصحي إثر قصف الاحتلال الهمجي مما أدّى إلى تلوثها وتحوّلها إلى مكرهة صحية.، هذا غير زيادة الانبعاثات والدخان الناتج عن حرق النفايات وتراكمها. كل تلك الأزمات البيئية تسببت بانتشار الأمراض والأوبئة خاصّةً بين فئة الأطفال، كما أدّت إلى انتشار ملحوظ للحشرات والقوارض.

علاوةً على ذلك، تسبّب العدوان في نزوح ما يزيد عن 60% من طواقم البلدية إلى جنوب القطاع، مما أثّر على الكفاءة التشغيليّة للطواقم المتبقية وزاد من العبء والضغط عليهم، وأدّى إلى إنهاك الطواقم التي تعمل دون إجازاتٍ أسبوعيّة أو تلقي رواتب منذ بداية العدوان. وإلى جانب كل ذلك، أدّى انقطاع شبكات الاتصال والإنترنت إلى تعميق التحديات، فلم يعد سهلاً وأحياناً لم يعد ممكناً أن تتواصل البلدية مع طواقمها أو مع الأهالي أو مع الجهات الخارجية المختلفة.

على أكتاف الرجال

كل تلك الأعباء والهموم قامت على أكتاف 100 رجل في الأشهر الأولى من الحرب، من المهندسين والفنيين وعمال وسائقي الآليات الثقيلة، ثمّ مرت الأيام والتحق بنا المزيد من زملائنا ليصل العدد إلى 250 عاملاً في الطوارئ، ما يمثّل حوالي 15% من إجمالي موظفي البلدية قبل العدوان. وقد استشهد عدد منهم وهم على رأس عملهم.

اقرؤوا المزيد: "عن زاهر الحداد والاستغناء بالله عمن سواه".

وعلى الرغم من التحديات الهائلة، وأن هذه الحرب غير المسبوقة قد طالت كثيراً، إلا أن بلدية غزة وطواقمها ما تزال على رأس عملها، ببعض المعدات البسيطة وبعزيمة لا تلين، في سعيها الحثيث لتخفيف معاناة الناس الذين أرهقتهم الحرب وسحقتهم لأكثر من 365 يوماَ.

قد ينسى الناس أسماء الرجال الذين حملوا المدينة على أكتافهم لما أوشكت أن تسقط، وقد لا تُسجّل أسماء هؤلاء في كتب التاريخ، لكن وجه المدينة المتعب وحجارتها العتيقة ستحفظ فضلهم وتُخلّد جهدهم ومساهمتهم كواحدة من أهم التضحيات التي ستضاف لتاريخ غزّة المزيّن بالأمجاد على مدار التاريخ.