ما علاقة سيارات "البيك أب"، تلك التي اخترقت في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 السياجَ الفاصل قادمةً من غزّة نحو أراضينا المحتلة عام 1948، بالثورة الليبية؟
"حصلت عليها المقاومة من ليبيا"، هذا ما صرّح لي به مصدر مقرّب من حركة "حماس" في حديثٍ جمعنا مؤخراً. بحسب المصدر نفسه، بعد عام 2012 أُدخلت هذه السيارات إلى القطاع عن طريق التهريب من الحدود المصريّة، إذ كان الاحتلال يمنع دخولها من "المعابر الرسميّة"، كما هُرّبت أيضاً الكثير من الأسلحة من ليبيا.
وفي حديثٍ مع مصدر آخر، ليبي هذه المرة، وهو أحد ثوار مدينة بنغازي، والذي قضى في سجن أبو سليم أكثر من 8 سنوات، يقول إنّه بمجرد تحرير مدينة بنغازي من نظام القذافي في 20 شباط/ فبراير 2011، كان الثوار يفكرون بطرقٍ لدعم فلسطين، ودعم غزّة بالتحديد، وشجّعتهم على ذلك الثورة المصريّة، إذ أدركوا أنّه بسقوط نظام مبارك "انفتحت الحدود"، و"أصبحت غزّة بجانب امساعد"، وهي أوّل مدينة في الشرق الليبي.
في هذا المقال إطلالة على بعض ملامح هذا "الانفتاح في الحدود"، والكيفية التي ساهم بها ثوّار ليبيا في دعم مقاومة غزّة.
نُحرّر بلادنا وعيوننا على غزة
بحسب مصدرنا الليبي فإنّ نقل الأسلحة إلى قطاع غزّة بدأ في أيار/ مايو 2011، وقد ساهمت أكثر من كتيبة من كتائب الثوار في ذلك بعد تمكّنهم من السيطرة على بنغازي، أي أنّ كثيراً من تلك الأسلحة كانت عبارة عن غنائم استولى عليها الثوار من معسكرات القذافي. إضافةً إلى أسلحةٍ أخرى وصلت عبر السوق الإفريقي المعروف بأنّه "غنيّ" بالأسلحة.

وفقاً لمصدرنا فقد كان هناك فائضٌ في الأسلحة لدى الثوار في بنغازي، وبدأت جبهات القتال مع كتائب القذافي تبتعد عن المدينة مما جعل الثوار أكثر اطمئناناً لإرسال كلِّ ما يزيد على حاجتهم إلى غزّة، معتبرين أنّه "بالقليل يمكن أن نستمر في مقاومة القذافي".
ووفقاً لمحدثنا فإنّ أبرز من تولّى عمليات نقل السلاح كانت مجموعة مكوّنة من وسام بن حميد آمر كتيبة ليبيا الحرة، وخالد الخفيفي آمر إحدى كتائب الدروع، ومحمد العريبي الملقب ببوكا، وحسين الفيتوري، ومختار بورزيزه، وهم من عُرِفوا لاحقاً باسم مجلس شورى ثوار بنغازي. ثمّ يُعلّق: "كل الثوار كانوا متحمسين، ولكن هؤلاء يمكن القول إنهم تولوا العملية التنظيمية وتفاصيلها".
"إحنا نغير العالم"
كانت أغلب تلك الأسلحة المتجهة إلى القطاع تذهب من مدن الشرق درنة والبيضاء وطبرق والمرج وإجدابيا، بل وحتى من مصراتة في الغرب الليبي، إلى معسكر 17 الذي يقع مقابل جامعة بنغازي. يصف لنا المصدر الذي كان شاهداً على عمليات نقل الأسلحة، طريقة نقلها بالقول: "كانت السيارات تصطف داخل المعسكر، ولو تشوف كيف الشباب كانوا يحملوا في الأسلحة وفي الذخيرة، كانوا بقمة الحماس، كان حماس غير عادي"، كانوا يقولوا إن "إحنا نغير العالم".

عاد ليكمل حديثه: "الشباب كانوا يفكروا بفكرة الفزعة.. حنا نبو نفرغ لغزة وبسرعة، والله مش عارف شن نقولك لو حدث الطوفان وحنا بنفس الوضع، كان الكل يساهم في تعبئة السيارات بالذخيرة". ثم يُعلّق: "أخونا المصري كان عارف أنه هذه السيارات رايحه لغزة وكان يعمل بحماس وهمة قوية، وكان في واحد ثاني يعد القهوة للشباب لكن لما يكون في شغل تلاقاه أول واحد دخل ينقل أسلحة ويرتب فيها، يا راجل كانت روح جميلة".
ويضيف محدثنا أنّ مصريين كانوا يساعدونهم في ذلك، وأنهم كانوا يتعاونون في تصفيح السيارات وتجهيزها للسفر الطويل، إضافةً إلى ضباط ليبيين انشقوا عن نظام القذافي أثناء الثورة شاركوا في ذلك وأشرفوا على طريقة ترتيب وتخزين الأسلحة في السيارات، لتأمينها ونقلها بطريقة احترافية وصحيحة.
طريق السلكاوي.. من وإلى ليبيا
وكانت عملية نقل السلاح تتم عبر قوافل، تتكون القافلة من 10 إلى 12 سيارة محمّلة بالأسلحة. كانت السيارة الواحدة تخرج من بنغازي منفردة، ثم تمرّ عبر منطقة الأبيار، ثمّ إلى جنوب مدينة المرج، وعندما تصل إلى بداية الطريق الصحراوي تتجمع السيارات في قافلة واحدة.
تتجه القافلة بعدها عبر طريق تُعرف بطريق السلكاوي، وهي أقصر طريق تربط بين ليبيا ومصر. ومن المفارقات أنّها ذات الطريق التي سلكها الليبيون عندما هرّبوا السلاح من مصر إلى ليبيا لاستخدامه في مقاومة الاستعمار الإيطالي. وقد وضع الجيش الإيطالي وقتها أسلاكاً شائكة على ذاك الطريق في محاولة لمنع عمليات التهريب، ولذلك عُرِفَ باسم السلكاوي. ومن السلكاوي إلى جنوب شرق طبرق (الجغبوب) ومن هناك إلى واحة سيوة في مصر والاتجاه للجنوب أيضا لتجنب الطرق المأهولة.
أما طول الرحلة، فكانت تستغرق من 10 إلى 14 يوماً، وكانت مجموعات من الثوار تتناوب على ذلك، وعند عودة المجموعة إلى ليبيا تُقيم فيها من 12 يوماً إلى أسبوعين، ثمّ تخرج باتجاه غزّة مرّةً أخرى. يقول مصدرنا: "كان الشباب يجهزوا أنفسهم لرحلة 12 يوم، كانوا يضعون 4 خزانات للمياه، وكان معظم طعامهم الشوكولاتة، كانت تعطيهم طاقة، وكانوا يشيلو في المكسرات أشياء لي ما تفسدش من الشمس أو متخربش وفي نفس الوقت تغذي، وكانوا يستخدموا الثريا (جهاز اتصالات مرتبط بالأقمار الصناعية) باتصالاتهم".

أكد لنا المصدر أن الثوار كانوا شديدي الحرص على أن تتم عمليات تهريب الأسلحة بشكل سرّي خوفاً من انكشاف الأمر خاصّةً من قبل المخابرات الدولية التي انتشرت في ليبيا بعد الثورة. ويقول إنّهم أثناء رحلتهم تلك كانوا يتحركون ليلاً لتجنّب المراقبة وسهولة التنقل.
ويشير المصدر إلى أن الثوار كانوا يتعاونون مع أدلاء من مصر لعبور الصحراء المصرية، "كان الشباب يخافوا من الدليل اللي رح يطلعوا معهم الصحراء قد يُخترق [من قبل أجهزة الاستخبارات التي كانت تحاول رصد أي عمليات تهريب للأسلحة]، فما يستخدموش نفس الدليل أكثر من مرة، كل رحلة دليل جديد". وفي حال رُصِدَت القافلة فقد كانت السيارات تفترق للتمويه ثمّ تعود في نقطة معينة ليجتمع الثوار ويشقوا طريقهم عبر الصحراء من جنوب مصر متجهين شمالاً إلى سيناء، وما إن تدخل سيناء تكون قد وصلت رفح ومن هناك تصل غزة عبر الأنفاق.
من الطلقات إلى الصواريخ
تناول الإعلام الإسرائيلي عمليات نقل الأسلحة تلك، فقد ذكرت صحيفة معاريف في شهر يونيو/ حزيران 2011 أنه جرى تهريب كميات كبيرة من "الوسائل القتالية" من ليبيا إلى قطاع غزة، مشيرة إلى أن المقاومة الفلسطينية حصلت على المئات من صواريخ "غراد" القادرة على إصابة أهداف على مسافة بين 60 و70 كيلومتراً، وقذائف صاروخية قصيرة المدى، إضافةً لصواريخ بقطر 60 مليمتراً لمسافات قصيرة، وبنادق وذخيرة كثيرة. وزعمت الصحيفة أنّ صواريخ روسية قديمة مضادة للدبابات بيعت في الماضي لليبيا، ووصلت القطاع.

وجاء في تقرير لـ"بي بي سي" نشر العام الماضي أنّ "حماس" حصلت على رشاش سوفياتي قديم من طراز "دوشكا"، عيار 0.50، وأنّ كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري للحركة قد عدّلت السلاح وجهزته ليناسب شاحنة صغيرة ويشغله شخص واحد، وأنها قد تكون حصلت عليه من ليبيا. وفي عام 2016 ذكرت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، أنّ سلاحاً رشاشاً من طراز GSh-23L شوهد مع عناصر من القسام. وهو سلاح سوفياتي صنع عام 1965 مخصص بالأساس للطائرات الحربية والمروحية كرشاش تطلق منه النيران، ثم حُوِّل في عددٍ من البلدان العربية، أبرزها ليبيا، إلى سلاح يثبّت على قاعدة أرضية لإطلاق النار تجاه الأهداف الأرضيّة والجويّة.
وبحسب مصدرنا فإنّ أكثر ما كانت تحويه الصناديق هو طلقات الكلاشنكوف والآر بي جي، والعبوات الجاهزة. ومصدر آخر يشير إلى أنّ هناك مضادات للدروع وصواريخ وصلت كذلك إلى غزّة عبر ليبيا.
يُذكر أنّ حركة "حماس" افتتحت مكتباً لها في بنغازي بعد الثورة، واستمر عمله إلى بدء عمليات خليفة حفتر عام 2014، إذ اضطرت الحركة حينها لإغلاق المكتب والخروج إلى طرابلس. وهناك اعتقل عدد من أفراد الحركة، ثم صدرت ضدهم أحكام بالسجن لمدة تتراوح بين 17 إلى 22 عاماً، بتهم "تشكيل تنظيم سريّ وحيازة السلاح وتهريبه إلى غزّة". وبعد انطلاق معركة الطوفان، أفرج عنهم بوساطة تركية.