13 مارس 2020

حطام ومباهج.. عن شهوة الحرب الكبرى!

حطام ومباهج.. عن شهوة الحرب الكبرى!

عزيزي،

هل قرأت أخبار البارحة؟ هل قرأت أخبار اليوم؟ هل قرأت أخبار الموت المستشري، تارةً على هيئة وباء وتارةً على هيئة فزعٍ يفتّ العظام ويزلزل مؤشّرات البورصة؛ تارةً على هيئة مجنزرات محترقة تحت أزيز الـ"درونز"، وتارةً على هيئة مخيّمات بيضاء وسط البياض وقوارب مطاطيّة مثقوبة في عرض المتوسّط؟

ينام الموتى، أما الأحياء فيمعنون النظر في صورهم وينتظرون اندلاع الدبابير من أعشاشها حين يمسّها الدخان. هل ما زلت تلعق شفتيك وأنت تراقب أرجوحة أسعار النفط والذهب، وأنت تنتظر كساد الأسواق الكبير، وإفلاس البنوك وسقوط العروش تحت وطأة فيروس له تاج!

تجمعُ قشّ الأخبار الساخنة وتكوّمه بانتظار الشرارة: هدنة هشّة ثمّ طحنُ عظام مرتقب بين الروس والترك؛ شتائم من تحت الطاولة ثمّ اتهامات فوقها بين الصين وأميركا؛ لجنة إسرائيليّة لإعداد خرائط جديدة لحقل الألغام غربيّ النهر وشرقيّه؛ نتنياهو يغرز شجرةً يهوديّة في غور الأردن؛ قصف قاعدة عسكريّة في العراق وثلاثة قتلى من قوات التحالف (كم حالة ارتجاج في الدماغ!؟)؛ ذئب أزمة ماليّة يتفرّس في لحم لبنان، ثمّ في لحم الجميع؛ إبريقُ حسد يغلي بين الحفاة العراة العالة؛ محاولة اغتيال فاشلة في حارتكم؛ جيلٌ من الأيتام المسلّحين بالأطراف الصناعيّة. هل ما زلت تشمّ شواء النيران التي تطبخ الحرب الكبرى؟

***

هل قرأت أخبار البارحة؟ هل قرأت أخبار اليوم؟ بم تُفكّر وأنت تقرأ ما لا حيلة لك في تدبيره. قلتَ لي ذات ربيع: دخلت الشعوب إلى المعادلة. تقول لك اليوم نشرة الأخبار: خرجَتْ! أما المهاجر الأعظم فقد قال: ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً!

***

منذ اغتيال سليماني وصاحبه وأنت تلهج بالحرب الكبرى، بالمفرمة التي تستعدّ، وتعُدُّ الأيدي والأرجل التي ستدخل ولن تخرج. تقول لي: من الألف سيبقى مئة ومن المئة عشرة ومن العشرة واحد، ومن الواحد عُشْره! عذرتُك حينها، فأنت ابن المنطقة المنكوبة التي يتجوّل موتاها في صور الأحياء وأحياؤها في صور الموتى، يضحك أطفالها على أصوات القذائف، وينهض لاجؤوها المُتربون لوحاتٍ فنيّة تحت الشفق الأزرق. في هذه السورياليّة السوداء تشتهي وضوح الخطوط المستقيمة. في هذا النزف البطيء تشتهي موتاً ساطعاً.

كان حالك حال العاصف الراحل ممدوح عدوان: "هيئوا لي مجزرة/ هيئوا لي مشهداً يصلح للشعر/ لماذا تجهضون الشعر بالموت فرادى/ كلّ ما أطلبه منكم دمٌ يملأ هذي المحبرة/ صرتُ أستلهم إيقاعي من حشرجة القتلى وصار الذبح إلهاماً لشعري/ علّه يصبح أوضح!". "علّه يصبح أوضح"، ظللت تقول لي: هذا هو!

لاجئون سوريون
"تحت جنح الزُرقة". لاجئون على الحدود التركية/اليونانية. تصوير البراء حداد.

لم تكن وحدك القائم في ميدان هذا التشهّي، فقد تحمّس يوم الثالث من يناير أبناء العالم الأوّل، وذخّروا تغريداتهم على "التويتر" بوسم "الحرب العالميّة الثالثة WW3"، حتى خضبوا الأزرق السماويّ بالطين الأحمر. سئم لاعبو Call of Duty و Red Alert من افتراضيّة الحرب، وتجمهروا في انتظار صدور قوائم التجنيد الأميركيّة، حتى سقط موقع الحكومة الأميركيّة للتجنيد SSS تحت ضغط الزوار المترقّبين فزعاً أو حماسةً.

استنجدَتكَ أصواتُ الحكماء الهادئين: زهيرُ الثمانينيّ يعدّل عمامته ويقول "وما الحرب إلا ما علمتم وذقتُمُ . . . متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً"، وسيّدة الأحاجي واللانهايات الصغيرة فيسوافا شيمبورسكا تعتذر للحرب لأنّها تحمل الورود إلى البيت. ولكنّ جحيمك ابتلع ذلك كلّه في أقلّ من زفرة.

قلتَ لي: نحن المهانون، ماذا ننتظر غير الفوضى؟ ومم نخاف ولا شيء عندنا لنخسره؟ الحرب هي الممكن الوحيد للخروج الحقّ من هذه الدوامة من المراوحات الوغدة في المكان نفسه، من التقدّم خطوة والتراجع خطوتين.

هرولت فيكَ أبيات الجواهري:

تقحّم لُعنتَ أزيز الرصاص .. وجرّب من الحظّ ما يُقسمُ
أأوجع من أنّك المزدرى .. وأقتل من أنّك المُعدَمُ ؟
تقحّم من ذا يخوض المنون .. إذا عافها الأنكدُ الأشأمُ!

ذكرتُك بتوازنات القوّة واستراتيجيات الردع المتبادل، وحدّثتك عن سنّة العالم الحديث في تأجيل الأزمات، وعن توازن الرعب وعن مبدأ حرب الوكالة الذي يخطّ سطور حروب العالم منذ 1945. قلتَ لي: " فخ ثيوسيديس"، هذه حتميّة اللعبة: الصاعد والهابط لا بدّ أن يتناطحا، والدم سينسفك!1فخّ ثيوسيديس نظريّة في العلاقات الدوليّة تقوم على استقراء ما يحدث عند صعود قوى دوليّة جديدة تنافس القوّة القديمة. في الخمسمئة سنة الماضيّة، انتهت 16 محاولة لصعود قوى دوليّة جديدة إلى رأس الهرم إلى 12 حرب شاملة مع القوة الدوليّة السابقة.

صمتنا برهةً مشحونة. كنتُ أفكّر بالعواقب، وكنتَ تُفكّر بالنبوءات. أردتُ أن أسألك: ما الذي يضمن لنا أن نخرج سالمين؟ أن تعتدل كفّة الميزان؟ ألا نكون ضرام الحرب ووقودها وحسب، دون أن نخرج بمكسب؟ ولكنّك عاجلتني بالسؤال: هل تؤمن بالوعود ؟

أطفأت سيجارتك بحركتك المسرحيّة المعتادة، تضغط أعلاها بأصبعيك حتى تسقط الجمرة، ثمّ تقسو في تتبّع جمرتها بالدعس وأنت تتابعها بعينين نصف مغمضتين وملامح مشمئزّة. قلتَ لي وأنت وسط معمعتك: إنّهم يؤمنون!

عندما اتصل جورج بوش الابن ليقنع جاك شيراك بحرب العراق قال له بالحرف الواحد ليحسم تردّده: العراق، هؤلاء هم يأجوج ومأجوج الذين يريدون خراب "إسرائيل".2وقد ذكر ذلك الصحفي الفرنسي "كلود موريس" في كتابه "لو كرّرت ذلك على مسامعي فلن أصدّقه" عن مقابلة خاصّة أجراها مع شيراك، المذهول من "تخاريف" رئيس القوّة الكبرى في العالم. لا تقل لي إنّك نسيت أنّ ترامب هو قورش الأكبر، وأنّ مايك بنس كان كاثوليكيّاً ثمّ تحوّل إلى إنجيليّ، إنّه يؤمن بالعودة الثانية للمسيح على أنقاضنا. هل قرأت نصّ صفقة القرن! إنّهم يقلون بيض صراع الحضارات على شاشة المباشر يا عمي! وأنت تحدّثني عن التوازانات المؤقّتة. ألم يكن ما حدث كافياً ليقنعك بأنّ مبدأ السياسيّ هو الصديق والعدوّ، وأنّ الجيوسياسة ضحك على اللحى، وأنّ تشارك المصالح لا يُفسّر سماح روسيا لـ"إسرائيل" أن تلعب وتمرح فوق القصر الجمهوريّ، بينما تمنع أردوغان من اللعب في الحديقة الخلفيّة. إنّهم ما يزالون مغتاظين من خسارة القسطنطينيّة. إنّهم يتأهّبون للمعركة الكبرى، وأنت، وجماعتك، لم تحسموا موقعكم بعد، لأ أنتم إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء!

هل استطبتُ كلامك؟ لا أعرف. لم أجادلك بكلامٍ منهوبٍ من دفاتر العقل عن تكاثر النبوءات الخائبة، وعن ما تولّده سيكولوجيا الهزيمة من أوهام. تركت حجاجي واقفاً على ساق واحدة، وهمهمتُ: لقد انجنّ العالم!

فتحتَ نصف فم، وأغلقته. كنت ستقول: "بل الآن عقِل!". بدلاً من ذلك قلتَ: هات عقلك وأقران شكّك وتعال فكّر معي. ما الذي يمنع برميل البارود هذا من الإنفجار؟ درّب خيالك وفكّر، وستجد أربعة سيناريوهات أو خمسة لكي ينفجر الوضع. أنت تظنّ التاريخ نظاماً محكماً ومساراً خطّياً ودروساً وعِبَر، ولكنّ العالم مجنون كما قلتَ، ومجانينه يتربّعون على عروشه، والأحداث الصغرى ليست هوامش3راقب وجهك على المرآة وأنت تقرأ كتاب بروفيسور التاريخ الحربي ومراسل البي بي سي إلى الحروب، إريك دورتشميد، "العامل الحاسم: دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ".، إنّها تأتي إلى المتن بغتة "كلصّ في الليل". التاريخ قفزات مجنونة، خفيّة النظام، إنّه ماكر وزلق كسمكة كلّما أردت إمساكها أفلتت. لو أردتَ لقلتَ: كلّ شيء ممكن! ولو أردتُ لقلتُ: كلّ شيء سيأتي على قدره!

"وحين يأتي ذلك؟" قلتُ. أجبتني: حين يأتي، سيعود الوضوح إلى العرش، ستكفّ تخاريف الخبراء عن العمل، ستندلق سطول النظريات المنمّقة، وستشطف البداهات أرض الوعي: سنعود لنقول "فلسطين" و"أمّة" و"وحدة" و"عدو" و"نحن". هذا هو البدهيّ، هذا هو الطبيعيّ، ما يحدث الآن هو غير الطبيعي. أوه يا أسامة، لقد ظلّ مشروعنا منذ مئة سنة وأكثر هو اللحاق بركب الأمم المتقدّمة، لم يكن لحاقاً، كنّا مسحولين على الإسفلت يشوي جنوبنا. حينها سنقف ونشدّ السلسلة ونكركب مسيرة الأمم الأنيقة!

ثلاث نقرات على الطاولة. "ربما" قلتُ. أما أنت فضحكت، ضحكت طويلاً!