في كلّ مرة تُعلن الولايات المتحدة الأميركية أنها تريد الخروج من منطقتنا والتفرّغ للخطر الصيني، تجدُ أقدامها غائرةً مجدداً في وحل "الشرق الأوسط". وفي كلّ مرة تُعلن "إسرائيل" أنها تريد القضاء على الخطر وهو في بطن أمه، تماماً كما فعل فرعون مع بني إسرائيل، تتفاجأ بأن أخطاراً كثيرة وُلِدت من طغيانها.
هل دخلت أميركا الحرب من أجل "إسرائيل"، أم أن لديها أهدافها الخاصة؟ في هذه الحالة، لا يعود التفريق بين أميركا و"إسرائيل" مهماً، فأعداؤنا سبكوا وجودهم ومصالحهم وعقائدهم وانحطاطهم في حلف واحد. إنّهم مسكونون بهواجس دينية وشخصية لتدمير المنطقة، وبالنسبة إليهم، ليس من حق من يدعي انتماءً لإرث نبوي أن يمتلك إرادة مستقلة؛ هذا فحوى كلام وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث. إنه تحديد يشمل أمتنا كلّها من دون تفريق.
لقد دخلت المنطقة، بعد 28 شباط/ فبراير 2026، حقبة جديدة تُضاف إلى الحُقب الجديدة التي يسعى أعداؤنا في كلّ مرة لإدخالنا فيها. إنها حرب "تأديب الجغرافيا" وتغييرها، ومسح التاريخ، وإخضاع الشعوب؛ لضمان وأد أي صوت معارض أو بندقية تقاوم الحلم الصهيوني القديم المتجدد. القضاء على إيران هنا ليس الغاية النهائية، بل هو إزاحة لأكبر "عقبة" أمام توسع "إسرائيل الكبرى"، ونشر الفوضى في جغرافيا الإقليم بأكمله، لإعادة تشكيله وفق المصالح الأميركية-الإسرائيلية.
بينما تتسارع الأحداث ويتسع نطاقها، هذه ملاحظات نراها أساساً لقراءة المشهد:
أولاً: "إسرائيل" وسيادة المنطقة
تستبدل "إسرائيل" اليوم "نظرية المحيط" القديمة، التي كانت تبحث فيها عن حلفاء غير عرب في الأطراف، وتغذي الأقليات وحركات الانفصال، لضمان سيادتها عبر تفتيت محيطها، بنسخةٍ هجومية أكثر مباشرة. في هذه النسخة الجديدة، يحلّ احتلال السماء، وإسقاط الأنظمة وتغييرها، وإخضاع من تبقى محلّ سياسة الالتفاف القديمة.
الهدف هو تحطيم أي قوة إقليمية منافسة (إيران، تركيا، وصولاً إلى مصر وسوريا مستقبلاً)، وتحويل الدول المحيطة إلى مجرد "أطراف وظيفية" داخل نظام أمني تقوده "تل أبيب". ذلك أن الكيان المسخ، لكي يبقى، لا بدّ أن يمسخ محيطه معه، فالحالة الصحية حوله ستكون شهادةً على نشوزه.
اقرؤوا المزيد: الدولة القلقة.. سيناريوهات التهديد الوجودي لـ "إسرائيل"
أما رؤية نتنياهو لـ "سداسي التحالفات"، التي أعلنها قبل الحرب، فهي أن ترى هذه الدول المُتحالفة "الواقع والتحديات والأهداف بعين واحدة". إذاً، فليست رؤيته مجرد تكتل اقتصادي، بل هي عملية فرز سياسي عقائدي تهدف إلى محاصرة أي قطب يجرؤ على منافسة المركزية الإسرائيلية.

الحرب لن تتوقف عند حدود الجغرافيا الإيرانية، فالدور قادم على كلّ من يرفض الإذعان، تحت غطاء خطاب توراتي (مثل خطاب "محو العماليق") وعقائدي (مثل تسمية العملية بـ "درع يهودا") يُستخدم لتبرير التوسّع والبطش. وقد أعلنوها صراحة: بعد المحور الشيعي سنتفرغ للمحور السني. فقد صرّح نتنياهو بأن وظيفة التحالف الذي يعمل على تشكيله، هي مواجهة "المحاور الراديكالية؛ سواء المحور الشيعي الراديكالي الذي وجهنا له ضربات قوية جداً، وكذلك ضد المحور الناشئ - المحور السني الراديكالي".
نشأت "إسرائيل" كمليشيا، وهي اليوم تعود إلى منطق المليشيا من جديد. فثمة تيار كامل داخلها يرى أن الآباء المؤسسين قصّروا في إتمام المشروع الصهيوني، وأنهم لم يذهبوا به إلى نهايته. ويعتقد هذا التيار، أن واجب الجيل الحالي هو إكمال ما لم يُستكمل.
تتلاقى هذه النزعة مع تيارٍ موازٍ في الولايات المتحدة يحمل أحلاماً ورغبات وعقائد مشابهة، ولعلّ أوضح من عبّر عن ذلك مؤخراً، السفير الأميركي في "إسرائيل"، حين وافق على الطرح القائل إن "أرض إسرائيل" تمتد ـ وفق الوعد التوراتي لإبراهيم ـ من نهر النيل إلى نهر الفرات، قائلاً: "سيكون من الجيد لو أخذوها كلها".
ثانياً: "الإبراهيمية الجديدة" والممرّ الإلزامي
مشروع "الإبراهيمية الجديدة"، الذي وُلد في عواصم البحرين والإمارات، يُطرح بوصفه إطاراً لـ "الاندماج الهيكلي"؛ إذ يجري تذويب القضايا المركزية وتفكيكها، وعلى رأسها احتلال فلسطين والمسجد الأقصى، مقابل ارتهان تكنولوجي وأمني واقتصادي بـ "إسرائيل". ويتخذ هذا الارتباط عنواناً اقتصادياً واضحاً، هو الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، بحيث يصبح أي تمرد مستقبلي بمثابة "انتحار اقتصادي".

لقد تبيّن أن التطبيع في موجته الأولى لم ينجح في تأمين قبول شعبي واسع لـ "إسرائيل". ولذلك فالموجة الجديدة لا تكتفي بالتطبيع السياسي، بل تسعى إلى تغيير عقيدة الناس نفسها؛ تلك العقيدة التي بقيت حائط الصدّ الأخير في وجه قبول مشروع الغزاة. أمّا من لم تتغير عقيدته - وفق هذه الرؤية - فيجب سحقه.
من هنا يجري العمل على إعادة ربط المحيط بأكمله في نقطة مركزية واحدة: تل أبيب. ولتمرير هذا المشروع، لا بدّ أولاً من تصفية جيوب المقاومة العسكرية، واستخدام قوة مفرطة تصنع كيّاً للوعي الذي يُفكّر في المقاومة. وفي موازاة ذلك، يُدفع بالشيوخ الذين يعارضون هذا المسار إلى السجون (وهم هناك بالفعل)، فيما يُقدَّم للناس شيوخ آخرون. وتُبنى شبكة من الكتّاب والإعلاميين والمؤثرين لتشكيل المشهد الفكري العام، بحيث ندخل مرحلة "تصنيع البديهيات الجديدة" في وعي الناس، "يجعلون رزقهم أنهم يكذبون".
ثالثاً: ضحّوا بالخليج لصالح "إسرائيل"
لطالما اعتبر الخليج أن القواعد الأميركية تمثّل حماية له من العدوان الخارجي. ولأنه وثق بهذه الفكرة، أخذ ينفق ما تبقّى من ماله على صناعة الترفيه، بدلاً من تقوية نفسه للمواجهة.
اقرؤوا المزيد: القوة الأميركية العائمة
لكن ما حدث أن هذه القواعد نفسها تحوّلت إلى خطر عليه؛ إذ استُخدم الخليج كلّه جبهةً متقدمة للدفاع عن "إسرائيل"، وضحّت به واشنطن لصالح مستعمرتها الأثيرة: تل أبيب.

ولا يغيّر كثيراً من هذه الحقيقة تكرار القول إنّ الخليج لم يوافق على هذه الحرب، أو إنّ القواعد لم تُستخدم للهجوم. فالقواعد والقطع البحرية تعمل ضمن منظومات متكاملة: للإنذار والرصد والتصدي. وهي تحقق الفلترة الأولية للتهديدات، فتخفف العبء عن منظومة الدفاع الإسرائيلية عبر تحييد عدد كبير من الصواريخ والمسيّرات قبل وصولها، أو عبر تتبعها وإرسال البيانات حولها، ما يمنح الإسرائيليين بضع دقائق إضافية من الإنذار والاستعداد للاعتراض، فضلاً عن مساهمتها في إعماء عيون المسيّرات عن الرصد وجمع الأهداف.
اقرؤوا المزيد: وطنٌ من القواعد.. عن الوجود الأميركي بيننا
من هنا يصبح السؤال البديهي: ما الذي تفعله القواعد الأميركية في منطقتنا؟ وليس: لماذا استُهدفت تلك القواعد؟ إن محاولة التشكيك في البديهيات، وإعادة صناعة بديهيات جديدة، هي أحد أشكال صياغة الوعي الجديد الذي يُراد له أن يبقى غافلاً عمّا ينتظره.
يعنينا سلامة كل مسلم من أهلنا في أي بلد من بلادنا. ويزيد غضبنا على عدونا حين يدفع بكل مكان آمن في منطقتنا إلى أتون أغراضه الاستعمارية. لكن في ذلك أيضاً فرصة لانفجار الوعي؛ فهناك عدو مركزي يقف وراء هذا كله، وهي فرصة لليقظة والاستعداد جميعاً لمواجهته.
رابعاً: ما وراء ثنائية الفرح والحزن
هنا يبرز السؤال: كيف نستقبل هذه الحرب؟ إنّ المعركة اليوم تتجاوز "ثنائية الحزن والفرح". فجرائم النظام الإيراني حقيقة لا يمحوها قتاله لـ "إسرائيل"؛ لكن، في المقابل، لا ينبغي أن يتحول هذا الوجع إلى أداة توظفها أميركا و"إسرائيل" لتمرير مشاريعهما فينا. فالوقوع في فخ التشفي، والعجز عن الترفع عنه لرؤية طبيعة المعركة، هو تعامٍ عن الحقيقة الكبرى: أن الهجوم يستهدفنا جميعاً من دون تمييز، وأن إيران ولبنان بلادٌ مسلمة تواجه حرب وجودية على كل فردٍ فيها.
الحرب اليوم ليست على "محور" بعينه، بل هي حرب على أي إمكانية لسيادة "المسلم" في أرضه. فالعدو لا يفرّق بين نزيفنا في سوريا ونزيفنا في غزة؛ هو يريدنا مجرد جغرافيا مستباحة. وما يحدث اليوم في لبنان وطهران ليس سوى امتدادٍ لمنطق الاستباحة نفسه.

وقد اتخذ حزب الله في الجنوب قراراً شجاعاً بوضع حدّ لطغيان "إسرائيل" في بلده، وتجري معارك يومية بطولية هناك. ومثل هذا القرار اتخذه الإيرانيون أيضاً؛ إذ بدا للجميع، بحساب الكُلف، أن كلفة التأخر عن المواجهة أكبر بكثير من كلفة المبادرة.
إنّ واجب الوقت يفرض علينا "التفكير الجماعي" في مستقبلنا المشترك؛ وهذا يعني يقظةً سياسية، وتحرراً من التبعية الفكرية، واستعداداً جدياً لحرب وجودية ستطول. فإن لم نبنِ تحالفاً قادراً على التفاوض كمجموع، فسنُساق فرادى إلى طابور "الإخضاع الوظيفي"، وسيُستفرد بنا.
اقرؤوا المزيد: عرب جابوتنسكي وواجب الوقت
لكن هذه اللحظة قد تتحول أيضاً إلى فرصة تاريخية لاستعادة أنفسنا من رحم المقاومة. فثمة فرصة كبيرة وتاريخية، لانبثاق كتلة جديدة تتصدى للخطر القادم. غير أنَّ الشرط الأولي لهذا الانبثاق هو استشعار الخطر والمسؤولية تجاهه.
خاتمة
لم تبدأ الحرب اليوم، فقد كانت غزة بمثابة صرخة تحذيرية استباقية لما هو آتٍ. كانت غزة العضو الأكثر يقظةً واستشعاراً لمخاطر المرحلة القادمة، فبادرت بحربها الدفاعية عنا جميعاً. لكنها تُركت وحدها، ثم أكملوا هم حربهم.
نحن اليوم أمام معركة مفتوحة تسعى لفرض "السيادة المطلقة" لـ"إسرائيل"، ونهب خيرات الشعوب، وتغيير عقيدتها. وفي هذا النظام الجديد لا يحمي الحياد الضعفاء، ولا يبقى أمامنا إلا خياران: إما الذوبان في المشاريع الاستعمارية الجديدة، أو بناء "بديل سيادي" يعيد المعركة إلى تعريفها الأساس: حرب تحرير إسلامية ضد طغيان جزيرة إبستين على العالمين، متجاوزين استقطاباتنا المحلية والقطرية والطائفية، جامعين الناس على كلمة التوحيد التحررية؛ تماماً كما كان الأمر يوم انطلق في أول الأمر في مكة المكرمة.