24 فبراير 2026

بورصة "الذهب الأبيض"

بورصة "الذهب الأبيض"

تتهاوى الرواتب الشهرية للعاملين في مختلف القطاعات بالضفة الغربية إلى قاعٍ مسدود، في حين تقفز أسعار اللحوم البيضاء "الدجاج" إلى أعلى سقفٍ عرفه السوق منذ أشهر طويلة، لتغدو الوجبة الأرخص كلفةً، والأكثر حضوراً على المائدة الفلسطينية، عبئاً يصعب الحصول عليه. 

يتقاطع هذا الغلاء مع دخول شهر رمضان، الذي تزيد فيه كمّيات الاستهلاك اليومي للطعام، وذلك بعد عامين فُرض فيهما الدجاج بديلاً وحيداً عن اللحوم الحمراء في نمط الغذاء اليومي لمعظم الأسر الفلسطينية، بفعل الفارق السعري الواسع، فهو المكوّن الأكثر طواعيةً لدخل المواطن.

غير أن هذا "البديل" بات خارج متناول آلاف الأسر مع دخول العام 2026، إذ تضاعف سعر الدجاج بنسبة تزيد على 100% مقارنة بما كان عليه قبل أربعة أشهر فقط، حين تراوح سعره بين 8 و10 شواقل (3 دولارات تقريباً) بينما يلامس اليوم عتبة 20 شيقلاً (7 دولارات تقريباً) في موجة غلاءٍ ما تزال مرشحة للتصاعد.

اقرؤوا المزيد: كيف تتحوّل البنوك الفلسطينية إلى "بسطة"؟ حوار مع وليد حبّاس

هذه القفزة السعرية لا تنسجم مع واقع اقتصادي متراجع، في ظل وجود أكثر من 280 ألف عاطل عن العمل وفق أحدثِ إحصائيةٍ صادرةٍ عن جهاز الإحصاء الفلسطيني، إلى جانب أكثر من 200 ألف موظفٍ ومتقاعدٍ في القطاع العام (المدني والعسكري) يُصنَّفون فعلياً ضمن "أشباه العاطلين"، بفعل رواتب منقوصة (60%) لم تنتظم منذ أربع سنواتٍ.

ومع حقيقة أن 70% من العاملين لا يتجاوز دخلهم عتبة 3 آلاف شيقل، ولا يحصلون فعلياً إلا على ألفين منها، تُخصم منها التزامات شهرية لا غنى عنها، مثل فواتير المياه والكهرباء والمواصلات، والقروض البنكية، يغدو غلاء الدجاج أمراً يفوق طاقة المستهلك.

عفش البيت مقابل الدجاج! 

أمام هذا الانكشاف، يجد قرابة نصف مليون معيل أنفسهم عالقين بين بطالةٍ صريحة ودخلٍ مبتور، في مواجهة سؤالٍ معقدٍ عن تأمين الحد الأدنى من الغذاء، ومع خروج الدجاج - بوصفه المصدر الأخير من اللحوم للبروتين - من دائرة القدرة الشرائية، ينذر الواقع بتهاوي مستويات "الأمن الغذائي" إلى القاع.

أحمد عدوي، الذي انضم إلى جيش العاطلين عن العمل بعد طرده من الداخل المحتل إبان حرب غزة، يواجه رمضان بدخلٍ مرهون بـ "المياومة" المتقطعة، يقول لـ "متراس": "إذا في حاكورة، أرض، ورشة، أشتغل فيها أي إشي عند هالعالم، لكن غالب الأيام فش شغل، يعني غالب الأيام فش دجاج، خصوصاً أننا كنا نشتري الكيلو بـ 9 شواقل مش منظّف، واليوم صار الضعف، الدجاج صار كماليات مش أساسيات". 

ويضيف عدوي أنه احتاط في شهر رمضان من الأرز والعدس، اللذين يحويان كمّيات من "البروتين" ليعوّض "الفراقَ الذي سيحلّ بينه وبين اللحوم" حسب تعبيره.

أما المعلّم سعدي "أبو أحمد"، الذي يتقاضى نصف راتبٍ من الحكومة ويعيل أسرة من ثمانية أفراد، فقد أكد لنا أنه يأكل الدجاج بصورة شبه يومية، ويضيف: "لا تستغرب، صحيح أني معلّم بنصف راتب، لكنّي أعمل حلّاقاً بعد الدوام، وكنت قد ادّخرت بعض المال قبل الحرب حتى أبني بيتاً جديداً، لكن ظروف الحرب حالت دون ذلك، ومع الأوضاع الصعبة وانقطاع الرواتب، وغلاء الأسعار، قبل حوالي سنتين قرّرت أن أحول قطعة الأرض عندي لمزرعة دجاج". 

اقرؤوا المزيد: تسهيلات "سلطة النقد"؟ الرابح يبقى مَصرِفاً...

لكن نجاة "أبو أحمد" لم تكن ميسورة، فالمعلم الذي تحوّل إلى حلّاق ثم مزارع (ثلاثةٌ بواحدٍ كما يصف نفسه)، واجه خسائر متتالية في قطاع تربية الدواجن كادت أن تتركه في "مهبّ الريح"، ولولا "شبكة أمانٍ" من الأصدقاء والأطباء البيطريين وتجار الأعلاف، ما صمد في قطاعٍ يلفظ الصغار، إذ يؤكد الطبيب البيطري قيس العواودة أن "قطاع تربية الدواجن لا يصمد فيه إلا من يملك رأس مال، ومساحات زراعية، وأساليب تدفئةٍ للدجاج، ودرايةً بأمراض الصيصان وكيفية معالجتها".

وفي غرف المعلمين، حيث يتقاسم الزملاء خيبات "نصف الراتب"، يغدو حال "أبو أحمد" مثار غبطةٍ نادرة، ففي دوامٍ سبَق رمضان بيومين، أقسم له ثلاثةٌ من زملائه أنهم - رغم صرف الرواتب المنقوصة - لن يقووا على مجاراة إحضار الدجاج على موائدهم طيلة الشهر، نتيجة محدودية الدخل، هناك في غرف ومكاتب الموظّفين وزملاء أبو أحمد أُسْبِغَ على الدجاج لقب "الذهب الأبيض"، في حين استقر وصف لحوم الخراف بـ "الذهب الأحمر المستحيل".

في أحد المتاجر الكبيرة بمدينة الخليل كان الموظف الحكومي "عصام" يقف في أزمةٍ تشبه "الطابور" أمام قسم اللحوم ليشتري الدجاج، وعند سؤاله إن كان يملك ما يكفي لشراء الدجاج، ردّ عصام: "والله بعت عفش الدار حتى أوفر مصروف شهر رمضان ونشتري 5 كغم دجاج على العرض".

لعصام في ذمة الحكومة ديون تتجاوز 50 ألف شيقل، وهي مفارقةٌ فجة، إذ يقتاتُ الرجل "بما تيسّر" بينما يُحتجزُ له ما يكفي لشراء "مزرعة دواجن" حسب وصفه، ويقول: "مع الوضع الحالي، نحن بالكاد قادرون على شراء الدجاج". 

"إسرائيل" تحارب الدجاج

يتوقع الطبيب البيطري قيس العواودة أن يصل سعر كغم الدجاج إلى 25 شيقلاً (نحو 8 دولارات) بحلول منتصف شهر رمضان، هنا تبرز أزمة الغاز عاملاً رئيساً في هذا الارتفاع الفاحش، إذ يشخص العواودة لـ "متراس" جذور الأزمة قائلاً إن شحّ الغاز في الأسواق منذ نحو شهرين أدى دوراً بارزاً في هذا الارتفاع، "لأن الغاز ليس تفصيلاً ثانوياً في قطاع الدواجن، بل ركيزة أساسية في عملية التربية، يعتمد المزارع عليه في تدفئة الحظائر طوال دورة الإنتاج التي تمتد قرابة أربعين يوماً قبل الذبح".

خلال هذه الفترة، تحتاج "الصّيصان" إلى حرارة لا تقل عن 28 درجةً مئويةً، خاصةً في فصل الشتاء، ما يجعل أي اضطراب في إمدادات الغاز تهديداً مباشراً لاستقرار الكلفة والإنتاج. 

اقرؤوا المزيد: السرّ وراء اختفاء الخروف البلديّ

امتدّت الأزمات لتطال البدائل التقليدية، إذ أدى موسم الزيتون الماضي - الذي وُصف بالأضعف منذ عقد ونصف - إلى شُحٍّ حاد في "الجفت" (مخلفات الزيتون المعصور) المستخدم عادةً خياراً بديلاً وأقل كلفة للتدفئة، ذلك كلّه ضيّق الخيارات أمام المزارعين ودفعهم نحو تكاليف أغلى، انعكست بدورها على سعر الدجاج في السوق.

خلف ستارة شُحّ الغاز، تتقاطع حسابات "الطوارئ" الإسرائيلية مع ارتباك المالية الفلسطينية، إذ تكشف مصادر في قطاع المحروقات لـ "متراس" عن اضطرابٍ متعمد في التوريد من قِبل الاحتلال، الذي قلّص الكميات تارةً بدواعي التأهب الأمني أمام احتمالات التصعيد الإقليمي، وتارةً أخرى في سياق سياسة "التقطير".

لكنّ وجهاً آخر للأزمة يظل حبيس الغرف المغلقة، وحسب المصدر السابق، يتعلق الأمر بشبهاتِ امتناع وزارة المالية عن تحويل كامل قيمة فاتورة الغاز للاحتلال - رغم تسلُّمِها من أصحاب المحطات - واستخدام السيولة لسدّ فجواتٍ مالية أخرى، وبالتالي تنعكس الأزمة على المستهلك نتيجة انخفاض كمّية الوارد من الغاز.

اقرؤوا المزيد: مناطقُ "ج" .. خسائرُ مركّبة للفلسطينيّين

كما أن شحّ "الجفت" ليس مجرد انعكاس لموسم ضعيف بشكل طبيعي للزيتون، بل هو انعكاسٌ أدق لاستهداف الاحتلال عشرات آلاف الأشجار في الأراضي الفلسطينية المصنفة (ج)، ومع الاستيلاء على نحو 80 ألف دونم، ضاعت المزارع، ما أدى إلى انحسار التربية المنزلية، التي كانت تشكل صمام أمانٍ لكثير من العائلات.

يقول المزارع أبو أحمد: "تخيّل أن التصعيد الإعلامي بين إيران والاحتلال وأن ضعف موسم الزيتون، بيأثروا على سعر كغم الدجاج عندنا! والله حياتنا مبهدلة". 

رقابة بالاسم

يرجع الطبيب البيطري قيس العواودة انخفاض أسعار الدجاج أواخر العام الماضي إلى تدفّق دواجن وصيصان مهرّبة من المستوطنات والداخل المحتل إلى أسواق الضفة، ففي مناطق مثل مسافر يطا، تنتشر بؤر رعوية وزراعية تضم مزارع دواجن تفتقر إلى الرقابة، وتضخّ دجاجها في السوق الفلسطيني.

تدفق دجاج المستوطنين وإن ساهم مرحلياً في خفض السعر، فقد كان على حساب معايير السلامة وجودة المنتج، إذ يبين العواودة أن دافع التهريب من قبل المستوطن يتلخص في واحدٍ من سببين: إما تصريف دواجن تعاني مشكلات صحية، أو التخلص من فائض إنتاج في التفريخ، وذلك لا يكون بغير مشاركة جشعة من بعض التجار.

عمقت الفجوة الرقابية من قبل وزارة الزراعة خسائر المزارعين وأربكت السوق، يقول العواودة: "أسهم غياب الإشراف البيطري الفاعل في نفوق أعداد كبيرة من الطيور نتيجة أمراض لم تُشخَّص في الوقت المناسب من الجهات المختصة، ما انعكس مباشرة على حجم الإنتاج".

وأضاف: "خلال الشهرين الماضيين، ظهر متحوّر جديد من مرض نيوكاسل الذي فتك بأعدادٍ هائلة من الطيور، ما أحدث ندرةً حادة في السوق ورفع أسعار الدّجاج النّاجي من المرض". 

إلى جانب ذلك، يبرز عامل آخر مرتبط بارتفاع الأسعار، وهو الانخفاض الحاد الذي شهدته أسعار الدواجن قبل نحو خمسة أشهر، حين هبطت إلى مستويات ألحقت خسائر مباشرة بالمربين الصغار، إذ دفع هذا التراجع عدداً كبيراً منهم إلى العزوف عن إدخال دورات تربية جديدة، وهنا، يضع العواودة وزارة الزراعة أمام مسؤوليتها، إذ يغيب أي دورٍ تنظيمي يحدد احتياجات السوق الفعلي أو يوجّه المزارعين، ما يترك قطاع الدواجن نهباً لتقلباتٍ حادة: "خسائر تُحطم المزارع الصغير، وغلاءٌ يسحق المستهلك البسيط". 

اقرؤوا المزيد: التنمية الممنوعة على العرب: كيف فكّر القادري؟

وعند سؤالنا العواودة عن أهمّية تحديد كمّية الدواجن التي يحتاج إليها السوق، أجاب: "آلية التحديد ليست معقّدة كما قد يُعتقد، إذ تبدأ من ضبط كمية البيض المورّد إلى مفرّخات الدجاج"، ويضيف: "وزارة الزراعة مطالَبة بتقدير حاجة السوق الفعلية وإعلان نشرة يومية عن أسعار الدجاج، ومن ثم منح التراخيص للمفرخات لإنتاج عدد محدد من الصيصان يتناسب مع هذا التقدير".

وأوضح أن الواقع يفتقر إلى الرقابة والتنظيم، "وهنا نصبح أمام إنتاج يفوق حاجة السوق بكثير فيتسبب في انهيار الأسعار، أو إنتاج أقل من المطلوب فيقود إلى قفزات سعرية تضرب المستهلك مباشرة". 

وعلى مستوى السياسات المالية، يبرز "قانون الاسترداد الضريبي للقطاعات الزراعية والحيوانية" أداةً يجب تفعيلها، بما يشمل إعفاء مدخلات الإنتاج الأساسية من الضرائب، وفي مقدمتها الأعلاف التي تشكّل نحو 85% من تكلفة تربية الدواجن، لأن غياب هذا الإعفاء يرفع الكلفة التشغيلية على المزارعين، ويُترجم في نهاية المطاف إلى سعر أعلى على المستهلك.

اقرؤوا المزيد: لا أرض تُزرع ولا سوق يوظّف: أين ذهب عمال الضفة؟

ضعف دور وزارة الزراعة تفسّره مكانة الوزارة في قائمة الموازنة العامّة للحكومة للعام الماضي، فقد بلغت نسبة 0.82% من إجمالي الإنفاق الحكومي، ما يُضعف قدرتها على الرقابة، إذ إنها لم تصل إلى نسبة 1% على الأقل كما يقول العواودة، كما أن عدم انتظام صرف الرواتب في القطاع العام يزيد من تقلبات السوق، إذ يرتفع الاستهلاك طردياً مع السعر في فترات الصرف، التي تتباين بين بداية الشهر ومنتصفه أو نهايته.

في المحصّلة، يستقبل الفلسطينيون في الضفة شهر رمضان بمنافسةٍ حامية يتربّع فيها اللحم الأبيض على عرش غلاء الأسعار محققاً أرقاماً تُعدُّ من الأعلى عالمياً، وعوامل ذلك لا تحتاج إلى عناوين مستترة، إذ تتلخّص في "غياب الإدارة والرقابة، وهيمنة الاحتلال"، لأن قطاع الدواجن لا يمتصّ الصدمات حين يتلقّاها، بل يلقي بعبئها على كاهل المستهلك.