6 نوفمبر 2024

بعد سنوات من الخطف.. هل تعود "كتائب شهداء الأقصى"؟

بعد سنوات من الخطف.. هل تعود "كتائب شهداء الأقصى"؟

"بدنا نرجّع اسم كتائب الأقصى على الشارع.. ما في ضوء أخضر للقتال في فتح، بنقاتل بقرار فردي وغصباً عن فتح"، بهذه الكلمات الواضحة والمباشرة تحدّث الشاب محمد بديع (36 عاماً)، أحد مقاتلي "كتائب شهداء الأقصى"، الذراع العسكريّ لحركة "فتح"، خلال لقائه القصير مع "متراس". بديع، الذي اغتالته في تموز/ يوليو الماضي مُسيّرة إسرائيلية برفقة أشرف نافع "ازكيهم"، القائد في "كتائب القسام" - الجناح العسكريّ لحركة "حماس" في طولكرم، ختم حديثه بالقول: "فتح مخطوفة". فما هو تاريخ هذا الخطف؟ وكيف يحاول بعضٌ من شباب الحركة استعادة تاريخها النضاليّ؟ 

كيف قُضي على كتائب الأقصى؟

كان الإعلان الرسميّ عن "خطف فتح" -بحسب تعبير الشهيد بديع- من خلال مرسومٍ رئاسيّ أصدره الرئيس محمود عبّاس عام 2007 قاضياً بحلّ "كتائب شهداء الأقصى"، وذلك تتويجاً لجهود السلطة الفلسطينيّة في إنهاء النشاط العسكريّ لانتفاضة الأقصى وطي صفحة مشاركة الكوادر الفتحاويّة فيها، وبعد عدة محادثات ومؤتمرات جمعتها مع سلطات الاحتلال، وضمن جهود ما سُمّي "إصلاح الأجهزة الأمنيّة" وانتهاج نهج السلام الاقتصاديّ. 

كان التوجّه نحو القرار الرسميّ بحلّ الكتائب قد بدأ قبل ذلك برفع الغطاء السياسيّ والتنظيميّ عنها، ووقف تمويلها وتفريغ بعض أفرادها في الأجهزة الأمنيّة للسُلطة. ساهم في تسهيل تطبيق ذلك أنّ الخلايا التابعة للكتائب كانت مُنهكةً بالأصل بفعل الاغتيالات والاعتقالات الإسرائيلية خلال أعوام الانتفاضة.

أما من رفض القبول بقرار الحلّ وإلقاء السلاح فقد لُوحِق بالاعتقال والتهديد، ثم تُرك أمره لـ"إسرائيل". مثال ذلك ما حصل مع "فرسان الليل" في نابلس، الذين رفضوا إلقاء السلاح واستمروا بالحدّ الأدنى من العمليات إلى أن استشهدوا جميعاً وهم يقاتلون. 

بعد حلّها، اقتصر حضور الكتائب على حوادث معينة من خلال توظيفها لصالح أجندة السلطة الفلسطينيّة، كمشاركة بعض أفرادها فيما سُمّي بـ "الفلتان الأمنيّ" وما يترتّب عليه من إثارة الفوضى وبثّ الخوف بين الناس، فيكون ذلك مبرراً لمصادرة السلاح ومحاربة "حماس"، خاصّةً بعد الحسم العسكريّ في غزّة، كما استُخدم بعض أفرادها في إطار تصفية الحسابات الداخليّة بين قادة الحركة.

النفق الذي بدأ في جلبوع وانتهى في جنين


بعد انطلاق معركة "طوفان الأقصى"، بتنا نسمع مسمّياتٍ كثيرة لمجموعاتٍ مسلّحة تنشط في أماكن مختلفة من الضفّة الغربيّة، كثيرٌ منها يُعدّ أفرادها من المقرّبين لحركة "فتح". يمكن إحالة تاريخ ظهور التشكيلات إلى معركة "سيف القدس" في أيار/ مايو 2021. خلال تلك الفترة، شهدت الضفّة تصاعداً في عمليات إطلاق الرصاص على مواقع جنود الاحتلال. 

ولكن بعد ثلاثة أشهر من "سيف القدس"، بدا أنّ الأمور عادت إلى حالة الهدوء في مختلف أنحاء فلسطين، حتى جاءت عملية "نفق الحريّة"، بفرار 6 أسرى عبر نفقٍ حفروه أسفل سجن جلبوع، منهم قادة في الجهاد الإسلامي، وأحد أبرز قادة "كتائب شهداء الأقصى"، الأسير زكريا زبيدي.

عندما كان الاحتلال يبحث عن المجموعة الفارّة من السجن خرجت في مخيّم جنين مجموعةٌ مسلّحة قليلة العدد، يقودها الشهيد جميل العموري أحد قادة سرايا القدس، لتُبدي استعدادها احتضان الأسرى الفارّين والدفاع عنهم بالنار والحديد. 

مقاومون من كتائب شهداء الأقصى وهم يحملون أسلحتهم خلال عرض عسكري في مخيم بلاطة للاجئين شرقي نابلس، في تموز 2023. (تصوير: ناصر اشتيه/SOPA Images/LightRocket)
مقاومون من كتائب شهداء الأقصى وهم يحملون أسلحتهم خلال عرض عسكري في مخيم بلاطة للاجئين شرقي نابلس، في تموز 2023. (تصوير: ناصر اشتيه/SOPA Images/LightRocket)

بعد بحث مضنٍّ اعتُقِل الأسرى مجدداً، لكن تلك المجموعة التي حملت اسم "كتيبة جنين" استمرت ونشطت في استهداف الحواجز العسكريّة لجيش الاحتلال في منطقة جنين، حتّى بعد اغتيال قائدها العموري رفقة اثنين من أفراد الأجهزة الأمنية هما أدهم ياسر عليوي من نابلس، وتيسير محمود عيسة من جنين.

هذه الحالة الجديدة التي بادرت إلى تأسيسها "سرايا القدس" متجاوزةً التشرذم الفصائليّ بضمّها مقاتلين من مختلف الفصائل الفلسطينية، تمدّدت ونُسِخَت تجربتها سريعاً في بقية محافظات الضفّة، فانطلقت كتائب عدّة مثل "كتيبة نابلس" و"كتيبة طوباس" و"كتيبة طولكرم"، وضمّت مقاتلين وقادة سابقين من شهداء الأقصى إلى جانب مقاتلين من بقية الفصائل. 

اقرؤوا المزيد: "لا تُطلقوا رصاصكم في الهواء.. من هي كتيبة جنين؟".

بالإضافة إلى ذلك، كانت تنتشر خلايا ومجموعات مسلّحة جديدة حملت اسم "كتائب شهداء الأقصى" في محاولة لاستقطاب المزيد من المقاتلين من الحواضن الشعبيّة لحركة "فتح"، خصوصاً تلك المتمردة على إرادة المستوى السياسيّ للسلطة، والخارجة عن دائرة الانتفاع. وقد اشتبكت بعض تلك المجموعات مع أجهزة أمن السلطة التي اعتبرتها "خارجة عن القانون"، وذلك في عدة حوادث في نابلس وجنين.

طوفانُ المجموعات المسلحة

بعد انطلاق معركة "طوفان الأقصى"، تزايد ظهور المجموعات التي حملت إلى جانب اسمها اسمَ "شهداء الأقصى"،  كـ"طلائع التحرير" في نابلس، ومجموعة "الردّ السريع" في طولكرم، ومجموعة "ليوث المجد" في قلقيلية.

نفّذت هذه المجموعات عمليات اشتباك وتصدٍّ لاقتحامات جيش الاحتلال، وبالرغم من تواضع تلك العمليات لكنّها دفعت بوحدات الاحتلال الخاصّة والمُسيّرات الإسرائيليّة لعمليات ملاحقة موسعة أدّت إلى اغتيال قادة تلك المجموعات وعدداً من عناصرها.

ومن عمليات الاغتيال تلك، ما وقع مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، عندما اقتحم جنودٌ من جيش الاحتلال مدينة نابلس متنكرين بزيّ مدنيّ ولاحقوا سيّارةً فيها. أعلن الجيش بعدها اغتيال أربعة مقاومين، هم عصام الصلاج قائد كتائب شهداء الأقصى في مخيم بلاطة (ما يُعرف بـ"شباب الثأر والتحرير") ، وعبد الصرفندي قائد كتيبة مخيم عسكر، ومقاومين آخرين هما نعيم عبد الهادي، وسليم أبو سعدة.

من "الفلسطيني الجديد" إلى "المقاوم الجديد"

لم تقتصر هذه العودة لبعض شباب "فتح" على الانخراط في المجموعات والتشكيلات الجديدة، بل أيضاً بادر بعضهم لتنفيذ عمليات نوعيّة على طريقة "الذئب المنفرد" أو "المقاوم الجديد" كما أسماهم الشهيد صالح العاروري. وبرز من بين هؤلاء أبناء "فتح" ممن ينتسبون للأجهزة الأمنيّة. 

اقرؤوا المزيد: المقاوم الجديد.. من بزّة الجهاز الأمني إلى بزّة الفدائي

من بينهم مجاهد كراجة (32 عاماً) الذي كان عنصراً في أمن الرئاسة، وقد هاجم في آذار/ مارس 2024 حافلة للمستوطنين على مفترق مستوطنة "دوليف" غرب رام الله، موقِعاً قتيلاً وسبع إصابات، ثمّ واصل الاشتباك مع قوات الاحتلال لأربع ساعات متواصلة إلى أن استشهد. 

ومنهم أيضاً الرقيب في جهاز الأمن الوطنيّ محمد السعدي الذي فتح النار بعد أيام على عملية كراجة باتجاه حافلة للمستوطنين في منطقة الأغوار، ما أدّى لإصابة ثلاثة منهم، وقد اعتقل بعد مطاردة استمرت لـ72 ساعة. وكذلك محمد يوسف مناصرة، الضابط في جهاز الشرطة الذي فتح النار في محطة وقود قرب مستوطنة "عيلي" جنوب نابلس، فقتل مستوطنيّن  ثمّ استشهد لاحقاً.

ورغم كثافة برامج هندسة الوعي وصناعة "الفلسطينيّ الجديد"، إلا أنّ السنوات الأخيرة، حتى قبل الطوفان، لم تخلُ من تجارب عديدة لعناصر من الأجهزة الأمنية ممن خرجوا عن عباءة السلطة الفلسطينيّة ونفّذوا عمليات ضدّ الاحتلال. عام 2015 مثلاً أطلق الشرطي محمد ماهر حامد من سلواد شمال رام الله النّارَ على قوّة للاحتلال خلال مواجهات شهدتها البلدة، وبعد يومين اعتقلته أجهزة الأمن الفلسطينية وحكمت عليه بالسجن لعشر سنوات.

مقاومون من كتائب شهداء الأقصى وهم يحملون أسلحتهم خلال عرض عسكري في مخيم بلاطة للاجئين شرقي نابلس، في تموز 2023. (تصوير: ناصر اشتيه/SOPA Images/LightRocket)
مقاومون من كتائب شهداء الأقصى وهم يحملون أسلحتهم خلال عرض عسكري في مخيم بلاطة للاجئين شرقي نابلس، في تموز 2023. (تصوير: ناصر اشتيه/SOPA Images/LightRocket)

كانت تلك العملية فارقةً من حيث أنّ فرداً من أجهزة أمن السلطة جرى تدريبه لقمع الناس في الضفة وملاحقة المقاومين، قد شارك في مقاومة الاحتلال، بل ونقل المواجهة التي كانت تشهدها سلواد من الحجارة إلى مستوى الاشتباك بالنار ثمّ الانسحاب.

توالت العمليات التي نفّذها منتسبو الأجهزة الأمنية بعدها، مثل: عملية الشهيد مازن عريبة في كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه، حين أطلق النار على جنود الاحتلال على حاجز حزما شمال القدس، وأسفر ذلك عن إصابة جندي واستشهاد الشاب؛ وعملية "بيت إيل" نهاية كانون الثاني/ يناير 2016 التي نفّذها الشرطي أمجد السكري من بلدة جماعين جنوب غرب نابلس، وأطلق فيها النار على حاجز "بيت إيل" ما أدّى لاستشهاده وإصابة ثلاثة جنود إسرائيليين.

وفي هذه الأيام ثمّة مشاركة أخرى تجري خلف الكواليس، تحاول السلطة ضبضبتها، مثل توفير شباب محسوبة على الأجهزة الأمنية الذخائر للمقاتلين واحتضان المطاردين في منازلهم وفي مقار الحركة، حتّى تعرض بعضها للتدمير كما حدث في مخيم بلاطة الذي تعرض للقصف والتفجير عدة مرات. 

من جهة ثانية،  انخرطت الحواضن الشعبيّة لحركة "فتح" سيما الأشبال في مساعدة المقاتلين بتغطية الشوارع بالشوادر لتمويه طيران الاحتلال، وفي أنشطة الإرباك ورصد الجيش ومتابعة تحركاته، وفي أنشطة تصنيع العبوات الناسفة والأكواع المتفجرة.

ما كانت ردّة فعل السلطة؟

هذا النشاط المتنامي في أوساط حواضن حركة "فتح" ونزوع شبابها نحو المواجهة المسلحة، شكّل قلقاً لأجهزة الاحتلال لاعتباراتٍ كثيرة، منها الخوف من انتشار الحالة بين عناصر الأجهزة والتخوّف من تحرك الكتلة التي بدت لسنوات أنها ملجومة.

في الجهة المقابلة، أخذت السلطة المبادرة عن الاحتلال وحاولت أجهزة الأمن التابعة لها تحييد مقاتلي شهداء الأقصى من المعركة بالترهيب من الاغتيال الإسرائيلي أو بمحاولة تشويه صورتهم وإلصاق التهم بهم، مثل تهمة "الزعرنة" وغيرها من الأساليب التي سبق واستخدمتها ضد من رفض قرار حل الكتائب عام 2007.

وفي هذا السياق، تؤكّد مجموعة "محامون من أجل العدالة" الحقوقيّة في حديث مع "متراس" أنّ من بين المعتقلين السياسيين لدى أجهزة أمن السُلطة هذه الأيام أفراد من "فتح" وآخرين من منتسبي الأجهزة الأمنية من الذين انخرطوا على مدار العامين الماضيين في الحالة الوطنيّة في الضفّة.

لا تملك المجموعة أرقاماً دقيقةً حول عدد أولئك المعتقلين، لكن بالعموم يُعرف أنّه قد وُجّهت لهم تهم متنوعة مثل حيازة سلاح بدون ترخيص، وجمع وتلقي أموال لجمعيات غير مشروعة، وفي بعض الأوقات توجّهت تهم الذم والقدح الواقع على السلطة وإثارة النعرات العنصرية. مع الإشارة إلى أن بعض المعتقلين من طلاب الجامعات تعرّضوا للتعذيب وسوء المعاملة.

وعادةً ما يهدف توجيه التهم إلى تمديد التوقيف دون إحالة القضايا إلى المحاكم للبت فيها. إضافةً إلى ذلك، فإن هناك من اعتقلوا لدى الأجهزة الأمنية داخلياً أو لدى جهاز الاستخبارات، ولا معلومات واضحة عنهم لدى "محامون من أجل العدالة".

مقاومون من كتائب شهداء الأقصى وهم يحملون أسلحتهم خلال عرض عسكري في مخيم بلاطة للاجئين شرقي نابلس، في تموز 2023. (تصوير: ناصر اشتيه/SOPA Images/LightRocket)
مقاومون من كتائب شهداء الأقصى وهم يحملون أسلحتهم خلال عرض عسكري في مخيم بلاطة للاجئين شرقي نابلس، في تموز 2023. (تصوير: ناصر اشتيه/SOPA Images/LightRocket)

استخدمت السُلطة كذلك أسلوب الترغيب مع هذه الفئة، كتقديمها عروض وتسويات مثل شراء بنادقهم وتعويضهم عنها بمبالغ مالية، أو الحصول لهم على "عفو" من الاحتلال. نجحت تلك العروض في تحييد بعضهم بالفعل، وفشلت مع آخرين خصوصاً في المخيمات، فتولى الاحتلال مسؤولية تصفيتهم بنفسه عبر الاغتيال الميداني أو بالطيران، خوفاً من تمدد الحالة بين أجهزة السُلطة خاصة أنهم مدربين عسكريّاً ومقاتلين سابقين في المقاومة.

وامتدت هذه الملاحقة خارج فلسطين؛ إذ حاول الاحتلال مطلع الشهر الماضي اغتيال منير المقدح القيادي في كتائب شهداء الأقصى في لبنان، ما أدّى إلى استشهاد زوجته ونجله حسن، وتمكن قبلها من اغتيال شقيقه القيادي في فتح خليل المقدح. وقالت شهداء الاقصى في بيان إن خليل المقدح اغتيل، بينما كان يقوم بواجبه النضالي ضمن معركة طوفان الأقصى.

على مدى سنوات طويلة أعقبت انتفاضة الأقصى، جرى العمل بشكل مكثّف على وأد أي مظهر عسكري مقاوم لحركة فتح وإبعاد جناحها العسكري عن إرثها النضالي، ودفعت الكثير من الأموال للسلطة لتقوم بهذه المهمة.  وأخذ الاحتلال كذلك طوال هذه السنوات دوره من خلال سياسة "جز العشب" وغيرها. 

لكن ومع كل هذه السياسات، كان يخرج من بين حالة السكون من ينفذ عملية فدائية ويذكّر الاحتلال والسلطة، أنّ من ظنّوا أنّه أُميت ضميره قد عاد من جديد. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت تلك الدماء المتجددة ستؤدي إلى ولادة جديدة تعيد "فتح" إلى مسارها الذي ولدت لأجله واكتسبت شعبيتها منه.