17 ديسمبر 2024

من الطوفان إلى ردع العدوان.. ماذا ينتظر منطقتنا العربية؟

من الطوفان إلى ردع العدوان.. ماذا ينتظر منطقتنا العربية؟

تشهد المنطقة العربية منذ انطلاق طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عهدًا من المفاجآت: الأولى كانت طوفان الأقصى ذاته، والثانية كانت رد فعل "إسرائيل" بحرب الإبادة، والثالثة الشراكة الأميركية الغربية الشاملة فيها، والرابعة قابلية المجتمع الإسرائيلي لتحمل كل هذه الخسائر. أما المفاجأة الخامسة، فكانت انقلاب جبهة الإسناد اللبنانية إلى حرب شاملة يفتحها الاحتلال بكل ما فيها من مفاجآت، والسادسة والأحدث حتى الآن كانت عملية "ردع العدوان" التي أطلقتها قوى الثورة السورية وانتهت بإسقاط نظام الأسد في 11 يومًا.

هذه المفاجآت جميعها تفرض اليوم واقعًا جديدًا لا بد من محاولة قراءة مقتضياته، وتبنّي الموقف الصحيح منها رغم ما يحفّ هذه المحاولة من مخاطرة.

المنطقة العربية في خطوط الصراع الأربعة 

تدور في منطقتنا اليوم ثلاثة خطوطٍ أساسية من الصراع تتفاعل معًا وتفرز موازين قوىً جديدة باستمرار، تأتي تحت مظلة خط رابع للصراع العالمي:

الأول: خط الصراع مع المشروع الصهيوني، الذي مر على فتحه 107 سنوات حتى اليوم وما يزال مفتوحًا، وقد مرّ هذا الصراع منذ عام 2000 بموجتين من محاولات الحسم: الأولى مع شارون وبوش في عملية السور الواقي عام 2002، وحرب لبنان عام 2006، ثم حرب غزة الأولى عام 2008-2009، وانتهت إلى فشل الحسم مع شبه توازن متفاوت الساحات، لتتجدد موجة الحسم من جديد في محاولة ثانية يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ عام 2017، وهي موجة نعيش في أتون مواجهتها والتصدي لها.

الثاني: خط الصراع بين إرادة الشعوب المقهورة والسلطات المركزية في الدول القطرية المنحلة عن الدولة العثمانية، والتي قسمها الاستعمار وأنشأ فيها استعمارًا جديدًا وسلطاتٍ تمثل الخارج أكثر مما تمثل إرادات شعوبها، قامت ضدها في القرن الحالي موجتان من ثورات الرفض التي كانت تعرف ما لا تريد ومقولتها الرئيسة "إسقاط النظام" أيًا كان البديل. طالت الموجة الأولى تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين ما بين عامي 2010-2012، والموجة الثانية طالت السودان ولبنان والعراق والجزائر على مدى عامي 2018-2019. في مقابل ذلك، تشكلت الثورة المضادة بعنوانها: إجهاض الإرادة الشعبية وكيّ وعي الشعوب حتى لا تحاول تحقيقها. وكان تكتيكها أن تثبت للشعوب بالتجربة أن ما بعد الثورة أسوأ مما قبلها حتى لا تعود خيارًا.

اقرؤوا المزيد: هل تنجح "إسرائيل" في تغيير وجه المنطقة؟ 

الثالث: خط الصراع على النفوذ الإقليمي وله ثلاثة أقطاب: "إسرائيل" ممثل حصري للإرادة الغربية؛ وإيران مع قدرتها على التمدد العابر للحدود مستفيدة من ثورتها الإسلامية ومقولة ولاية الفقيه التي تمكنت من تجديد الفاعلية السياسية للمكون الشيعي الاثني عشري من الأمة، ومفهوم أمنها المتقدم الذي اشتقته بعد الحرب مع العراق أن تدعم أو تؤسس تنظيمات ما دون الدولة لتخوض بها الصراع مع الغرب خارج حدودها إضافة إلى مشروعها النووي؛ وتركيا مع أدوات السياسة الناعمة مستفيدة من خصوصية أيديولوجية لحزبها الحاكم باعتباره تجديدًا منبثقًا من رحم الإخوان المسلمين، ومن إرث تاريخي باعتبارها عاصمة آخر دول الخلافة الإسلامية ومن أبعاد اقتصادية وتكنولوجية. على هامش مشاريع النفوذ الثلاثة، كانت الدول العربية الواقعة تحت النفوذ الأميركي تتحرك في خطوط متعاكسة محاولةً تحويل فائض الثروة واقتصاد الريع إلى قيمة سياسية بحد ذاته، وهو ما لا يبدو مهمة قابلة للنجاح منطقيًا، ما جعلها فعليًا هوامش على خط الصراع الإقليمي.

أما الرابع: التغيير المستمر في النظام الدولي والذي كانت الخطوط الثلاثة السابقة تجري تحت مظلته، إذ ينتقل النظام العالمي من أحادية قطبية أميركية إلى تعددية قطبية ما تزال في طور التشكل، تحتفظ فيها الولايات المتحدة بموقع القطب الأول مع خلخلة لصالح أقطابٍ أخرى أقربها الصين وأبعدها روسيا، مع احتمالية قريبة لدخول قطب عالمي رابع هو الهند، ما أنشأ اختلالات تفرز حالة فوضى عالمية متزايدة.

أمام هذا المشهد المركب لخطوط الصراع التي تتقاطع أحيانًا، ويميل كل منها إلى إعادة تعريف الآخر في إطاره، نشأ محور المقاومة على خط الصراع الأول مقابل الصهيونية من الناحية النظرية، في حين كان يحقق جزءًا كبيرًا من حضوره على خط الصراع الثالث للنفوذ الإقليمي عمليًا، وفي طريقه إلى هناك بات طرفًا كذلك في خط الصراع الثاني بوأد الثورات في الدول التي تقع تحت نفوذه في خط الصراع الثاني وهي العراق وسوريا ولبنان، في حين كان معنيًا بإنجاح تلك الثورات في البحرين واليمن. 

اختبار الطوفان..  

ما فعله طوفان الأقصى عمليًا أنه اختبر محور المقاومة في مهمته النظرية، فجرّه إلى تكريس معظم قواه إلى خط الصراع مع الصهيونية بكل ما يقتضيه ذلك من أثمان، وهذا فرض بالضرورة تقليل قدرة المحور على التركيز في خطّي الصراع الثاني والثالث، وأمام الطبيعة الرخوة للمحور وعدم تحوله إلى حلف، فإن طوفان الأقصى كان قرارًا من حماس اختبر جاهزية بقية المحور.

نتج عن ذلك في لبنان استجابة فورية من "حزب الله" الذي فتح جهدًا عسكريًا عرّفه بـ "جبهة إسناد" في الثامن من أكتوبر 2023، انتهى إلى حرب إلغاء شاملة عليه بمجرد تمكن جيش الاحتلال الإسرائيلي من نقل تركيزه النسبي عن غزة والضفة، كان من الواضح فيها أنه ينفذ حرب تصفية معدة مسبقًا وبعناية، وكان طوفان الأقصى هو الذي فعّلها وليس من أنشأها. ورغم الهجوم المباغت الكبير والخسارة البشرية والمادية المؤلمة والنوعية، تمكن الحزب من التماسك والرد والتصدي للتوغل البري، وصولًا إلى هدنةٍ وضعت الإسرائيليين في أفضلية عن الوضع الذي كانوا فيه بعد حرب عام 2006. بناء على ذلك، فإن "حزب الله" اليوم أمام تحديات متعددة بدءًا من كيفية ترميم نفسه وحاضنته من آثار الحرب، وكيفية التموضع مع انقطاع خطوط الإمداد البري وزيادة وطأة الرقابة الأميركية على لبنان، وكيفية حماية الذات بما يحفظ موقع جبل عامل باعتباره قوة مقاومة تتمكن من حماية نفسها من التغول الإسرائيلي وتؤدي دورًا في مواجهته، خصوصًا أنه كان سباقًا إلى فرض نماذج استلهمت في الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 وفي حرب عام 2006.

اقرؤوا المزيد: هل يخوض "حزب الله" معركة أعمدة؟

أما في سوريا حيث تتقاطع خطوط الصراع الأربعة بحدة، فقد أدى الصراع الدولي إلى انشغال روسي مركزي في حرب أوكرانيا، بينما أدى طوفان الأقصى وسلوك النظام السوري إلى سحب كثير من الحضور الإيراني وفواعل ما دون الدولة المنخرطة معه، وأدت حرب الإلغاء الإسرائيلية على "حزب الله" إلى سحب قدر كبير من قواته، ففتح هذا بوابة تاريخية لاختلال القوى، طرقتها قوى الثورة التي كانت محاصرة في منطقة خفض التصعيد في إدلب، لتطلق عملية عسكرية من أجل توسيع جغرافيتها، سرعان ما تدحرجت إلى إسقاط النظام في 11 يومًا مع انكشاف مدى هشاشته. 

تواجه السلطات الجديدة الناشئة في دمشق تحديات داخلية كبيرة لجهة بسط سيطرتها وحفظ الأمن والحفاظ على وحدتها واستيعاب عودة اللاجئين والإعمار وتحقيق العدالة؛ إلا أن كل هذه التحديات الداخلية تأتي مع استمرار تقاطع خطوط الصراع الأربعة أعلاه في سوريا التي ما تزال محل تطلع روسي للمياه الدافئة، وتطلع أميركي لطرد الروس منها، أما "إسرائيل" فسرعان ما سعت إلى محاولة كيّ وعي القوى الجديدة بأنها قادرة على تهديد دمشق في أي لحظة، وأن ضمان أمنها والتطبيع تحت سيفها من متطلبات بقائهم واستتباب الأمر لهم، كما أن التنافس التركي - الإيراني مستمر في سوريا بتأكيد ردود الفعل الأولى. وأمام هذه التقاطعات يغدو تحقيق الشعب السوري لإرادته بالحرية مهددًا من جديد أن يصبح هامشًا على صراع دولي وإقليمي، وهو ما يفرض على القوى الجديدة في سوريا أن تتصدى للتحديات الخارجية بالجدية ذاتها التي تتصدى بها لتحدياتها الداخلية وربما بجدية أكبر، لأن الانكفاء في سوريا ليس خيارًا.

رفع العلم الفلسطيني بجانب علم الثورة السورية بعد تحرير قلعة حلب من نظام الأسد. (المصدر: السوشال ميديا)

الحدث السوري ربما لا يكون عابرًا في العمق العربي كذلك، فموجات الثورات السابقة في 2010 و2018 تقول إن العدوى ظاهرة ملازمة لها، ما يعني أن احتمال تجدد هذا النسق ممكن اليوم كذلك وإن لم يكن حتميًا بالضرورة.

إيران اليوم في المقابل، أمام تحدي تجديد شكل تحالفاتها وعلاقاتها بالمنطقة، فمحور المقاومة بعدما تكبده في ميدان الصراع من أثمان لم يعد بالتماسك الذي يسمح بتسميته محورًا، خصوصًا مع فقدانه النفوذ في سوريا، لكن التحدي الإسرائيلي مستمر وربما يتزايد بعد هذه التجربة، ما سيفرض أولًا ضرورة البحث عن حلول جديدة لتجديد تحالفات قوى المقاومة، وربما يدفع الدولة الإيرانية ثانيًا للمضي قدمًا لامتلاك القنبلة النووية بعد فقدان جزء مهم من قدرات الدفاع والمشاغلة المتقدمة، كما أنه يفرض ثالثًا التطلع إلى شكل جديد من العلاقات التي تعزز الثقة عبر الحدود المذهبية وتتجاوز تجارب العقود الماضية المؤلمة.

هل تُترك غزة في عزلتها؟ 

أمام هذا كله تمسي غزة التي أطلقت الزلزال أكثر عزلة أمام عدو استعاد جزءًا من اتزانه - ولو مؤقتًا - بما فرضه على الجبهات الأخرى، وبما حققه من دمار شامل للقطاع بشكل يسمح له بالرهان على أنه لن يعود قابلًا للحياة، رغم أن كل هذا الدمار لم يمنع أن تستمر المواجهات في بؤره الأكثر تضررًا في جباليا وبيت لاهيا حتى اليوم، ما يعلن إفلاس الخيار العسكري في القضاء على المقاومة أو استعادة الأسرى حتى وإن كان قادرًا على التدمير، الأمر الذي يفرض البحث عن فرصة لوقف الاستنزاف والتقاط الأنفاس ومحاولة ترميم ما يمكن ترميمه، خصوصًا أن المفاجأة السورية ربما تشجع "إسرائيل" والولايات المتحدة على وقف الحرب ولو مؤقتًا. 

اقرؤوا المزيد: الدولة القلقة.. سيناريوهات التهديد الوجودي لـ "إسرائيل"

أخيرًا، لا بد من التنبه إلى أن محاولة التصفية الصهيونية – الأميركية لفلسطين وقوى المقاومة مصحوبة أيضًا بمعارك تصفية داخلية عند الطرفين: الصهيونية الدينية تمرر مشروع تغيير عميق لبنية الكيان الصهيوني تحت مظلة الحرب، أما ترامب فقد جاء بأجندة تغيير عميق في شكل النظام السياسي الأميركي بالقدر ذاته الذي يحمل مقولات تصفوية تجاه فلسطين وقوى المقاومة، ما يسمح بالتعويل الجاد على مفاعيل الخلخلة الداخلية في الجبهتين الصهيونية والأميركية والتي يتوقع أن تتفجر أكثر كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية: إذ إن الاستحقاق الصهيوني القادم في نهاية شهر 10-2026، أما الاستحقاق الأميركي القادم فهو انتخابات التجديد النصفي في شهر 11-2026.

في الخلاصة، يمكن التوصل إلى الخطوط العامة الآتية:

أولًا: أدى تزامن خطوط الصراع الأربعة وتقاطعها إلى تعقيد المشهد العربي والإسلامي، وإلى منحِ مساحات تقدمٍ مجانية لـ "إسرائيل"، بات من المستحيل إنكارها بعد تجربة الطوفان وما تبعه من اختبار لأولوية الصراع ضد الصهيونية على خطوط الصراع الداخلي؛ وبناء على ذلك فإن تحسن البيئة الاستراتيجية لأي مشروع تحرري ضد الصهيونية مرهون بقرار إيلاء الأولوية لهذا الصراع على الصراعات الداخلية، وبالذات من طرف الفاعلين الإقليميين الأساسيين وأهمهم إيران وتركيا، ومن طرف قوى الثورة المنتصرة حديثًا في سوريا كذلك.

ثانيًا: المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات مفاجآت جديدة في الإقليم، خاصةً مع نجاح الثورة السورية في إسقاط نظام الأسد واحتمالية تحول ذلك بالعدوى إلى موجة ثورات كما حصل في 2010 و2018 وإن لم يكن حتميًا، وكذلك مع احتمالية تطلع "إسرائيل" للمضي في حرب تصفية للقوة الإيرانية باعتبار أن هذا هو الوقت المواتي لها قبل أن تجعل من امتلاك السلاح النووي أولوية لها بسبب مستجدات المنطقة.

ثالثًا: المرحلة القادمة تتطلب الصمود ومنع التراجعات، ومحاولة تقليل الاستنزاف قدر الممكن ومد جسور توحيد الصف وتجاوز أحقاب الدم السابقة التي ثبت بالتجربة استحالة الحسم فيها وضررها على المسار الاستراتيجي للصراع ضد الصهيونية والهيمنة الغربية التي تمثلها، والبحث عن أبواب ومساحات جديدة لفتح أبواب المقاومة لحين بدء الاختلالات التي تفرضها معارك التصفية الداخلية الإسرائيلية - الأميركية والمتوقع أن يكون مدى تجليها التدريجي عامين حتى شهر 11-2026.

رابعًا: ربما لم يعد من المخاطرة القول بأن فراغًا جديدًا نشأ اليوم في قوى المقاومة يفتح المجال لنشأة قوى جديدة، تملأ فراغ القوة وتعدل الميزان وتعمق الاستفادة من الخلخلة في الجبهة الإسرائيلية الأميركية وتعوض غياب فكرة المحور، وربما تكون الضفة الغربية والقدس مسرحًا لذلك، وربما تتجدد المفاجآت بالمقابل، على نسق ما يحصل منذ السابع من أكتوبر.