3 مارس 2026

الجبهة الداخلية الإسرائيلية.. العمق المكشوف تحت نيران الحرب

الجبهة الداخلية الإسرائيلية.. العمق المكشوف تحت نيران الحرب

تدير الجبهة الداخليّة الإسرائيلية مشهدَ الطوارئ في دولة الاحتلال. مع كلِّ حربٍ جديدة تُحدِّد خارطة الملاجئ للمستوطنين، وترسل لهم تعليمات الاستجابة لصفارات الإنذار، وتشرف على عمليات الإنقاذ وإدارة المشهد في "الحيز المدني". 

فما هي الجبهة الداخلية الإسرائيلية؟ وما مكوناتها؟ وأين موقعها في بنية جيش الاحتلال؟ وهل هي مستعدة فعلاً لسيناريوهات الحرب الممتدة والطويلة؟ 

البداية من حرب الخليج

في أعقاب حرب الخليج الأولى، وتحديداً في 17 شباط/ فبراير 1992، قررت دولة الاحتلال إنشاء قيادة الجبهة الداخلية بعد أن تعرّضت لقصفٍ صاروخيٍّ مباشر من العراق. حينها، استخلصت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية دروساً عملياتية، من بينها حاجتها لجبهة داخلية ليست ساحة خلفية بعيدة عن ساحة القتال، وإنما جبهة عمليات قائمة بذاتها.

وبذلك، أصبحت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية القيادة الرابعة في جيش الاحتلال. أوكلت إليها مهمة إدارة الحيز المدني في أوقات السلم والحرب، بما يشمل الجاهزية للطوارئ، وإصدار التعليمات للمستوطنين، وتنسيق الاستجابة مع الجهات المدنية. استندت صلاحياتها إلى قانون الدفاع المدني الإسرائيلي لسنة 1951، الذي حدّد مفهوم الحماية المدنية الإسرائيلية باعتباره وقاية السكان وتقليص آثار الهجوم، مع إخضاع إعلان الحالة الخاصة في الجبهة الداخلية لرقابة لجنة الخارجية والأمن في الكنيست.

اقرؤوا المزيد: كلّ ما يخصّنا بدأ في العراق

ترتبط الجبهة الداخلية بعلاقات عمل مؤسسية دائمة مع أذرع إسرائيلية متعددة، تشمل الشرطة، وسلطة الإطفاء والإنقاذ، ونجمة داوود الحمراء، وسلطة الطوارئ الوطنية، إلى جانب الوزارات الحكومية والسلطات المحلية. تنسّق هذه الجهات جهودها في مجالات الإنذار، والإخلاء، والإسعاف، والبحث والإنقاذ، وإدارة الملاجئ، وضمان استمرارية عمل المرافق الحيوية.

يعرّف قانون الدفاع المدني الإسرائيلي هذه الجهات بوصفها منظمات إسرائيلية مساندة ويُلزِمها بتنفيذ التعليمات خلال الحالة الخاصة أو أوقات الحروب. إذ يحافظ كل لواء مناطقي على قنوات اتصال مستمرة مع السلطات المحلية وينفّذ تدريبات دورية للمستوطنين وينشر تعليمات وقائية. هذا الإطار يضع الجبهة الداخلية الإسرائيلية في موقع تقاطع بين المستويات العسكرية والسياسية والمجتمعية.

جبهة داخلية بخمسة ألوية

تنقسم قيادة الجبهة الداخلية تنظيمياً إلى خمسة ألوية مناطقية: لواء الشمال، لواء حيفا، لواء دان، لواء القدس والمركز، ولواء الجنوب. يتفرع عن كل لواء عدد من الأقضية، وتضم هذه الأقضية كتائب إنقاذ من قوات الاحتياط تتلقى تدريباً متخصصاً في مهام البحث والإنقاذ. يهدف هذا الانتشار والتفرع إلى ضمان جاهزية محلية سريعة وتأمين استجابة متدرجة تتناسب مع حجم أي حدث وطبيعته.

يعمل إلى جانب الألوية لواء الإنقاذ والإرشاد النظامي، ويتألف من أربع كتائب مختلطة تؤدي مهام ميدانية مباشرة. كما تحافظ وحدة الإنقاذ الوطنية على جاهزية دائمة للتدخل في الحوادث الكبرى، وتشرف مدرسة "النجدة والإنقاذ" على برامج التأهيل المهني والتدريب التخصصي.

تركز أهداف الجبهة الداخلية على ثلاثة محاور مترابطة؛ تبدأ أولاً بالإعداد المسبق عبر التخطيط الممنهج وتعزيز التحصين وبناء وعي عام لدى المستوطنين حول سلوكيات الحماية والاستجابة للطوارئ، سواء في حال وجود تهديدات تقليدية مثل القصف الصاروخي، أو التهديدات غير التقليدية مثل تسريب مواد نووية وبيولوجية وكيميائية.

اقرؤوا المزيد: "إسرائيل": الاحتياط والحريديم ونظرية الأمن البالية

ويتمثل المحور الثاني بالاستجابة العملياتية، من خلال إدارة مواقع الدمار وتفعيل منظومات البحث والإنقاذ وبناء صورة موقف دقيقة خلال وقت قصير تتيح اتخاذ قرارات سريعة وفعّالة. وأخيراً، المساهمة في إعادة تأهيل الحيز المدني بعد انتهاء الحروب وتقليص زمن التعافي، أي تعزيز ما يسمى "الصمود الوطني". 

يشكّل التدريب ركيزةً أساسية في منظومة الجاهزية، إذ تقع قاعدة التدريب الخاصة في الجبهة الداخلية ضمن قاعدة "زيكيم" التي أعيد ترميمها بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023. 

الحرب مجهر التقييم

في أعقاب حرب لبنان الثانية عام 2006 التي استمرت 34 يوماً، نشر "مراقب الدولة" في "إسرائيل" تقريراً قيّم أداء الجبهة الداخلية عبر ثلاثة محاور: المسؤولية السياسية، والأداء العملياتي، والجاهزية المسبقة. أظهر التقرير أن الحكومة الإسرائيلية ركزت على إدارة الحرب في لبنان وأهملت إدارة الجبهة الداخلية، رغم وجود تقديرات سابقة رجّحت تعرّض الشمال لقصف واسع. كما لم يعقد خلال الأسابيع الأولى من الحرب نقاشٌ شامل حول مستوى الجاهزية، مما أدّى إلى فراغ إداري وغياب توجيه واضح.

على المستوى التنفيذي، لم تُفعّل قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية خطط الطوارئ المعدّة مسبقاً في المراحل الأولى، واعتمدت خطة متدرجة جرى إعدادها خلال الحرب. امتنعت الحكومة الإسرائيلية عن تشغيل منظومة الاقتصاد في حالة الطوارئ المنصوص عليها منذ عام 2001 بعدما قرر وزير جيش الاحتلال آنذاك، بعد عشرة أيام من اندلاع الحرب، عدم تفعيلها. كذلك لم تُنفَّذ خطة إخلاء المدنيين التي أُقرت عام 2001، والتي تتيح إخلاء ما يصل إلى 25 ألف شخص، رغم وجود ترتيبات مسبقة مع فنادق ومرافق استضافة.

ورأى مراقب الدولة في "إسرائيل" أن الملاجئ أحد أبرز مظاهر القصور، إذ صممت الملاجئ للإقامة القصيرة ولا تلائم البقاء المطوّل الذي فرضته الحرب، ما كشف فجوة واضحة بين الحاجة الفعلية ومستوى التحصين المتوفر. ورصد التقرير نقصاً في عدد الملاجئ العامة في بعض البلدات في "إسرائيل"، وضعفاً في صيانتها في بلدات أخرى، وغياب رقابة فعالة على الملاجئ في المباني السكنية الخاصة.

اقرؤوا المزيد: ليلة المكالمات المذعورة.. تحقيق إسرائيلي عن اللحظات الأولى للطوفان

بعد أكثر من عقد، تحديداً في عام 2019، نشر "مراقب الدولة" تقريراً جديداً حول جاهزية منظومة الإنقاذ، أظهر أن كتائب الاحتياط تعمل بجهوزية منخفضة إلى متوسطة بسبب قلة أيام التدريب وتباعدها، وأن قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية لم تُحدّث منذ تأسيسها تحليل قوام القوى البشرية رغم تغيّر طبيعة التهديدات.

سجّل التقرير نقصاً حاداً في المعدات الهندسية ووسائل الإنقاذ وفجوات في القدرة على إنقاذ عالقين داخل مبانٍ مرتفعة أو في مواقع دمار متزامنة، إضافة إلى عجز كبير في عدد سيارات الإسعاف قياساً بما تقتضيه الخطط المعتمدة. 

في عام 2020، كشف "مراقب الدولة" اتساع الفجوة في الحماية والتحصين بالأرقام، إذ أظهر أن نحو 2.6 مليون إسرائيلي لا يملكون وسائل تحصين مطابقة للمعايير قرب أماكن سكنهم، وأن 2,494 من أصل 12,601 ملجأ عاماً غير صالحة للاستخدام. بيّن أيضاً أن 231,650 إسرائيلياً يقيمون على بعد 40 كيلومتراً من حدود غزة دون تحصين معياري، وأن نحو 50 ألف إسرائيلياً يعيشون ضمن مسافة 9 كيلومترات من الحدود الشمالية دون حماية كافية.

أوضح التقرير أيضاً أنّ خطة إخلاء نحو 300 ألف إسرائيلي في حال الحرب لم تُستكمل وأن خطط إخلاء عشرات الآلاف في مدن حدودية بقيت غير منجزة مع غياب بدائل انتقال لسكان 17 مستوطنة حدودية. 

هل نجح بناء الحصن؟ 

كشف السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بما في ذلك فجوات بنيوية عميقة في مستوى التحصين، وآليات الإدارة، والقدرة على الصمود خلال حرب ممتدة.

على مستوى التحصين، أظهر تقرير مراقب الدولة في "إسرائيل" الصادر في كانون الثاني/ يناير 2026 أنّ نحو 3.2 مليون إسرائيلي، أي 33.6% من الإسرائيليين حتى مطلع 2025 لا يملكون تحصيناً مطابقاً للمعايير ضد الصواريخ، من بينهم 42,575 إسرائيلياً يقيمون في مستوطنات تبعد بين 7-20 كيلومتراً عن حدود قطاع غزة. وبيّن التقرير أيضاً أن 11.7% من الملاجئ العامة غير صالحة للاستخدام.

أما في جهاز التعليم، أظهرت بيانات آذار/ مارس 2024 أن 25% من الطلاب الإسرائيليين في 94% من المدارس يفتقرون إلى تحصين مطابق للمعايير، أي أكثر من 466 ألف طالب إسرائيلي. كذلك، لم تتوفر لدى وزارة التعليم الإسرائيلية بيانات تحصين لنحو 51% من صفوف رياض الأطفال، كما أنّ 46% من دور الحضانة لم تكن محصنة في العام الدراسي 2023 - 2024.

على مستوى القطاع الصحي ظهرت فجوات كبيرة في التحصين، ففي المستشفيات الإسرائيلية القريبة من الحدود، و27 مستشفى عاماً في "إسرائيل"، بقيت نسب كبيرة من البنية الطبية غير محصنة ولم تحصل على إجراءات الحماية اللازمة، وخاصة في غرف العمليات والعناية المكثفة وغرف الاستشفاء. أما مستشفيات الرعاية الإسرائيلية طويلة الأمد تنخفض نسبة التحصين في بعضها إلى أقل من الثلث، وقدّر التقرير كلفة سد هذه الفجوات بأكثر من أربع مليارات شيكل.

عمود أمن "إسرائيل"

تعتبر "إسرائيل" جبهتها الداخلية ركناً أساسياً من أمنها القومي، وتسعى بعد كل حرب تخوضها لمراجعة نقاط ضعفها وهشاشتها، وتصويبها، وذلك أولاً؛ لأثرها المباشر في الردع، لأن تحصين العمق المدني وتقليص قابليته للإصابة يمنح القيادة السياسية والعسكرية هامش قرار أوسع ويحد من قدرة الخصم على استخدام استهداف المدنيين كأداة ضغط؛ وثانياً: تضمن استمرارية عمل مؤسسات الدولة عبر الحفاظ على تشغيل المستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه والمواصلات والاتصالات والتعليم، ما يمنع تحول الهجوم إلى شلل اقتصادي وإداري.

كما تشكل الجبهة الداخلية عنصراً حاسماً في إدارة الحروب الطويلة إذ تتطلب الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة قدرة سريعة على الاستيعاب والإنقاذ وإعادة التأهيل كي لا تتآكل القدرة على مواصلة القتال. وأخيراً، تؤثر في الثقة العامة والتماسك الداخلي، لأن وضوح التعليمات وسرعة الاستجابة يعززان شعور الأمان النسبي وهو عامل معنوي يرتبط مباشرة بالأمن القومي.

تمتد تجربة الجبهة الداخلية الإسرائيلية على مدار أكثر من ثلاثة عقود، منذ حرب الخليج إلى ما بعد السابع من أكتوبر، كانت خلالها إحدى أهم أركان "الأمن الإسرائيلي". وخلال هذا المسار الممتد ثابر الاحتلال على سدّ الثغرات فيها ومعالجة جوانب الضعف فيها. ولأهميتها ودورها تبرز اليوم كهدفٍ للصواريخ الإيرانيّة، ويبرز أيضاً السؤال: كيف ستتكيّف وما هي قابليتها للصمود؟