fbpx

وادي فوكين.. قريةٌ مهدّدة وعودة ناقصة!

وادي فوكين.. قريةٌ مهدّدة وعودة ناقصة!
صور مادة من تصوير الكاتبة (متراس)

"عايشين فيها، ورزقتنا منها، ومعيشتنا منها، وكل شي إلنا منها، منحبها منموت عليها، قتلنا حالنا عليها. خمس ست مرات اليهود يطيحوا [يهاجمونا] علينا هون، ويقتلوا منا ويطخوا منا ويحاوونا ونعاود نرجع… عشرين سنة واحنا في الدهيشة، والصبح نيجي من [مخيم] الدهيشة عهون، نزرع ونقلع ونلقط خضرا، ونحرث ونعمر، وبعد العصر نحمل ونروح عالدهيشة. عشرين سنة واحنا رايحين وجايين، رايحين وجايين، ولا دشرناها [تركناها] احنا من مرة…".

سيدة فلسطينية (87 عاماً) من قرية وادي فوكين، تتحدث عن قريتها.

قرية وادي فوكين، الواقعة إلى الغرب من مدينة بيت لحم، واحدةٌ من قرى فلسطين التي تُقدّم مثالاً للتمسّك بالأرض والصّمود فيها، عدا عن تمسكها بالموروث الزراعيّ القديم. لسكان القرية قصّة تهجيرٍ وعودة وصمود توالت أحداثها على مدى ما يقارب عشرين عاماً بعد نكبة عام 1948.

تبعاً لـ"اتفاقية رودوس" عام 1949، رُسِم "الخطّ الأخضر" أو خطّ الهدنة، الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 1948، وبين ما تبقّى من أراضي فلسطين تحت الإدارة الأردنيّة، ليكون محاذياً للقرية وأراضيها. أضحت القرية، بالتالي، قريةً "حدوديّة". وفق رواية بعض أهالي القرية الشفويّة، لم ترغب حكومة الاحتلال الإسرائيلي في وجود فلسطينيين بالقرب من منطقة حدودية، فدُفِع باتجاه ترحيلهم من القرية.

رُحّل أهالي القرية إلى مخيمات وقرى قريبة كمخيم الدهيشة أو قريتي حوسان ونحالين، وسُمِح لهم بدخول القرية لممارسة أعمالهم الزراعيّة في أراضيهم، بشكلٍ يوميٍّ من السّاعة السّادسة صباحاً حتى السّاعة الرابعة عصراً. هكذا بالفعل، كان الرجال والنساء والأطفال يعودون إلى القرية كلّ صباح ليحرثوا ويزرعوا ويحصدوا، رغم محاولات عديدة لبث الرعب في نفوسهم، سواء بتدمير منازلهم، أو التربّص لهم، والتضييق عليهم بشتى الطرق الممكنة.

عام 1954، نجح أهالي وادي فوكين، بمحادثات جرت عبر الوسيط الأُممي بين الحاكم العسكريّ الإسرائيليّ وبين الحكومة الأردنيّة، في انتزاع تصريحٍ بالعودة الفعليّة إلى قريتهم؛ أيّ الإقامة والسّكن فيها. يروي الأربعينيّ محمد عوض، أستاذ مدرسة في القرية سمع الرواية عن والده، أن عددهم كان حينها ما يقارب 245 فلسطينياً، وأنهم عادوا إلى القرية في سيارات الجيش الأردنيّ.

حسب ذات الرواية، وفي تعبيرٍ عن تحوّطهم وتوجّسهم مما قد يُبيّته جيش الاحتلال، لم يعد أهالي القرية إلى البيوت مباشرةً، بل توجّهوا إلى كرم زيتون لأحدهم، وجلسوا تحت الأشجار؛ بدأت النساء في تحضير الطعام، بينما ذهب الرجالُ لتفقّد المزروعات. كان التوّجس في محلّه، فقد كمنت لهم قوات الاحتلال داخل بيوتهم، إلى أن أدركت أنّهم لم يعودوا إليها مباشرة، فخرجت باتجاههم وأطلقت النّار على بعضهم. يتذكر محمد عوض حادثةً مؤلمةً وقعت في ذلك الوقت أمام أعينهم، بعدما استشهدت سيدة بينما كانت تُرضع طفلها.

هكذا افتتح أهالي وادي فوكين عودتَهم إلى القرية عام 1954 بإطلاقٍ إسرائيليٍّ للنّار عليهم، واستمروا على هذا الحال في السّنوات اللاحقة. عام 1956، مثلاً، لغّمت قوات الاحتلال عدداً من بيوت القرية وهدمتها، حتى لا يبقى أي أفقٍ للعودة أو البقاء.

بعد نكسة عام 1967، واحتلال ما تبقى من أراضي القرية، استخدم جيش الاحتلال الإسرائيلي قسماً من أراضيها موقعاً للقيام بتدريباتٍ ومناورات عسكريّة. في إحدى المرات، أطلق الجيش النّار على المزارعين المتواجدين في أراضيهم، ومنهم عوض، الذي يقول إنه اختبأ حينها في "ماسورة" إحدى البرك لحماية نفسه.

مشهد عام في قرية وادي فوكين، تظهر أجزاء من الأراضي الزراعية، وعدد من بيوت القرية

مشهد عام في قرية وادي فوكين، تظهر أجزاء من الأراضي الزراعية، وعدد من بيوت القرية

حسب الرواية المتناقلة، تقدّم وجهاء من القرية بطلب إلى الحاكم العسكريّ الإسرائيليّ للتأكيد على رغبتهم في العودة الدائمة إلى القرية، والمطالبة بمنع اعتراضهم. عن ذلك تقول إحدى الفلاحات في الثمانين من عمرها: "راحوا هالختيارية عالحاكم العسكريّ، قالوله إحنا إلنا 20 سنة رايحين جايين، وبلدنا منزرعها ومناكل فيها ومننام فيها، ليش نضل رايحين جايين واحنا في الدهيشة في المخيم، قالهن اسمعوا، قالهن اللي بقدر يروح يسكن في بلده يروح، والله هيك قالهن، قاموا الناس تشجعوا وروحوا، اللي سوّى [عمل، بنى] عريش، اللي سوّى دار صغيرة…".

يقول عوض إن عدد الأهالي الذين عادوا إلى القرية كان بسيطاً حينها، ويُقدّره بحوالي 15 عائلة، إذ أن هناك مجموعة من أهالي القرية كانت قد هُجّرت إلى الأردن إبّان نكسة 1967.

نمطُ حياةٍ مهدّدٌ بالزوال

كان من بين ما تأثّر في قرية وادي فوكين بعد الاحتلال، نمطُها الزراعيّ التقليديّ المُميّز الذي يعود إلى مئات السّنين. كانت أراضي القرية مستخدمةً بشكلٍ كبيرٍ للزراعة البعليّة (الزراعة المعتمدة على مياه الأمطار)، عدا عن كونها مساحات مهمة لرعي الماشية. إضافة إلى وفرة مصادر المياه فيها للزراعة المرويّة، ففي القرية 11 عيناً ونبع ماء، تتصل بقنوات مياه قديمة محفورة في الصخر، تقوم بنقل المياه من الينابيع إلى البرك الزراعيّة والأراضيّ، وهذه واحدة من أقدم طرق الريّ.

في ظلّ غنى الموارد هذا، اعتبرت قرية وادي فوكين سلّة غذائيّة غنيّة بالمحاصيل، جعلت أهالي القرية في حالة اكتفاءٍ ذاتيّ، وصدّرت محاصيلها الصيفية كالباذنجان واللوبيا ومحاصيلها الشتوية كالزهر واللفت والفجل إلى مدن مجاورة كالخليل والقدس.

بشكل عام، وعلى الرغم من مشقة الأعمال الزراعيّة في "أيام البلاد"؛ أي قبل تأسيس دولة الاحتلال، كانت طبيعة الحياة القرويّة في فلسطين، ومنها وادي فوكين، بسيطة. عَمِلَ معظم الأهالي في الزراعة وأكلوا مما تنتجه الأرض، واشتروا أو قاموا بعمليات تبادل مع مزارعين آخرين للحصول على ما لم يتواجد لديهم. فضلاً عن ذلك، اعتاد الناس تخزين الفائض من محاصيل معينة، وحفظها بطرق طبيعيّة، حتى يتسنى لهم تناولها في مواسم أخرى، مثل العدس والشعير والقمح وأنواع عديدة من الفواكه المجفّفة.

إلى جانب ذلك، كانت العلاقة التي تجمع بين أهل القرية علاقةً يُمكن وصفها بالوديّة والمتينة، ويقول سكانها إنّ من كان لديه إنتاج إضافيّ من المحاصيل كان يعطيه لمن هو في حاجة إليه، أو لمن لا يملك أرضاً. كان جميع أفراد العائلة يعملون معاً، وكان هناك تقليد فلسطيني يطلق عليه "الفزعة" أو "العونة"، الذي يعني أن أهل القرية كانوا يقدمون العون إلى بعضهم البعض بشكل تطوعي في أوقات الحصاد أو الحراثة، خصوصاً أولئك الذين يملكون مساحاتٍ كبيرةٍ من الأرض.

وفّر هذا النمط من الحياة فسحةً لا تتوافر لدى الكثيرين، فوجودهم وعملهم بين أحضان الطبيعة كان كافياً لإشعارهم بالسعادة والمحبة والاكتفاء، كما يقولون. لكن هذا النمط مهدّد بالزوال، لأسباب عديدة منها ما يتعلق بمصادرة الأراضي والموجات الاستيطانية المتعددة، إضافة إلى عوامل "الحداثة" والظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها الفلسطينيون، والتي تفرض عليهم واقعاً آخر يختلف تماماً عن بساطة الحياة التي كان يعيشها الأجداد في يوم من الأيام.

إمكانية الزراعة.. بين الماضي والحاضر

كان لمصادرة الأراضي من قبل الاحتلال الاسرائيلي تأثيرٌ كبير على قطاع الزراعة في القرية، وأصبحت المساحة المتوفرة للزراعة ضئيلة. قُسّمت قرية وادي فوكين أو ما تبقى منها في اتفاقيات أوسلو إلى أراضي "ب" وأراضي "ج". في دراسة أجراها "معهد الأبحاث التطبيقية – أريج" عام 2010، حُدِّدت المساحة التي تشملها مناطق "ب" في القرية بحوالي 277 دونماً (ما يعادل 7.3٪ من مساحة القرية)، والمساحة التي تشملها مناطق "ج" بحوالي 3540 دونم (ما يعادل 92.7% من مساحة القرية).

بناء على هذه السياسات، فإن المناطق الواقعة تحت تصنيف "ب" هي المناطق التي تقع تحت سيطرة سياسية وأمنية إسرائيلية، ولكن أُعطيت مسؤولية التخطيط والبناء فيها شكلياً إلى السلطة الفلسطينية. أما مناطق "ج"، فهي المناطق المحيطة بمراكز المدن في الضفة الغربية، والمناطق التي تقع فيها المستوطنات، وهي تحت سيطرة إسرائيلية كاملة ولا يحق للفلسطينيين التخطيط أو البناء فيها بأي شكل من الأشكال.

وبما أن مناطق "ج" هي التي تتوفّر فيها أغلب إمكانيات تطوير مدن وقرى الضفة الغربية زراعياً وحضرياً واقتصادياً، وهي في ذات الوقت محجوبة عن استخدام الفلسطينيين، فإن الزيادة السكانية وما يرتبط بها من توسع عمرانيّ تعني تحويل الكثير من الأراضي الزراعية إلى أحياء جديدة في القرى والمدن.

عدا عن ذلك، فإنّ القرية محاطة بمستوطنتين إسرائيليتين؛ إلى الشرق مستوطنة "بيتار عليت" وما ينضوي تحتها من مستوطنات أصغر، وإلى الغرب الخطّ الأخضر ومن وراءه مستوطنة "تسور هداسا"، وهي مستوطنات بُنيت على الجبال المحيطة بقرية وادي فوكين، والتي كانت جزءاً لا يتجزأ من القرية. في ظلّ ذلك، وظلّ تهديدات الهدم والاقتحامات الإسرائيلية المستمرة إلى اليوم، تشكل القرية مثالاً على معارك الفلسطينيين في البقاء والصمود.

Avatar
باحثة بيئية من القدس

إقرأ أيضاَ